• Research
  • Emissary
  • About
  • Experts
Carnegie Global logoCarnegie lettermark logo
DemocracyIran
  • تبرع
من هرمز إلى المغرب العربي: الامتداد الجيوسياسي لأزمةٍ خليجية

المصدر: Getty

مقالة
مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

من هرمز إلى المغرب العربي: الامتداد الجيوسياسي لأزمةٍ خليجية

يضطرّ المغرب والجزائر، كلٌّ على طريقته، إلى التعامل مع التداعيات الاقتصادية للحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران.

Link Copied
ياسمين زغلول
نشر في 11 أغسطس 2026

مقدّمة

تشكّل الأزمة التي تسبّب بها إغلاق مضيق هرمز أمام جزءٍ كبير من حركة الشحن التجاري مدخلًا لفهم العقبات التي تعترض التخطيط لعملية التحوّل الأخضر انطلاقًا من البلدان الطَرفية في الاقتصاد العالمي. فالتأثير التراكمي للإجراءات المُعرقِلة التي اتّخذتها إيران والولايات المتحدة في المضيق ومحيطه ينطوي على انعكاساتٍ قويةٍ على أكبر اقتصادَين في المغرب العربي. فقد واجه المغرب، الذي يعتمد إنتاجه من الأسمدة الفوسفاتية على واردات الكبريت والأمونيا من دول الخليج، اضطرابًا في الإمدادات في وقتٍ لم تتحقّق بعد استراتيجيته الصناعية الخضراء الرامية إلى إنهاء هذا الاعتماد. في المقابل، ستستفيد الجزائر على الأرجح من ارتفاع عائدات المحروقات نتيجة الارتفاع الأخير في أسعار النفط، إلا أنها للسبب نفسه تواجه ضغوطًا متجدّدةً لتأجيل التحوّل نحو الطاقة الخضراء، وهو تحوّل كان جدوله الزمني موضع جدلٍ أصلًا.

والواقع أن المشقّات التي تعترض أكبر اقتصادَين في المغرب العربي تختزل حالة التوتّر القائمة بين سعي الدول النامية إلى تحقيق السيادة في مجال الطاقة، والاضطراب العالمي الذي يعيق بلوغ هذا الهدف. فأزمة مضيق هرمز تكشف أن أيّ اضطراب جيوسياسي في منطقة الخليج أو الشرق الأوسط، حتى بدرجةٍ أكبر من الحرب في أوكرانيا مثلًا، لن يبقى بالضرورة محصورًا في المنطقة التي نشأ فيها. هذا الواقع يؤثّر على الطريقة التي يدير بها كلٌّ من الجزائر والمغرب عملية التحوّل إلى الطاقة الخضراء، ويزيد الضغط على التوازن الهشّ أصلًا بين الاستقرار الداخلي والاعتبارات الخارجية في كلا البلدَين.

الاندفاعة نحو الطاقة المتجدّدة: ديناميّات الدفع والجذب

دخل التحوّل الأخضر إلى المشهد السياسي العالمي بوصفه وعدًا بإحداث تغيير. فمنذ اتفاق باريس للمناخ في العام 2015، الذي أرسى إطارًا عالميًا لخفض انبعاثات غازات الدفيئة عبر خطط العمل المناخي، تركّزت جهود الحدّ من صافي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على تحقيق مجموعة من الأهداف المرحلية، بدءًا من خفض انبعاثات غازات الدفيئة، وصولًا إلى بلوغ أهداف الطاقة المتجدّدة. وجاء التقييم العالمي الأول، وهو آلية تقييمٍ شاملة أقرّتها الدول المشاركة في الدورة الثامنة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (COP28) الذي عُقِد في دبي في العام 2023، ليعزّز هذا التوجّه من خلال تقييمِ التقدّم الذي أحرزته الدول، وحثِّ عددٍ منها على تعزيز خططها المناخية. وشكّل مؤتمر ذلك العام أيضًا أول اتفاق مناخي رسمي للأمم المتحدة يدعو الدول صراحةً إلى التحوّل باتّجاه التخلّي تدريجيًا عن استخدام الوقود الأحفوري في أنظمة الطاقة. لكن على الرغم من تزايد الضغوط الرامية إلى خفض انبعاثات الكربون مذاك الحين، يبدو أن العالم الذي من المفترض أن يشهد هذا التحوّل يختلف أكثر فأكثر عن المسار السياساتي المنظّم الذي تَصَوّره اتفاق باريس.

وقد برز أحدث تجلّ لهذا التباين في منطقة الخليج، حيث أسفرت الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في شباط/فبراير 2026 عن اندلاع حربٍ خلّفت خسائر بشرية واسعة النطاق، وزعزعت الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، وألحقت أضرارًا جسيمةً بالبنى التحتية وسلاسل الإمداد. وردًّا على هذا الهجوم، أغلقت إيران مضيق هرمز أمام معظم حركة الشحن البحري، فيما فاقم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة لاحقًا على الموانئ الإيرانية حدّة الاضطرابات، وسرعان ما اتّخذت الأزمة أبعادًا عالمية.

تراجعت حركة مرور السفن عبر مضيق هرمز بنسبةٍ تزيد عن 95 في المئة منذ آذار/مارس، ما أدّى إلى تقليص تدفّقات موارد الطاقة والأسمدة. فما كان إلا أن ارتفعت أسعار الطاقة ارتفاعًا حادَّا، إذ زاد سعر خام برنت بأكثر من 50 في المئة، في ظلّ انخفاضٍ في الإنتاج قُدّر بنحو 14.5 مليون برميل يوميًا. بالتزامن مع ذلك، ارتفعت أيضًا تكلفة الأسمدة، التي تُستورَد مكوّناتُ إنتاجها من منطقة الخليج. ويتوقّع البنك الدولي أن ترتفع أسعار اليوريا بنحو 60 في المئة في العام 2026، فيما حذّرت منظمة الأغذية والزراعة من أن أسعار الأسمدة قد ترتفع في المتوسط بنسبة 15 إلى 20 في المئة في النصف الأول من العام، وهو ما سيؤدّي على الأرجح إلى انخفاض إنتاج المحاصيل التي تتطلّب كميات كبيرة من الأسمدة، مثل القمح والأرزّ والذرة. ونظرًا إلى اعتماد كبار منتجي الأغذية، مثل الهند والبرازيل، على الأسمدة المستوردة، يمكن أن يؤثّر ارتفاع تكاليفها على نوعية المحاصيل التي يزرعها المزارعون وكمياتها، ما ينعكس في نهاية المطاف على إنتاجية المحاصيل والأمن الغذائي.

أما في ما يخصّ أكبر اقتصادَين في المغرب العربي، فتزيد هذه الأزمة حدّة التوتّرات القائمة منذ زمن طويل بين الاعتماد على الموارد المحلية وسلاسل الإمداد الدولية من جهة، والسعي إلى التحوّل نحو الطاقة الخضراء من جهة أخرى. في ظلّ هذا المشهد، يسلك كلٌّ من المغرب والجزائر مسارًا مختلفًا، إذ تسعى الرباط، بوصفها مستوردًا للأمونيا والكبريت والطاقة، إلى احتواء تأثير الصدمة الناجمة عن نقص الإمدادات، وابتكار سبلٍ للتعويض عنه. أما الجزائر، فتعيد التموضع لترسيخ مكانتها باعتبارها أحد أبرز مورّدي النفط والغاز إلى أوروبا في حالات الطوارئ.

المشهد من الرباط

تشكّل أزمة مضيق هرمز للمغرب سيفًا ذا حدَّين. فمن ناحية، تهدّد صعوبة الوصول إلى الكبريت والأمونيا الآتيَين من الخليج بفرض ضغوط على إنتاج الفوسفات. ومن ناحية أخرى، أتاحت الأزمة للرباط فرصةً لتجاوز المنتجين الخليجيين، إذ حظيت الموانئ البحرية للمملكة على ما يبدو باهتمامٍ متجدّدٍ بوصفها نقاط عبور محتملة للسفن التي كانت تمرّ سابقًا عبر الخليج. وهكذا، تسلّط الأزمة الضوء على الوضع المزدوج التي تجد المملكة نفسها فيه. ففيما تعتمد صناعة الفوسفات في المغرب على المركّبات المستوردة من الخليج، تتمتّع الرباط أيضًا بموقعٍ أفضل مقارنةً مع المنتجين الآخرين، وهو موقع يتيح له مواصلة التصدير عبر المسارات الأطلسية. فضلًا عن ذلك، أصبح لدى المغرب حافزٌ إضافيٌّ لتحقيق خططه للتحوّل الأخضر، على الرغم مما تنطوي عليه من مخاطر، ولا سيما إذا ما نُفّذَت على عجل.

لقد كان تأثير أزمة مضيق هرمز شبه فوريّ على المغرب، الذي يمتلك نحو 70 في المئة من احتياطيات الفوسفات المعروفة عالميًا، ويُعَدّ إحدى أكبر الدول المُصدّرة له. يتطلّب تحويل صخور الفوسفات إلى أسمدة جاهزة مادةَ الكبريت، وهي مادة أوّلية تعتمد المملكة في إنتاجها على دول الخليج بالكامل تقريبًا. والواقع أن هذه الدول تستحوذ على ما يقرب من 44 في المئة من الكبريت المُتداوَل عالميًا، الذي يُستخلَص معظمه كناتج ثانوي من عمليات تكرير النفط والغاز. وتستورد مجموعة المكتب الشريف للفوسفات (أو مجموعة OCP)، وهي شركة مغربية مملوكة للدولة بغالبية الأسهم تختصّ بالفوسفات والمنتجات الكيميائية، ما يقرب من 3.7 ملايين طنّ من الكبريت سنويًا، يُحوَّل الجزء الأكبر منه محليًا إلى الحمض اللازم لتحويل صخور الفوسفات إلى فوسفات ثنائي الأمونيوم (DAP) وفوسفات أحادي الأمونيوم (MAP)، وكلاهما يُستخدَم في إنتاج الأسمدة. يُشار إلى أن جائحة كوفيد-19 في العام 2020 فرضت تحدّياتٍ على هذا الترتيب، إذ ارتفعت تكلفة إنتاج الأمونيا إلى 1000 دولار للطنّ، مقارنةً بمستوى مرجعي بلغ 110 دولارات للطنّ قبل الجائحة.

وما لا يقلّ أهميةً في هذا النقاش أيضًا هو اعتماد الرباط الأوسع على الخارج في مجال الطاقة. فالمغرب يعتمد على الواردات لتلبية 90 في المئة تقريبًا من احتياجات الطاقة لديه. وصحيحٌ أن أسعار النفط عادت إلى مستويات ما قبل الحرب عند كتابة هذا المقال، عقب إبرام اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أنها قد ترتفع مجددًا. فمن جهة، سبق أن تعثّر اتفاق وقف إطلاق النار الهشّ أكثر من مرة، ومن جهة أخرى، لا تزال حركة الشحن متأثّرة بتكاليف التأمين واستمرار حالة انعدام اليقين بشأن مرور السفن عبر مضيق هرمز. وقد فرض ارتفاع أسعار النفط إلى جانب تعثّر الحصول على الكبريت ضغوطًا على القدرة الشرائية للمستهلكين، بينما لم يكن قد مضى وقتٌ طويلٌ على استيعاب الأُسَر المغربية تداعيات ارتفاع أسعار الديزل والبنزين إلى حوالى 1.60 دولار لليتر في نيسان/أبريل 2026. وكانت الشركات العاملة في البناء والعقارات من أكثر القطاعات تضرّرًا، فيما طالت ضغوطٌ مماثلةٌ قطاع تصنيع المنتجات المشتقّة من النفط على غرار البلاستيك. واستجابةً لهذا الوضع الطارئ، أعادت الحكومة تفعيل الدعم المالي لقطاع النقل بدءًا من آذار/مارس 2026.

ولا يقتصر تأثّر المغرب بالأزمة على سلاسل الإمداد المادية، بل يطال أيضًا البيئة التنظيمية التي تتبلور في ظلّها استراتيجيتها الصناعية الخضراء. فمع تضييق الخناق على أسواق الأسمدة نتيجة إغلاق مضيق هرمز، ناقش الاتحاد الأوروبي مسألة تعليق تطبيق آلية تعديل ضريبة الكربون الحدودية على الأسمدة، التي دخلت حيّز التنفيذ في 1 كانون الثاني/يناير 2026. وكان الاتحاد فرض هذه الضريبة جزئيًا لمكافأة المنتجين الأكثر مراعاةً للبيئة، مثل مجموعة OCP التي تتبنّى توجّهًا نحو إنتاج الأمونيا الخضراء. وكانت فرنسا وإيطاليا تضغطان لإعفاء الأسمدة من هذه الآلية قبل الحرب، مبرّرتَين ذلك بالضغوط التي يواجهها المزارعون الأوروبيون. وبحلول 30 آذار/مارس 2026، انضمّت دولٌ أعضاء أخرى، مثل كرواتيا وإيرلندا، إلى هذا المطلب، مُحذّرةً من المخاطر التي تهدّد القدرة التنافسية للمزارعين المحليين. فاقترحت المفوضية الأوروبية آلية "تعليقٍ طارئ" تتيح تعليق آلية تعديل ضريبة الكربون الحدودية مؤقّتًا في حالات "تعرّض السوق الداخلية في الاتحاد لضررٍ جسيم"، وأعلنت بالتوازي تخفيضات مؤقّتة للرسوم الجمركية على أنواعٍ محدّدةٍ من الأسمدة. يُظهِر هذا التعليق المؤقّت، وإن كان لا يؤثّر على المغرب مباشرةً في الوقت الراهن، أن القواعد التي وُضِعَت لمكافأة المنتجين الأكثر مراعاةً للبيئة يمكن تعديلها حتى تحت وطأة الضغوط السياسية، ما يضيف قدرًا من عدم اليقين إلى أيّ مكاسب متوقّعة. في غضون ذلك، تتطلّع مجموعة OCP إلى خارج أوروبا، إذ أفادت التقارير بأنها باعت 90 ألف طنّ من الأسمدة الفوسفاتية إلى أسواق أميركا اللاتينية في آذار/مارس، وتجري محادثات مع شركات هندية لإبرام صفقات إضافية.

في المغرب، تُعيد الأزمة الراهنة إلى الأذهان ما حدث عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في العام 2022، حينما شهدت الأسواق العالمية للأمونيا والأسمدة اضطرابات، لكن على خلاف الحرب الروسية الأوكرانية، فإن إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعدّ ممرًّا بحريًا حيويًا، يجعل إيجاد مصادر بديلة للإمدادات أكثر صعوبة. واللافت أن صدمة العام 2022 كشفت عن اعتماد مجموعة OCP على مادّة الأمونيا المستوردة (إذ أفادت التقارير أن المجموعة أنفقت 2 مليار دولار لشرائها في ذلك العام)، ما دفع الرباط إلى الإعلان عن استراتيجية لإنتاج الأمونيا الخضراء باستخدام الهيدروجين المتجدّد والمُنتَج محليًا. وتضمّنت الخطة إنشاء مجمّع للأمونيا الخضراء بتكلفة 7 مليارات دولار بالقرب من مدينة طرفاية، إلا أن المشروع لم يدخل حيّز التنفيذ بعد. كذلك، قد لا ينجح إنتاج الأمونيا الخضراء بالكامل في التعويض عن الاعتماد على المركّب الأساسي الآخر وهو الكبريت. وفي ظلّ تقلّص الإمدادات من منطقة الخليج، اضطرّت مجموعة OCP إلى تنويع مسارات توريد الكبريت، ولا سيما عبر كازاخستان ومنطقة البحر الأسود، بالتوازي مع توجيه الإنتاج نحو أسمدة السوبر فوسفات الثلاثي (TSP)، وهو نوع يتطلّب كميات أقلّ بكثير من الكبريت مقارنةً مع الأسمدة من فوسفات ثنائي الأمونيوم وفوسفات أحادي الأمونيوم اللذَين كانا يشكّلان الخيارَين المفضّلَين.

المشهد من الجزائر

تواجه الجزائر مجموعةً مختلفةً من القيود. ففي حين أن هشاشة المغرب تعود إلى اعتماده على واردات الطاقة ومدخلات إنتاج الأسمدة، تتعزّز مكانة الجزائر الدولية بفضل ما تمتلكه من ثروة هيدروكربونية. وقد رأى مراقبون أن هذه اللحظة قد تمثّل فرصةً مؤاتيةً للجزائر للاستفادة من توجّه معظم العالم نحو مورّدين للنفط والغاز من خارج منطقة الخليج. لكن قيود البنية التحتية، وحصص الإنتاج التي تحدّدها منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك)، التي تُعَدّ الجزائر عضوًا فيها، تحدّ قدرتها على زيادة الإنتاج. يُضاف إلى ذلك أن البلاد تواجه تزايدًا مطّردًا في الاستهلاك المحلي للغاز، وهو أمرٌ يتعيّن على الحكومة منحه الأولوية حتى في ظلّ الارتفاع الكبير في احتياجات الدول الأخرى.

بين العامَين 2020 و2024، شكّل قطاع النفط والغاز نحو 82 في المئة من صادرات الجزائر، و45 في المئة من إيرادات الميزانية. فالجزائر تُعَدّ ثالث أكبر مورّد للغاز إلى الاتحاد الأوروبي، وثاني أكبر مورّد للغاز إليه عبر خطوط الأنابيب بعد النرويج. في العام 2022، تسبّب الغزو الروسي لأوكرانيا بقطع أوروبا عن مصدرها الرئيس للغاز، فبدأت دول أوروبية عدّة تتطلّع إلى الجزائر لتلبية احتياجاتها. ثم في نيسان/أبريل من ذلك العام، أبرمت إيطاليا اتفاقًا مع الجزائر لزيادة وارداتها من الغاز بنسبة 40 في المئة تقريبًا، حيث عمدت شركة النفط والغاز الجزائرية المملوكة للدولة (سوناطراك) إلى زيادة تدفّقات الغاز عبر خط الأنابيب العابر للمتوسط بما يصل إلى 9 مليارات متر مكعّب من الغاز الإضافي سنويًا. وفي تموز/يوليو 2022، وقّعت سوناطراك عقدًا مدته ثلاث سنوات مع الشركة الفرنسية "إنجي" (Engie) لتوريد الغاز بسعر جديد أعلى في ظلّ الاضطرابات التي شهدتها الأسواق العالمية. هذا الأمر مكّن الجزائر من زيادة إيراداتها واكتساب نفوذ جيوسياسي. ففي العام 2025، وصلت صادرات سوناطراك من الغاز إلى ما يقرب من 49 مليار متر مكعّب، صُدّر 14 مليار متر مكعّب منها على شكل غاز طبيعي مُسال.

وخلال العام الجاري، أعاد إغلاق مضيق هرمز والضربات الإيرانية التي استهدفت منشآت رأس لفان القطرية للغاز الطبيعي المُسال، والتي دفعت شركة قطر للطاقة المملوكة للدولة إلى إعلان حالة القوة القاهرة بشأن شحناتها المتّجهة إلى الدول الأوروبية في 4 آذار/مارس 2026، القادةَ الأوروبيين مجددًا إلى الجزائر. فقد زارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني العاصمة الجزائرية، وتلاها وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريز. اتّسمت هاتان الزيارتان بالأهمية نظرًا إلى أن إيطاليا وإسبانيا، اللتَين تستوردان حاليًا ما يقرب من 30 في المئة من احتياجاتهما من الغاز من الجزائر، تسعيان إلى زيادة مشترياتهما. وقد عزّزت روما التعاون بين شركة "إيني" (Eni) الإيطالية متعدّدة الأنشطة في قطاع الطاقة، والتي تُعَدّ الدولةُ المساهمَ الأكبر فيها، وشركة سوناطراك، إذ ركّزت النقاشات الأخيرة على التنقيب البحري والمحروقات غير التقليدية. وشكّل الغاز الجزائري أيضًا أكثر من 29 في المئة من إجمالي واردات إسبانيا من الغاز خلال الشهرَين الأوّلَين من العام 2026، حيث وصل بشكل رئيس عبر خط أنابيب "ميدغاز" (Medgaz) الذي تمتلك فيه شركة "ناتورجي" (Naturgy)، وهي شركة إسبانية متعدّدة الجنسيات تعمل في قطاعَي الغاز والكهرباء، حصةً أقلية.

وقد جنت الجزائر ثمار ذلك، إذ كان خام "مزيج الصحراء"، وهو النفط الخام القياسي الجزائري الذي يحظى بتقدير شركات التكرير الأوروبية لانخفاض نسبة الكبريت فيه، يُتداوَل بأقلّ من 70 دولارًا للبرميل في كانون الثاني/يناير 2026، قبل أن يتخطّى الـ100 دولار في آذار/مارس، مُسجّلًا أعلى مستوى له منذ صدمة العام 2022. وفي أوائل أيار/مايو 2026، وحتى في ظلّ وقف إطلاق نارٍ هشّ، ظلّت الأسعار تتأرجح بين 95 دولارًا و110 دولارات تقريبًا. ثم بحلول منتصف حزيران/يونيو، كان سعر النفط قد انخفض إلى ما دون الـ80 دولار للبرميل، وسط توقّعاتٍ ثبتت صحّتها لاحقًا بأن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران ستُفضي إلى إعادة فتح المضيق. مع ذلك، ظلّ السعر أعلى من متوسط العام السابق، فيما من المتوقّع أن تستغرق العودة إلى مستويات ما قبل الحرب بعض الوقت. وتدلّ جميع المؤشّرات على أن الطلب الخارجي، المدفوع بالصراع، أعاد المحروقات إلى صلب العلاقات الأوروبية المتوسطية. وهذه الظاهرة نفسها ضمنت بقاء المحروقات في صميم الحياة الاقتصادية والسياسية الجزائرية.

مع ذلك، وبما أن الجزائر خاضعة لحصص الإنتاج التي تُحدّدها منظمة أوبك، لديها هامش محدود لزيادة إنتاجها النفطي. ففي نيسان/أبريل 2026، أعلنت عن زيادة هامشية قدرها 6 آلاف برميل يوميًا فقط، ليصل إجمالي إنتاجها إلى 977 ألف برميل. وستتطلّب أحجام الصادرات الجديدة الكبيرة، سواء عبر خطوط الأنابيب أو الغاز الطبيعي المُسال، استثمارات جديدة في المراحل الأولى من الإنتاج (أي الاستكشاف والتنقيب والاستخراج)، والبنية التحتية اللازمة. كذلك، على الرغم من أن السعة الاسمية لخط الأنابيب العابر للمتوسط تُقدَّر بحوالى 33.5 مليار متر مكعّب، بلغت كميات الغاز الطبيعي التي تدفّقت عبره في العام 2024 نحو 21 مليار متر مكعّب فقط، ما يشير إلى أن العقبة الرئيسة لا تكمن في سعة خط الأنابيب فحسب، بل أيضًا في قدرة الجزائر على إنتاج كميات إضافية من الغاز وتصديرها. ويشهد حقل حاسي الرمل، الذي يسهم بما يقرب من نصف إنتاج الغاز الوطني، انخفاضًا طويل الأمد، ما استدعى اتخاذ تدابير متكرّرة لتعزيز الإنتاج: أولًا، في العام 2017، من خلال مشروع بقيمة مليارَي دولار يهدف إلى الحفاظ على استقرار الإنتاج؛ ثم في العام 2024، عبر تخصيص مبلغٍ إضافي قدره 2.3 مليار دولار لتطوير المرافق. وفي الوقت نفسه، يرتفع الطلب المحلي على الغاز بنسبة تتراوح بين 4 و5 في المئة سنويًا، بسبب النمو السكاني وارتفاع استهلاك الكهرباء.

ما من حلول سهلة

تُظهر أزمة مضيق هرمز أن التحوّل نحو الطاقة الخضراء في المغرب العربي يتمّ في ظلّ قيود تؤثّر بشكل مختلف على القوتَين السياسيتَين والاقتصاديتَين الرئيستَين في المنطقة، وقد أفضى ذلك إلى ردود فعل متباينة. فالمغرب لا يزال يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، وإمدادات الكبريت والأمونيا الآتية من دول الخليج، ويتأثّر بمشهد تنظيمي أوروبي متغيّر قد يكافئ أو لا يكافئ المنتجات الأقل انبعاثًا للكربون، التي صُمّمت آلية تعديل ضريبة الكربون الحدودية لتشجيعها. في المقابل، ترى الجزائر في ذلك فرصةً لتزويد تلك الدول الأوروبية بما تحتاج إليه.

حتى الآن، انطوى ردّ فعل المغرب على شقَّين. فهو يعمل على تنويع مصادر المركّبات، بما في ذلك الكبريت، مع التوجّه في الوقت نفسه نحو مصادر الطاقة المتجدّدة للحدّ من اعتماده طويل الأمد على واردات الأمونيا. ويُعَدّ هذا التحوّل الحاسم نحو الطاقة المتجدّدة خطوةً حكيمة من الناحية النظرية، إلا أنه يتطلّب إنتاجًا يعتمد بشكل كبير على الطاقة الخضراء لإثبات نجاعته على المدى الطويل. أما تحرّك الجزائر لتزويد الدول الأوروبية بالمواد الهيدروكربونية، فيساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية التي تواجهها على المدى القصير. لكن على المدى الطويل، يرسّخ هذا النهج النموذجَ الريعي السائد في الجزائر، ويُضعف أيّ حافز لتنويع الاقتصاد. وبالتالي، حتى لو أُعيد فتح مضيق هرمز بشكل دائم وعادت الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية، ستظلّ الجزائر تواجه التحديات نفسها التي كانت قائمة قبل الأزمة، أي الاعتماد المستمرّ على النفط والغاز، والهوامش المالية المحدودة، وأجندة التنويع غير المُكتملة.

وفي الحالتَين، من الواضح أن أيّ أزمة تندلع خارج المنطقة يمكن أن تُعيد تشكيل مكانة البلدَين ضمن ميزان القوى العالمي. فقد التزم كلٌّ من المغرب والجزائر بخططٍ طويلة الأمد لمواجهة تغيُّر المناخ، ووضعا استراتيجيات وطنية للطاقة، وأعلنا عن رؤيتَيهما لتحقيق السيادة في مجال الطاقة. لكن في الحالتَين أيضًا، تتأثّر استجابة الدولتَين للأزمات بطبيعة الحالة الطارئة، سواء من حيث إعادة تفعيل سياسات الدعم، أو التوجّه نحو مشترين بديلين، أو زيادة إنتاج الوقود الأحفوري. وهكذا، تُعدَّل استراتيجيات الطاقة الخضراء التي حظيت بترويج واسع، على عجل، بل قد تُعلَّق فورًا على يد الحكومات نفسها التي صاغتها.

تُعقِّد هذه الديناميّات مجتمعةً صورة التحوّل الطاقي باعتباره مسارًا تسلسليًا مُحكم التخطيط. فالأُطر السياساتية لا تزال تصف عملية خفض الانبعاثات الكربونية كسلسلةٍ من الأحداث والخطوات القابلة للقياس: تحديد الأهداف، وتطوير البنية التحتية، وإبرام الصفقات التمويلية، ونقل سلاسل الإمداد إلى دول صديقة (friend-shoring) ودول مجاورة (near-shoring)، والحصول على الشهادات، والنفاذ إلى الأسواق. لكن هذا المسار الذي يبدو تقنيًا ومنظّمًا في ظاهره لم يعد صالحًا حين تتراكم الأزمات. فالظروف التي تولّد أزمات كأزمة مضيق هرمز ليست عرضية، ولا هي حتمية لا مفرّ منها، بل هي نتاج خيارات سياسية تتّخذها قوى دولية نافذة تُبقي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكمله رهينة "حروب أبدية"، تطال تداعياتها أماكن أبعد بكثير من حدود المنطقة.

تُظهر أزمة مضيق هرمز وتبعاتها على المديَين القصير والطويل أن الاختلال لم يعد عاملًا خارجيًا عن خطط التحوّل الأخضر، حتى في بلدان المغرب العربي البعيدة جغرافيًا عن مسرح الأزمة. وهذه التداعيات تحدّد أيّ مستقبل لا يزال ممكنًا. فقد ترى الجزائر فرصةً لتكون موّردًا عالميًا للوقود الأحفوري في حالات الطوارئ، وإن كان ذلك لا يخدم ذلك في نهاية المطاف خطتها للتحوّل الطاقي. في غضون ذلك، بينما قد تكون الحرب الروسية الأوكرانية قد عزّزت جاذبية التكيّف الأخضر من منظور الرباط، فإن الأزمة الحالية تمثّل اختبارًا أصعب بكثير للمغرب. وقد يشكّل إغلاق مضيق هرمز تحديًا لقابلية تحقّق التحوّل نحو الطاقة الخضراء في المغرب. وعلى أقلّ تقدير، فإنّ واقعًا ترسم معالمه أزمات عالمية بهذا الحجم سيغيّر الصورة والصيغة المتخيّلتَين لطبيعة هذا التحوّل.

خاتمة

لم يَعُد السؤال المطروح على المغرب والجزائر يتمثّل في ما إذا كان عليهما توجيه مسارَيهما نحو الطاقة الخضراء. فقد سار البلَدان في هذا الاتجاه، وإن كان المغرب قد فعل ذلك بشكل أكثر حزمًا من الجزائر. بل بات السؤال يتمحور حول كيفية تطبيق هذه الخطوة وتوقيتها. تُظهر الصدمة الحالية أن رهان المغرب على إنتاج الأمونيا الخضراء محليًا يبدو مُبرّرًا، في الوقت الراهن على الأقل. وستظلّ جدوى هذا التحوّل المخطَّط له مرهونةً بما إذا كان إنتاج الطاقة المتجدّدة سيُعزَّز ثم يُحافَظ عليه عند المستوى المرتفع المطلوب؛ فإذا تحقّق ذلك، قد تصبح المملكة في طليعة مورّدي الأسمدة الفوسفاتية. أما الجزائر، فخيارها أكثر حدّة. صحيحٌ أن وفرة النفط والغاز الطبيعي لديها تمنحها متنفّسًا ماليًا فوريًا ونفوذًا دبلوماسيًا أكبر، إلا أنها في المقابل تزيد اعتماد البلاد على موارد ناضبة، ستتراجع قدرتها على توليد العائدات بمجرّد انتهاء الأزمة الراهنة. بدلًا من ذلك، يمكن للجزائر أن تحاول الالتزام بالجدول الزمني المحدّد لتحوّلها الأخضر، لكن ذلك يعني التخلّي عن المكاسب المالية المؤقتة المتاحة حاليًا بفعل ارتفاع الطلب العالمي على النفط والغاز من دولٍ لم يتأثّر إنتاجها بالأزمة إلى حدٍّ كبير.

عن المؤلف

ياسمين زغلول

باحثة غير مقيمة، مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط

ياسمين زغلول باحثة غير مقيمة في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط.

    الأعمال الحديثة

  • أوراق بحثية
    تحوّلٌ أخضر في المغرب العربي أم استغلالٌ بحلّة جديدة؟

      ياسمين زغلول

  • تعليق
    حين تتجاوز كرة القدم حدود الرياضة

      عصام القيسي, ياسمين زغلول

ياسمين زغلول
باحثة غير مقيمة، مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط
ياسمين زغلول
المغرب العربيالمغربالجزائرإيرانإسرائيلالولايات المتحدةالخليجطاقةتجارة

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال Carnegie Endowment for International Peace

  • تعليق
    صدى
    تدويل اليوان: كيف تعمل الصين على الترويج لعملتها في أسواق الخليج

    هل يتجه الخليج إلى ما بعد هيمنة الدولار؟ يتناول هذا المقال توسّع الصين لاستخدام اليوان في أسواق الخليج، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل النظام المالي الإقليمي، ولماذا تبدو مسألة فك الارتباط بالدولار أكثر تعقيدًا مما توحي به العناوين.

      أندرو بوني

  • تعليق
    ديوان
    في خطة ترامب بشأن غزة، الفشل الدبلوماسي يُعَدّ نجاحًا

    إن إخفاق المسار الحالي في معالجة مسألة التمثيل الفلسطيني سيجعله حتمًا يفضي إلى مجرّد ترتيبٍ مؤقّتٍ آخر.

      ناثان ج. براون

  • أوراق بحثية
    تحوّلٌ أخضر في المغرب العربي أم استغلالٌ بحلّة جديدة؟

    ما لم يُفضِ التحوّل في مجال الطاقة الذي يقوده الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق تنمية اقتصادية في الجزائر والمغرب وتونس، فقد يُنظر إلى هذه العملية على أنها نمطٌ استخراجي جديد.

      ياسمين زغلول

  • تعليق
    ديوان
    الجماعات الكردية المتمرّدة تترقّب بحذر خطوة طهران المقبلة

    قد تتّخذ إيران إجراءات ضدّ المعارضين المتواجدين في العراق عَقب اتفاقها مع الولايات المتحدة.

      فلاديمير فان ويلغنبرغ

  • مقالة
    الضغوط المناخية في الجزائر: الأزمة في منطقة القبائل الريفية

    لا بدّ من فهم طرق تعامل المزارعين في وادي الساحل–الصومام مع تغيّر المناخ من أجل معالجة التناقضات التي تؤدّي من خلالها عملية التكيّف، على المستويَين الفردي والمؤسّسي، إلى زيادة تأثُّر المنطقة بالعوامل المناخية، وتقويض النسيج الاجتماعي والهوية الزراعية اللذَين كانا في يومٍ من الأيام سمةً مميّزة للحياة فيها.

      إليسا ياحمي

احصل على المزيد من الأخبار والتحليلات من
Carnegie Endowment for International Peace
Carnegie global logo, stacked
1779 Massachusetts Avenue NWWashington, DC, 20036-2103الهاتف: 202 483 7600
  • Research
  • Emissary
  • About
  • Experts
  • Donate
  • Programs
  • Events
  • Blogs
  • Podcasts
  • Contact
  • Annual Reports
  • Careers
  • Privacy
  • For Media
  • Government Resources
احصل على المزيد من الأخبار والتحليلات من
Carnegie Endowment for International Peace
© 2026 Carnegie Endowment for International Peace. All rights reserved.