في كانون الثاني/يناير، عمدَت قوات درع الوطن، وهي مجموعة سلفية القيادة مدعومة من المملكة العربية السعودية وتابعة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إلى نشر وحدات عسكرية عدّة في محافظة المهرة الواقعة شرق اليمن. وعكست هذه الخطوة، وأي معارضة لها من لجنة الاعتصام السلمي في محافظة المهرة، وهي حراك اجتماعي مُعارض لتنامي نفوذ دول أخرى غير عُمان في المحافظة، عودة التنافس السعودي-العُماني هناك. ومن شأن ذلك أن يسهم في تقويض استقرار المحافظة، وتعميق هوّة الانقسامات السياسية بين أبنائها.
وكان الشيخ أحمد بلحاف، مسؤول العلاقات الخارجية السابق في لجنة الاعتصام السلمي في محافظة المهرة، قد رحّب بتواجد قوات درع الوطن، قبل نشر وحداتها، كما انشقّ عن اللجنة، رافضًا أن تكون "غطاءً لتنفيذ أجندة جماعات الحوثي"، ومعلنًا تولّيه قيادة مسارها التصحيحي. في غضون ذلك، دعا رئيس لجنة الاعتصام السلمي في محافظة المهرة الشيخ القَبلي البارز علي سالم الحريزي، الذي يحظى بدعم عُمان وتجمعه علاقات جيّدة بالحوثيين، إلى التعبئة العامة في وجه التمدّد السلفي والنفوذ السعودي.
وكما في محافظة حضرموت المجاورة، سعت قوات درع الوطن في المهرة إلى توسيع انتشارها من خلال تجنيد أبناء المحافظة – بمن فيهم غير السلفيين – لكسب القبول المحلي. وأفادت تقارير أيضًا أن هذه القوات تعهّدت بتفادي أي عمل قد لا يحظى بترحيب المجتمع المهري. وسيوفّر هذا التجنيد مصدر رزقٍ لبضعة آلافٍ من أبناء المحافظة، مُعزِّزًا مشاركتهم في توفير الأمن فيها. لكنه قد يسهم أيضًا في تشكيل ثقلٍ موازنٍ في وجه نفوذ القوات القَبلية التابعة للحريزي، التي تتقاضى رواتب شهرية تصل إلى 200 ريال عُماني من مسقط (أي ما يعادل حوالى 530 دولارًا)، بحسب شخصية قبلية محلية. وفي أواخر شباط/فبراير، شهدت مديرية قشن في محافظة المهرة لقاءً حاشدًا ضمّ شخصيات قبَلية بارزة، ومسؤولين أمنيين وعسكريين، ووجهاء محليين، وناشطين في المجتمع المدني، مع قائد قوات درع الوطن، ما يدلّ على درجةٍ من القبول المحلي.
تسعى السعودية، من خلال توسيع النطاق العملياتي لقوات درع الوطن نحو المهرة، إلى تعزيز نفوذها بالقرب من الحدود الشرقية للمحافظة. وتهدف خطوتها هذه إلى ضبط أمن الحدود ومنع نقل الأسلحة عبر عُمان إلى الحوثيين، ولا سيما المعدّات اللازمة لتجميع الطائرات المسيّرة والصواريخ. وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، أعلنت القوات الأمنية في المهرة ضبط كمية من كابلات الألياف البصرية، في طريقها إلى الحوثيين، عند منفذ صرفيت الحدودي بين اليمن وعُمان. ويُشار إلى أن هذه الكابلات تُستخدم في معظم الأحيان في الطائرات المسيّرة، ما يزيد قدرتها على التخفي والتحليق لمسافات أطول ويجعلها مضادّة للتشويش.
وفي سبيل تحقيق هذه الغاية، عملت السعودية مع السلطات المحلية في المهرة على تعزيز الجهود المبذولة لإرساء الاستقرار في المحافظة، ومواجهة نفوذ الحوثيين ولجنة الاعتصام هناك. على سبيل المثال، أنشأ البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مدينة الملك سلمان الطبية والتعليمية، إضافة إلى مركزٍ للغسيل الكلوي في المهرة لتحسين خدمات الرعاية الصحية. علاوةً على ذلك، يحاول السعوديون تقويض المساعي التي يبذلها المجلس الانتقالي الجنوبي - الذي يطالب بانفصال جنوب اليمن عن شمال البلاد – لتعزيز نفوذه في المهرة، بعد أن نجح جزئيًا في ذلك في محافظة حضرموت المجاورة. وتسعى المملكة أيضًا إلى الحدّ من نفوذ الإمارات العربية المتحدة في المهرة، وهي الداعمة الإقليمية للمجلس الانتقالي الجنوبي، ولا سيما أنها بسطت نفوذها على طول ساحل حضرموت وشبوة.
زاد انتشار قوات ردع الوطن في المهرة الشعور بالتهديد في عُمان، التي تنظر إلى المحافظة من زاويتَي الأمن القومي والاستقرار المحلي. فالسلطنة تخشى تمدُّد الإيديولوجيا السلفية إلى مناطقها الغربية ذات الأغلبية السُنّية وتداعيات ذلك على السلم الأهلي في محافظة ظفار. علاوةً على ذلك، لا تريد عُمان تمدُّدَ النفوذ السعودي على حدودها. فبين العامَين 2015 و2021، عارضت مسقط الوجود العسكري المتنامي للإمارات والسعودية في المهرة، واستخدمت لجنة الاعتصام السلمي والشبكات القَبلية التي تدعمها لهذه الغاية، نظرًا إلى الروابط الاجتماعية والتاريخية التي تجمع السلطنة بهذه المحافظة اليمنية. وقد حاولت عُمان بالفعل إرساء ثقلٍ موازنٍ في وجه التدخل الخارجي المتزايد في المهرة، خوفًا من أن يؤدّي ذلك إلى تنامي نفوذ دول خليجية أخرى في مناطق لطالما اعتبر العُمانيون أنها تقع ضمن نطاق نفوذهم وأمنهم القومي.
منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأت لجنة الاعتصام السلمي في المهرة التعبئة العامة في وجه انتشار قوات درع الوطن وتنامي النفوذ السعودي في المحافظة. وفي مطلع كانون الثاني/يناير، أعلن الحريزي عن بدء مرحلة جديدة من التصعيد السلمي من أجل التصدّي "للتدخلات الخارجية والأجندة الطائفية والمذهبية"، واتّهم السعودية بزعزعة استقرار المحافظة. ونظّم احتجاجات ضدّ قوات درع الوطن، بما في ذلك في مدينة الغيضة، عاصمة المحافظة. وأفادت تقارير صدرت في منتصف شباط/فبراير عن وقوع اشتباكات بين ميليشيات قبَلية مناهضة لدرع الوطن ومسلحين اعتُقد، بشكلٍ خاطئ، أنهم من قوات درع الوطن. لكن هذه الحادثة كشفت عن الخطر الداهم بوقوع مواجهات مسلّحة في أي لحظة. ومن غير المرجّح أن تتبدّد مشاعر الاستياء العارمة، إذ إن المحافظة تشهد حوادث مماثلة منذ أكثر من عقد من الزمن.
مع ذلك، لا يزال احتمال اندلاع مواجهة مفتوحة بين قوات درع الوطن المدعومة من السعودية ولجنة الاعتصام السلمي المدعومة من عُمان مستبعدًا لأسباب عدّة. ويكمن السبب الأول في أن محافظ المهرة الشيخ محمد علي ياسر ركّز على احتواء أي تصعيد محتمل من خلال الالتزام بالأعراف القبَلية في المهرة، وإعادة تفعيل قنوات الحوار، إضافةً إلى تعزيز يقظة قوات الأمن المحلية. أما السبب الثاني فيتمثّل في أن الرياض تبنّت سياسة النفس الطويل في المهرة من خلال تعزيز التعاون الثنائي مع عُمان، عبر توفير الدعم الاقتصادي والتخفيف من حدّة التوترات، على سبيل المثال لا الحصر.
يُرجَّح أن يواصل الوكلاء المحليون التعبير عن التوتّرات، ربما من خلال الاحتجاجات المتفرّقة، والهجمات المحدودة النطاق، والخطابات السياسية العدائية. مع ذلك، على السعودية وعُمان الانخراط في محادثات تهدف إلى صون الاستقرار للحؤول دون انزلاق الأوضاع إلى ما لا تُحمَد عقباه. ويجب أن يعمل محافظ المهرة أيضًا على تعزيز أشكال التدخل الاستباقي النشط وإطلاق حوار مع الحريزي من أجل الحدّ من الانقسام السياسي الحادّ واحتواء أي أحداث أخرى قد تزعزع استقرار المحافظة، التي لطالما حافظت على السلم وتجنّبت الصراع.
