فيما يتأمّل الإعلام الدولي الخطط شبه الخيالية لإعادة إعمار غزة، يدرس محامون ودبلوماسيون في رام الله خططًا ترمي إلى "إصلاح" السلطة الفلسطينية. ومن دون التوقف عند التناقضات الجوهرية التي ينطوي عليها هذا المصطلح، انتقل الإصلاحيون المفترضون من النقاش بشأن مسألة خلافة الرئيس، إلى صياغة الدستور، وصولًا الآن إلى طرح قانون جديد للأحزاب السياسية.
أو بالأحرى، هم يوقظون هذه الفكرة من سباتٍ دام ثلاثة عقود. فحين تأسست السلطة الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي، طُرحت مسألة وضع أساس قانوني للأحزاب السياسية. لكنها أثارت إشكاليات معقّدة كثيرة، لذا خاضت السلطة الفلسطينية الانتخابات بلوائح انتخابية ظرفية، من دور إرساء إطار قانوني يُنظّم عمل الأحزاب السياسية أو يمنحها وضعًا رسميًا. واليوم برز فجأةً اهتمامٌ متجدّدٌ بالانتخابات. ومع أن إجراء انتخابات فعلية ذات مصداقية يبدو مستبعدًا، فإن التحضيرات جارية، وتحظى هذه المرّة باهتمامٍ دولي أكبر بكثير في أوساط جهات تسعى إلى دعم عملية "إصلاح" السلطة الفلسطينية.
صحيحٌ أن سنّ قانونٍ للأحزاب يمكن أن يشجّع على عودة الحياة الديمقراطية في فلسطين ويوجّهها، لكن هذا ليس بالضرورة هدف القائمين على هذا المسعى. ففي حين أن الهدف الواضح لبعض المتحمّسين لهذا القانون هو إقصاء حماس عن السلطة الفلسطينية (أو، في نظر بعض المتفائلين، إلزامها بالتخلّي عن النشاط المسلّح)، قد تطال تبعات ذلك أطرافًا كثرًا غيرها. ومن غير المرجّح أن ينجح قانون الأحزاب في تحقيق ما عجزت عنه عقودٌ من الإجراءات الأمنية، والضغوط المالية، والمناورات الدستورية، والمبادرات الدبلوماسية، والعمليات العسكرية المتقطّعة إنما المروّعة في شدّتها.
إذا اعتُمدت صياغة إقصائية، فمن المرجّح أن تُفضي إلى نتيجة سلبية للغاية على المشهد السياسي الفلسطيني. على الصعيد المحلي، قد يُشكّل القانون وسيلةً لتكريس نظام الحزب المهيمن داخل منظومة سياسية شبه مشلولة. ومن المستبعد أن تؤدّي هذه النتيجة إلى عكس مسار الانحدار الطويل للسلطة الفلسطينية وتآكل دورها. وعلى الصعيد الدولي، قد يدعم قانون إقصائي مسعًى لا يقتصر على مواجهة التحدّي الذي تطرحه حماس، بل يتجاوز ذلك إلى تقويض المؤسسات الوطنية الفلسطينية المُنهكة أساسًا.
يتنبّه المراقبون المتمرّسون في الشأن القانوني إلى المؤشّرات الدالّة على استخدام قانون الأحزاب لتنفيذ مثل هذه الأجندات. أولًا، هل ينصّ القانون على تسجيل الأحزاب إذا استوفت الشروط المطلوبة؟ أم أنه يتجاوز ذلك فيحوّل العملية إلى نظامٍ لمنح تراخيص، ما يعطي المسؤولين هامشًا أكبر بكثير لتحديد ما يقبلونه ويرفضونه؟ وثانيًا، ما الصيغ الدقيقة المُعتمدة لفرض قيود إيديولوجية أو برامجية على الأحزاب المسموح لها بالعمل؟
يثير هذان السؤالان سؤالًا ثالثًا، هو: هل ستتولّى مؤسسات حزبية تنفيذ القانون؟ لطالما كانت استقلالية ومهنية الكثير من هيئات السلطة الفلسطينية موضع جدل، لكن خلال فترة العقد ونصف العقد الماضية، اتُخذت خطوات لوضع هيئات مستقلة رئيسة – بما فيها الجهاز القضائي، وحتى لجنة الانتخابات المركزية نفسها – تحت إشراف شخصيات أكثر ميلًا للتعاون مع القيادة العليا.
ترغب قيادة السلطة الفلسطينية وبعض القوى الدولية (ومن ضمنها إسرائيل) في إقصاء حماس، بينما ترغب جهات أخرى في ترك المجال متاحًا أمام مشاركة حماس في الحياة السياسية، ليس من باب الإعجاب بها عمومًا، بل من باب التسليم بأنها ستبقى على الأرجح جزءًا من المجتمع الفلسطيني، وبأن المحاولات الإسرائيلية للقضاء عليها باءت بالفشل، ناهيك عن أنها خلّفت مستويات مروّعة وغير مسبوقة من الدمار والعنف. ربما يأمل مؤيّدو إشراك حماس في العملية السياسية إقناعَها بالتحوّل إلى حزب سياسي. وهذه ليست مهمةً مستحيلة، لكنها تتطلّب مؤسسات ديمقراطية أقوى بكثير، وتحتاج وقتًا أطول مما هو متاحٌ أمام الفلسطينيين راهنًا.
يبدو التيار الداعي إلى إقصاء حماس من المشهد الفلسطيني مهيمنًا في الكثير من النقاشات، لكن نجاحه سيثير مشاكل كبرى. أولًا، لا يقتصر السؤال على من سيُقصى من العملية السياسية، بل يشمل أيضًا من سيُكرَّس في مواقع الحكم. فوضع قانونٍ تقييدي بين أيدي مسؤولين حزبيين من شأنه أن يخمد أي شرارة ديمقراطية متبقية في المشهد السياسي الفلسطيني. وسيضمن أيضًا أن يكون الحكّام هم من يحدّدون نتائج الانتخابات، وليس العكس.
ثانيًا، لن يحظى الفائزون في الانتخابات بموجب مثل هذا القانون بشرعية ديمقراطية، بل قد يتم تقويضها أكثر. فالجميع يدرك أن الهدف الحقيقي من هذه الجهود ليس تعزيز الديمقراطية. واقع الحال أن المقترحات الإقصائية تُناقش على نطاق واسع في الأوساط الفلسطينية، وتواجه عمومًا انتقادات خارج الدوائر الرسمية الضيّقة. وفي ظلّ افتقار القيادات الحالية إلى الشعبية، إن تشجيعهم على تبنّي مثل هذه الإجراءات التقييدية سيؤدّي على الأرجح إلى نتائج عكسية.
ثالثًا، سيغلق مثل هذا القانون الباب أمام القوى السياسية الجديدة – سواء كانت شخصيات تغادر حماس لكنها تبقى حريصةً على كسب تأييد المعسكر الإسلامي الأوسع؛ أو حركة جديدة تحاول تنظيم صفوف جيلٍ من الشباب الفلسطيني الذي يشعر بالإقصاء؛ أو فصيل منشّق عن حركة فتح – عبر منح القيادات الحالية القدرة على تقرير من يحقّ له تأسيس حزب ومن يُستبعد من ذلك.
ختامًا، لا بدّ من الإقرار بأنّ جزءًا كبيرًا من الاهتمام الدولي بإقصاء حماس يندرج في إطار السعي إلى إعادة إحياء المسار الدبلوماسي بين الجانبَين الإسرائيلي والفلسطيني. مع ذلك، ترفض القيادة الإسرائيلية هذا المسعى رفضًا قاطعًا. ثم إن محاولة تعديل القوانين الفلسطينية لإرضاء الهواجس الإسرائيلية لطالما كانت مهمةً عبثيةً، حتى في ظلّ حكومات إسرائيلية أبدت استعدادًا للتعامل مع القيادات الفلسطينية. وقد أوضحت الحكومة الحالية بما لا يقبل الجدل أنها تساوي بين السلطة الفلسطينية وحماس، وهي تعتبر قيام دولة فلسطينية تهديدًا وجوديًا، وتعمل على تضييق الخناق على القيادة الفلسطينية ماليًا ودبلوماسيًا. وعندما تحوّل الدبلوماسية الدولية مطالب يتعذّر تحقيقها (بحكم الأمر الواقع، وبصورة متزايدة عن قصد) إلى شروط جديدة يتعيّن على القيادة الفلسطينية تلبيتها، فالنتيجة ليست فقط تشتيت جهودها، بل تقويضها أيضًا. وهذا الأمر يفاقم حجم العزلة بين كبار المسؤولين والشعب الذي يُفترض بهم قيادته.
وإن كان الهدف هو إقصاء حماس، فغالب الظن أن أي آلية قانونية تُدرَج في قانون الأحزاب ستفتقر إلى الدقّة وستؤدّي إلى أضار جانبية. وقد يحاول أفراد مرتبطون بالحركة تأسيس حزبٍ سياسي لاستيفاء شروط المشاركة في الانتخابات، لكن ستظلّ طبيعة علاقتهم بحماس غير واضحة. فهل هم منشقّون عنها، أم مقبولون منها، أم يتصرّفون تحت توجيهها؟
إن الرهان على مؤسسات السلطة الفلسطينية الضعيفة والمتحيّزة كي تضع قواعد رسمية لحركةٍ لا تتمتّع بوضع قانوني هو طرحٌ غير واقعي، لكنه يحمل في الوقت نفسه تبعات خطيرة. لذا، يجب على المهتمّين بأي مشروع "إصلاحي" جادّ التخلّي عن هذا المسار.




