إسحاق ديوان مدير الأبحاث في مختبر التمويل من أجل التنمية، وهو مركز بحثي في كليّة باريس للاقتصاد متخصّص في تقديم حلول للأزمات المالية. وهو أيضًا أستاذ مادّة الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت. في العام 2025، كان عضوًا في لجنة الخبراء الدولية المعنية بتمويل التنمية التابعة للأمم المتحدة، وشارك في إعداد "تقرير لجنة اليوبيل: خارطة طريق لمعالجة أزمات الديون والتنمية ووضع الأُسس المالية لاقتصاد عالمي مستدام يركز على البشر"، الصادر عن الأكاديمية البابوية للعلوم الاجتماعية في الفاتيكان. له عددٌ كبير من المؤلّفات حول قضايا التمويل الدولي واستراتيجيات التنمية. وشارك أيضًا في تأليف كتب عدّة، من بينها A Political Economy of the Middle East (الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط) الصادر عن منشورات ويستفيو، 2015؛ وCrony Capitalism in the Middle East (الرأسمالية الزبائنية في الشرق الأوسط) الصادر عن منشورات جامعة أكسفورد، 2019. أجرت "ديوان" مقابلة معه في أواخر كانون الأول/ديسمبر، بُعيد نشره دراسةً تحليلية لقانون الفجوة المالية الذي أقرّته الحكومة اللبنانية، ويهدف إلى توزيع الخسائر البالغة 70 مليار دولار والناجمة عن الانهيار المالي في فترة 2019-2020.
مايكل يونغ: هل يمكنك أن تشرح أولًا ما يحقّقه، أو يعجز عن تحقيقه، قانون الفجوة المالية الذي طرحته مؤخرًا حكومة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام؟ ولماذا استغرق إقراره وقتًا طويلًا؟
إسحاق ديوان: إنها لكارثة وطنية أن يستغرق إصدار هذا القانون ستّ سنوات، منذ بداية الأزمة في العام 2019. فالانهيار المالي ليس سوى غيضٍ من فيض، إذ يكشف عن أزمة حكمٍ أعمق، ونموذجٍ اقتصادي مفلس. وينبغي النظر إلى إعادة هيكلة النظام المصرفي على أنها مجرّد مسار عملٍ واحدٍ ضمن برنامج الإصلاح الأوسع للحكومة. إن الطريقة الوحيدة لحلّ أزمةٍ مصرفيةٍ هي إعادة بناء الثقة. وأحد الشروط الضرورية، وإن لم يكن شرطًا كافيًا، هو إعادة التوازن إلى الميزانيات العمومية عن طريق خفض الالتزامات (عبر الاقتطاع من الودائع)، وزيادة الأصول (عبر الإنقاذ المالي). هذا ما يسعى القانون إلى تحقيقه، عبر توزيع الخسائر بشكل تصاعدي، مع تحميل الحسابات الكبيرة عبئًا أثقل بكثير. ويؤكّد القانون أيضًا أن الدولة ستتحمّل جزءًا من التكلفة، لكن من دون تحديد مقدار هذا الجزء. ولا يكمن هدف القانون في "إعادة" الودائع، كما يُعتقَد عمومًا، بل إن غايته الحقيقية هي استعادة الثقة في نظامٍ مصرفي أُعيدت هيكلته وبات أصغر حجمًا بكثير، لكي تظلّ الودائع المتبقّية (بعد الاقتطاعات) داخل النظام المصرفي، وتسهم في تمويل نموذجٍ اقتصادي أكثر إنتاجية.
يتمثّل التحدّي الأساسي على مدى السنوات الأربع المقبلة في دفع الودائع التي لا تتجاوز 100 ألف دولار، والتي يبلغ مجموعها 20 مليار دولار تقريبًا. يُعتقَد أنّ أصولًا بهذا الحجم متوفّرة لدى مصرف لبنان، أي البنك المركزي، وفي المصارف الأخرى، وأكثر من نصفها في شكل سيولة. وإذا ما أُعيدَت رسملة المصارف كما يجب، فمن المفترض أن يبقى معظم هذه الأموال داخل النظام المصرفي. كما إن استعادة الثقة قد تجذب نحو 10 مليارات دولار مُحتفَظ بها حاليًا نقدًا. وأحد الرهانات الأساسية لمشروع القانون إمكانُ شطب جزءٍ كبيرٍ من الودائع العائدة إلى حسابات مُدرَجة على قائمة الحسابات "المشبوهة". ولا بدّ من الانتظار لرؤية ما إذا كان هذا الأمر قابلًا للتنفيذ من الناحيتَين الإدارية والقانونية.
يونغ: ما الذي تراه إيجابيًا في القانون؟
ديوان: أرى الكثير من الإيجابيات. أولًا، يوزّع مشروع القانون الخسائر على نحوٍ عادلٍ بين المودعين بحسب قدراتهم. فبينما يستعيد صغار المودعين 100 في المئة من ودائعهم، لا يستعيد كبار المودعين، استنادًا إلى القيمة المالية الحالية، سوى 28 في المئة. ثانيًا، تُحترَم هرمية المطالبات، إذ تُشطَب بدايةً رؤوس أموال المصارف. ثالثًا، يبدأ مشروع القانون بكشف الممارسات الفاسدة السابقة، بما في ذلك الامتيازات الداخلية، والمعاملات التمييزية، وعمليات تبييض الأموال، ولا يمنح عفوًا عن الجرائم المالية السابقة. رابعًا، يقرّ المشروع بأن الأزمة هيكلية، فيعمّم جزءًا من الخسائر على المجتمع. واستنادًا إلى حساباتي، ستحتاج الدولة إلى التعهّد بتقديم نحو 10 مليارات دولار من سندات الخزينة إلى مصرف لبنان بهدف مساعدته على تسديد قيمة الشهادات المالية الممنوحة إلى كبار المودعين. وهذا في تقديري أقصى ما يمكن للدولة فعله على ضوء التزاماتها تجاه المجتمع، وإعادة الإعمار، وحمَلة سندات اليوروبوند. وبناءً على ذلك، يدفع الاتفاق بحدود الجدوى المالية إلى أقصاها، لذا لا يمكن للمودعين أن يتوقّعوا أكثر من ذلك.
وهذه الخطة هي أيضًا ضرورية وقابلة للتطبيق، ويمكن أن تولّد حلقةً إيجابيةً تتيح إجراء إصلاحات مُكمِّلة. مع ذلك، تبقى المخاطر قائمة، إذ إن فقدان الثقة أثناء التنفيذ قد يؤدّي إلى موجةٍ جديدةٍ من عمليات سحب الودائع. ولذا، لا بدّ من توفير ضمانات، واتّخاذ الإجراءات اللازمة للحدّ من المخاطر. وفي حين أن مشروع القانون يسمح بإبطاء جداول الدفع في حال تدهوُر الظروف، ينبغي تعزيز هذا البند نظرًا إلى الاضطرابات الإقليمية.
يونغ: لقد أثار القانون الجدل فور صدوره. هل يمكنك أن تشرح الانتقادات الرئيسة له ودوافعها؟
ديوان: يمتدّ الاعتراض على القانون من يمين الطيف السياسي إلى يساره. وستواصل شرائح من النخبة المالية، التي ستتحمّل جزءًا كبيرًا من العبء، إبداءَ مقاومة شديدة له. وبصورة أعمّ، يسود شعورٌ بالصدمة لدى المواطنين إزاء حجم الخسائر، يعود جزئيًا إلى المعلومات المضلّلة التي نشرتها على مدى سنوات وسائل إعلام مُسيطَر عليها. فضلًا عن ذلك، ثمّة مطلبٌ واسع النطاق بتوضيح كيف تتوافق إجراءات إعادة هيكلة المصارف مع الرؤية الأكبر لمستقبل البلاد والاقتصاد. أخيرًا، يرحّب كثرٌ بهذا التوجّه الإصلاحي، إلّا أنهم يشكّكون في جدوى اتّباع نهجٍ تدريجي وبراغماتي. فهم يسعون إلى إحداث تغييرٍ أسرع وأكثر جذريةً، لا يقوم فقط على توفير مزيدٍ من الأموال للطبقة الوسطى، بل يشمل أيضًا زيادة المساءلة وتنفيذ عقوباتٍ على الجرائم السابقة.
يونغ: إحدى نقاط الخلاف الرئيسة هي احتياطي لبنان من الذهب، الذي قَدّرتَ قيمته بنحو 38 مليار دولار. ما هي الحجج الأساسية، وما هو برأيك الاستخدام الأمثل للذهب؟
ديوان: لقد أدّى ارتفاع أسعار الذهب إلى زيادة قيمة احتياطي لبنان منه بنحو ثلاثة أضعاف. وهكذا، من شأن بيع الذهب كلّه بالأسعار الحالية أن يتيح سداد معظم الودائع، إلّا أن ذلك سيفيد الأثرياء على نحو غير متكافئ. يمكن أن نقدّر أن 5 في المئة من السكان، الذين يملكون حساباتٍ كبيرة، سيحصلون على ما لا يقلّ عن 60 في المئة من الذهب. وستكون لحمَلة سندات اليوروبوند أيضًا حجّة للمطالبة بحصتهم.
أعتقد أن معظم المواطنين يفضلّون الحفاظ على القسم الأكبر من الذهب للمساعدة على بناء الجمهورية الثالثة، بدلًا من ترتيب إرث الجمهورية الثانية. تبرز مخاوف أيضًا من إمكانية إساءة التصرّف بهذا الاحتياطي. لقد تجاوزت الخسائر المُتكبّدة بعد العام 2019 بأشواطٍ أي خسائر سابقة، واستفاد من هذا الوضع أصحاب الامتيازات. فقد فقدت البلاد حوالى 30 مليار دولار من احتياطيات العملات الأجنبية نتيجة هروب رؤوس الأموال ودعم السلع المستوردة، وتمّ سداد 30 مليار دولار من القروض المصرفية بسعرٍ زهيد. يُشار إلى أن الخطة التي طرحها رئيس مجلس الوزراء السابق حسّان دياب كانت قادرةً على استرداد خمسة أضعاف الأموال التي يُتوقّع أن تعيدها الخطة الحالية. وثمّة خطرٌ كبيرٌ من أن يتعرّض احتياطي الذهب للنهب أيضًا، في حال إلغاء مفاعيل قانون منع التصرّف به قبل أن تصبح إدارة الدولة أكثر انضباطًا وعدلًا.
إن موقف مشروع القانون الحالي بشأن الذهب مُبهمٌ عن قصد. فبموجبه، يصدر مصرف لبنان شهادات مالية لكبار المودعين، على خلاف الاقتراحات السابقة التي شملت إنشاء صندوق منفصل لاسترداد الودائع. ومع أن الذهب ليس مُدرجًا رسميًا كضمانة استراتيجية، فإذا عجز مصرف لبنان عن تسديد قيمة الشهادات المالية التي يعطيها إلى كبار المودعين، قد يضطرّ للّجوء إلى احتياطي الذهب. وبهدف الحدّ من هذا الخطر، يتعيّن على موازنة الدولة توفير ضمانة مُقابِلة بالحجم الكافي إلى مصرف لبنان.
يثير هذا القانون مشكلتَين جوهريتَين: في الحالة الأمثل، يُباع الذهب وتُستثمَر عائداته في محفظة عالمية متنوّعة تنطوي على مخاطر أقل وتُحقّق إيرادات مالية. مع ذلك، ينصّ القانون على تخصيص 70 في المئة من ناتج مبيعات أصول مصرف لبنان لكبار المودعين، ما يعيق فعليًا إمكانية التنويع لمدّة عقدَين. هذا البند لا لزوم له، وضارّ، ويجب شطبه. والمشكلة الثانية هي أن القانون يَعِد بتسريع وتيرة تسديد الودائع، إذا ما سمح الوضع الاقتصادي والمالي العام في لبنان بذلك، ما يمنح النخب حوافز لدعم عودة نظامٍ مؤاتٍ لأصحاب الرساميل. إن منح حوافز قد تعود بأرباحٍ على كبار المودعين ليس خاطئًا بحدّ ذاته، لكن يجب ربط الحوافز بمعايير موضوعية يمكن التحقّق منها، بدل أن تكون محكومةً بقرارات تقديرية.
يونغ: ما مصير هذا القانون، برأيك، في ظلّ برلمان منقسم تهيمن عليه المصالح المتضاربة؟
ديوان: يشهد الاقتصاد حالة انهيارٍ منذ ست سنوات، مُكبَّلًا بكثرة الأطراف المعطِّلة، وطبقةٍ سياسيةٍ غير فاعلة، وقوى ريعية نافذة. هل يمكن أن تتغيّر الأمور اليوم؟ ربما تكون جمهوريةٌ ثالثة في طور التشكّل، فتجسّد أحلام الثورة التي شهدها لبنان بين العامَين 2019 و2020 بإقامة نظامٍ سياسي جديد في خدمة مواطنيه. نحن محظوظون بوجود رئيسٍ إصلاحيّ ورئيس حكومة ديناميّ، لكننا لا نزال مقيّدين بمجلس نواب مُتشرذم ونظامٍ طائفي يعقّد عملية صنع القرار.
من المحتمل أن تؤدّي ممارسة ضغط خارجي كافٍ إلى تمرير قانون الفجوة المالية، كما حدث العام الماضي مع إقرار قانون رفع السرية المصرفية. والاحتمال الآخر هو أن تنجح نسخة معدّلة من مشروع القانون بنيل غالبية برلمانية. على سبيل المثال، قد يسهم إطلاق خطة إنقاذٍ مالي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وصناديق تقاعد النقابات المهنية، في ضمان الحصول على دعم أوسع من الطبقة الوسطى، لكن ذلك سيتطلّب الاعتماد على بيع جزءٍ من احتياطي الذهب.
يونغ: ختامًا، كيف تتوقّع أن تكون استجابة صندوق النقد الدولي، وهل تعتزم حكومة سلام فعليًا تطبيق برنامج صادر عن الصندوق؟
ديوان: يتماشى القانون بصيغته الحالية إلى حدٍّ كبير مع أفضل الممارسات الدولية. وتبدو الحكومة مُلتزمة جدّيًا بتطبيق برنامج صندوق النقد، إدراكًا منها بأن الدعم الدولي ضروريٌّ لضمان حصول خطتها الإصلاحية على التأييد. لكن الخطر الأساسي يكمن في احتمال إقدام البرلمان على تحريف المضمون الحالي لمشروع القانون. كذلك، يواجه سيناريو تطبيق برنامج صندوق النقد معارضةً قوية في بعض الأوساط المصرفية، التي تفضّل تحقيق إعادة الهيكلة من دون إشراف دولي.
من الناحية التقنية، تتمثّل العقبة الأساسية المتبقّية في وضع إطارٍ اقتصادي كلّي متوسط الأجل يتمتّع بالمصداقية، ويترافق مع إعداد ميزانية مناسبة، وتنفيذ إصلاحات موجّهة نحو التعافي، وبدء التفاوض مع حمَلة سندات اليوروبوند. ويجب أن يشمل ذلك تحقيق توازنٍ منطقي بين الالتزامات تجاه المودعين وحمَلة السندات وأصحاب المصلحة المحليين، ما يُعدّ مهمةً صعبة لم يتمّ التطرّق إليها بالشكل الكافي بعد.




