المصدر: Getty
مقال

السلام الإسرائيلي ومآزقه

تحاول الولايات المتحدة دفع لبنان وسورية إلى التطبيع مع إسرائيل، لكنّ البلدَين لا يريان مصلحةً في ذلك.

نشرت في ١٣ يناير ٢٠٢٦

في 6 كانون الثاني/يناير، نشر الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد مقالًا على موقع أكسيوس، أفاد فيه بأن الولايات المتحدة قدّمت مقترحًا جديدًا لكلٍّ من سورية وإسرائيل بهدف "التوصّل إلى اتفاق أمني بينهما، يتضمّن إنشاء منطقة اقتصادية مشتركة على جانبي الحدود…". وجاء هذا الطرح عقب جولة محادثات مكثّفة عُقدت بين مختلف هذه الأطراف في باريس في اليوم نفسه، حيث اقترح الجانب الأميركي أيضًا إنشاء "خلية تنسيق" مشتركة تتّخذ من عمّان مقرًّا لها وتضمّ ممثّلين عن الولايات المتحدة وإسرائيل وسورية، وذلك "للإشراف على الوضع الأمني في الجنوب السوري، واستضافة جولاتٍ لاحقة من المحادثات المتعلقة بنزع السلاح وانسحاب القوات الإسرائيلية".

أثار هذا القرار ضغوطًا متزايدة في بيروت، حيث تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل الدفع نحو ترتيبٍ اقتصادي مماثل، خلافًا لرغبات كبار المسؤولين اللبنانيين. حتى وزير الخارجية، يوسف رجّي، المقرّب من القوات اللبنانية، المعروفة بعدائها العلني لحزب الله، اضطرّ إلى الإدلاء بتوضيح تصحيحي بعد أن سُئل عن مسألة التطبيع بين لبنان وإسرائيل، في مقابلة أجراها معه مؤخرًا معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وهو مركز أبحاث يتبنّى رؤية مؤيّدة لعلاقاتٍ وثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

أجاب رجّي من دون مواربة، قائلًا: "من غير الممكن، في الوقت الراهن... الحديث عن السلام مع إسرائيل في لبنان. تبقى هذه المسألة من المحرّمات... بصراحة، أنا متفاجئ جدًّا من حديث القيادة الإسرائيلية عن مفاوضات اقتصادية... ". وفي ما يتعلّق بلجنة الميكانيزم ]أي اللجنة الخماسية التي جرى توسيع صلاحياتها، والتي تتولّى مهمة مراقبة ومناقشة تطبيق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في العام 2024 بين لبنان وإسرائيل[، بكل صراحة، فإن تعيين شخصية مدنية ]سيمون كرم، لرئاسة الوفد اللبناني إلى اجتماعات الميكانيزم[ لم يكن سوى خطوة تجميلية. فهي لم تغيّر شيئًا، وكان واضحًا، علنًا وبشكلٍ قاطع، أنّ شيئًا لم يتغيّر في مهمة الوفد اللبناني إلى اجتماعات لجنة الميكانيزم".

لقد أدرك اللبنانيون، عن حق، بأن ما من توافق داخلي في البلاد بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل. فاتّباع مثل هذا المسار لن يؤدّي سوى إلى مفاقمة الانقسام في المجتمع. يُضاف إلى ذلك أن التطبيع مسألةٌ لا يرغب أي مسؤول لبناني في الدفاع عنها أمام معارضيه المحليين. ويُعزى ذلك أساسًا إلى أن خوض نقاشٍ في هذا الموضوع لا معنى له في ظلّ استمرار إسرائيل في احتلال أراضٍ لبنانية، وغياب أي اتفاق سلام بين الجانبَين. وما زال لبنان ملتزمًا رسميًا بمبادرة السلام العربية للعام 2002، التي تعرض إقامة سلام مع إسرائيل مقابل انسحابها من كامل الأراضي العربية التي تحتلّها منذ العام 1967، وسماحها بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وهي شروط تجاهلتها الولايات المتحدة تمامًا.

لكن لنفترض أن السياسة الدولية محكومة بمنطق السلطة والقوة، كما يردّد بعض المسؤولين الأميركيين. يعي اللبنانيون جيدًا أمرًا آخر، يغفل عنه كثرٌ خارج المنطقة. فمساعي الولايات المتحدة إلى ليّ ذراع لبنان وسورية لدفعهما نحو التطبيع مع إسرائيل تتجاهل الانعكاسات الجيوسياسية لمثل هذه السياسة. إن الخصم الأساسي لإسرائيل في منطقة المشرق هو تركيا، التي وسّعت نطاق نفوذها إلى داخل الأراضي السورية. من منظور أنقرة، إن السماح بانزلاق دمشق إلى دائرة النفوذ الإسرائيلي يُعدّ تهديدًا لها، فيما تنظر إلى لبنان بوصفه امتدادًا استراتيجيًا لسورية. فاستقرار دمشق يتطلّب، جزئيًا، استقرار بيروت. ترى تركيا أن فرض إدخال لبنان في الفلك الإسرائيلي من شأنه تمكين إسرائيل من التأثير في مسار الأحداث في سورية، وهو ما لن تسمح به أنقرة.

ولهذا السبب أبدت تركيا عداءً واضحًا تجاه إقدام لبنان مؤخرًا على توقيع اتفاقية الترسيم البحري مع قبرص. فالاتفاقية لا تمسّ فقط بالحدود البحرية لجمهورية شمال قبرص التركية، بل قد تربط لبنان مستقبلًا بترتيباتٍ لتصدير موارده البحرية من النفط والغاز مع الدولتَين اللتَين رسّم معهما حدوده البحرية، أي مع إسرائيل وقبرص. وقد يتيح ذلك إنشاء خط أنابيب يربط هذه الدول الثلاث ويمتدّ إلى أوروبا عبر اليونان، لينافس خط أنابيب "ترك ستريم" الذي ينقل الغاز إلى بلغاريا. وترغب أنقرة في أن تتدفّق موارد المشرق من النفط والغاز عبر خط "ترك ستريم"، ما من شأنه أن يعزّز مكانة تركيا بوصفها مركز طاقة إقليمي أساسي يربط آسيا الوسطى، وبعض دول الخليج، والمشرق، بأوروبا.

لذلك، من غير المرجَّح أن تقف تركيا مكتوفة الأيدي في حال جنوح لبنان نحو محورٍ خاضع للنفوذ الإسرائيلي. فما الذي يمكن أن تفعله في مثل هذا السيناريو؟ قد تلجأ إلى حشد مناصريها في أوساط المجتمع السنّي اللبناني ضدّ مسار التطبيع، ومن الوارد تمامًا أن تتعاون مع إيران وحزب الله - على الرغم من خلافاتها معهما بشأن سورية - لعرقلة هذا المسعى. ومن منظور لبنان، لا معنى من تمزيق النسيج الوطني من أجل ترتيبٍ لا يحظى بتأييد يُذكر في البلاد، ولن يؤدّي على الأرجح سوى إلى مفاقمة مكامن ضعفه في وجه إسرائيل ذات النزعة الافتراسية.

مع ذلك، ثمة إجماعٌ في لبنان حول مسألة نزع سلاح جميع الأطراف غير الحكومية وتحييد تهديد الحدود الجنوبية. من المُنصف القول إن معظم اللبنانيين لم يؤيّدوا انخراط حزب الله في حرب غزة، ويرحبّون بحصر السلاح بيد الدولة. فلمَ لا تستطيع الولايات المتحدة ببساطة قبول هذا الأمر والمضي قدمًا بشأن الضمانات الأمنية على الحدود مع إسرائيل، بدلًا من فرض ترتيباتٍ أوسع ومثيرةٍ للانقسام على لبنان؟

يمكن البحث عن الإجابة في الأحداث التي شهدتها فنزويلا. فالعمليات الأميركية الأخيرة هناك تُظهر أن واشنطن تعمل على ترسيخ عالمٍ تستطيع فيه القوى التدخّل في ما تعتبره مجالها الحيوي. هذا ما فعلته روسيا في أوكرانيا، وما قد تفعله الصين قريبًا في تايوان. من الواضح اليوم أن الولايات المتحدة تساعد إسرائيل على تعزيز منطقة نفوذٍ خاصة بها في المشرق. لكن إعادة تشكيل عالمٍ يكون فيه إنشاء وحماية دوائر النفوذ القاعدة السائدة، ستُفضي إلى بيئة عالمية أكثر تقلُّبًا بكثير. ففي الشرق الأوسط، سيؤدّي ذلك إلى سنواتٍ من التوتّر، مع احتمالٍ ضئيل بأن تتوصّل الدول قريبًا إلى اتفاقٍ يمكن اعتباره نسخةً شرق أوسطية من مؤتمر فيينا.

المثير للاهتمام في كلّ هذا أن تفكير دونالد ترامب لا يختلف كثيرًا عن تفكير باراك أوباما، الذي يمقته الرئيس الحالي. فقد أعرب أوباما، في مقابلةٍ أصبحت شهيرةً، أجراها معه جيفري غولدبيرغ من مجلة "ذي أتلانتيك" في العام 2016، عن أسفه لأن "التنافس القائم بين السعوديين والإيرانيين، الذي ساهم في إذكاء حروبٍ بالوكالة ونشر الفوضى في سورية والعراق واليمن، تتطلّب منا أن نقول لأصدقائنا وللإيرانيين أيضًا إن عليهم التوصّل إلى طريقة فعّالة لتقاسم المنطقة وإرساء نوعٍ من السلام البارد". يجسّد هذا التفكير إلى حدٍّ كبير رؤيةً تعود إلى القرن التاسع عشر، كان على السعوديين والإيرانيين بموجبها إيجاد طريقةٍ للتعايش معًا داخل مناطق نفوذهم الخاصة، من خلال ضبط الأطراف التابعة لهم. تجدر الإشارة إلى أن أوباما لم يُبدِ فهمًا أعمق لحقّ الشعوب في تقرير مصيرها ممّا أظهره ترامب، إذ حصر جميع الدول ضمن ثنائيةٍ سعودية-إيرانية وسنّية-شيعية، تتناقض تمامًا مع الدروس المستخلصة من ثورات 2010-2011.

في عالمٍ تحكمه مناطق النفوذ، المشكلة الأكبر هي، لماذا قد ترغب دولٌ مثل لبنان وسورية في أن تكون جزءًا من مجالٍ إسرائيلي مدعومٍ أميركيًا؟ فالولايات المتحدة تتصرّف راهنًا كدولةٍ خارجة عن القانون، بينما ارتكبت إسرائيل أعمال قتل جماعي في غزة، وتسعى إلى استكمالها عبر تنفيذ التطهير العرقي بحقّ فلسطينيي القطاع والضفة الغربية، لذا ما الذي قد تقدّمانه لدولٍ مثل لبنان وسورية؟ لقد طرحت واشنطن خطةً لوقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أرفقتها بوثيقةٍ جانبية تُجيز لإسرائيل انتهاك الاتفاق. فقامت هذه الأخيرة بتجاهل المهلتَين المحدّدَين للانسحاب، في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2025. كيف يمكن إذًا الوثوق بأيٍّ منهما؟ ومع أن لبنان وسورية لا يمكنهما تجاهل الأميركيين والإسرائيليين، وقد يستفيدان منهم بين الحين والآخر، فلا مصلحة للجانبَين من الارتباط بمثل هذه الدول التي تمارس التعسّف السياسي والأخلاقي، والخضوع لسلامٍ إسرائيلي. إن النظام الإقليمي المتعدّد الأقطاب يتيح لبيروت ودمشق هامشًا للمناورة في هذا الصدد.

من خلال فرض معادلةٍ تقوم على الاختيار بين إما التطبيع مع إسرائيل أو الصراع، لا يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان أن التطبيع سيشعل أيضًا فتيل الصراع. فنحن في شرق أوسطٍ جديدٍ حيث باتت الهيمنة متنازعًا عليها. وإذا استطاع لبنان، ومعه سورية، أن يخوضا بنجاحٍ لعبة توازن القوى وتجنّب الالتزامات المضرّة بهما، فسيحاولان تحقيق ذلك. ويزداد هذا الاحتمال في ظلّ فقدان الثقة بأن الخطط الأميركية والإسرائيلية المرسومة لهما ستعود عليهما بفائدةٍ تُذكر.

لا تتّخذ مؤسسة كارنيغي مواقف مؤسّسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الدراسة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المؤسسة، أو فريق عملها، أو مجلس الأمناء فيها.