المصدر: Getty
مقال

نقاش نزع سلاح حزب الله يمتدّ إلى العراق

تراقب بيروت وبغداد مساعي كلٍّ منهما إلى حصر القوة العسكرية بيد الدولة.

 حسن حمره
نشرت في ١٩ يناير ٢٠٢٦

في أعقاب الصراع الأخير بين حزب الله وإسرائيل، لم تَعُد الجهود الرامية إلى "حصر السلاح بيد الدولة" شأنًا لبنانيًا بحتًا. وحين دعت الحكومة اللبنانية في بداية العام الجديد الجيش إلى مواصلة تنفيذ هذه الخطة بمراحلها كافة و"في أسرع وقت"، وقدّم رئيس الجمهورية جوزاف عون هذا الهدف باعتباره يندرج في إطار إعادة "قرار الحرب والسلم" إلى عهدة الدولة وحدها، سمعت الأوساط السياسية العراقية في هذا الخطاب صدًى مألوفًا، أي: شعارٌ سيادي يمكن أن يتحوّل سريعًا إلى ورقة ضغط سياسية.

وقد ازداد هذا الانطباع حدّةً في 8 كانون الثاني/يناير، حين أعلن الجيش اللبناني عن تحقيق أهداف المرحلة الأولى من خطة تعزيز انتشار قواته المسلّحة في جنوب لبنان، ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية، ومنعها من "إعادة بناء قدراتها، بشكل لا عودة عنه". ساهمت هذه المواقف بمجملها في نقل النقاش من نطاق السياسات الداخلية اللبنانية وإدراجه في إطار التوازنات الأمنية الإقليمية وآليات التنفيذ المدعومة من أطراف خارجية. وبالفعل، ردًّا على بيان الجيش اللبناني، شدّد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على "ضرورة نزع سلاح حزب الله بالكامل". من منظور عراقي، أوحت هذه الرسائل بأن المسألة باتت أقرب إلى ترتيبٍ أمني مفروض خارجيًا منه إلى مسعى لبناني لإصلاح آليات الحوكمة الداخلية.

وكما هو الحال في لبنان، كثيرًا ما تُطرَح الحجج المؤيّدة لنزع السلاح في العراق في إطار صلاحيات الدولة. وقد تجلّى ذلك بأوضح صوره في بيان رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان، الذي صرّح في 4 كانون الثاني/يناير، قائلًا: "لم تعد هناك حاجة للسلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية". واستند ذلك إلى منطقٍ مفاده: عقب إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، توجّب على العراق إعادة تفعيل مؤسساته السياسية والعسكرية وتعزيز قدراتها. وتطلّب هذا الهدف بدوره توحيد آليات صنع القرار، ووضع السلاح تحت سيطرة الدولة، لا تحت سلطة هياكل قيادية موازية. كذلك، أكّد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، لافتًا إلى أنه "قرارٌ عراقي ورؤيةٌ عراقية، بعيدًا عن أي تدخلات أو إملاءات خارجية". لكن حتى في إطار طرح السوداني، يعتمد حصر السلاح على التفاوض مع أطرافٍ قد تتخلّى عن هذا المسار في أي لحظة.

في الواقع، ليست كلّ الجماعات المسلّحة في العراق منفتحةً على التفاوض. فالكثير من الفصائل الموالية لإيران في البلاد ترفض نزع سلاحها، لا بل منحته أيضًا مكانةً شبه مقدّسة. وخير مثالٍ على ذلك البيان الصادر مؤخرًا عن تنسيقية المقاومة العراقية، أي الهيئة التي تتحدّث باسم قوات الحشد الشعبي، وهي المنظمة الجامعة لعددٍ من الفصائل العراقية المسلّحة، ولا سيما تلك المدعومة من إيران. فقد وصف هذا البيان سلاح قوات الحشد الشعبي بأنه "مقدّس"، رافضًا أي حديث عنه إلا بعد انسحاب القوات الخارجية من العراق وتحقيق السيادة الكاملة للبلاد. إن إعادة صياغة النقاش، بوصفه مسألة احتلال وسيادة قبل أن يكون مسألة حوكمة داخلية، باتت تشكّل استراتيجيةً أساسية في وجه دعوات نزع السلاح.

يتأثّر هذا النقاش أحيانًا بعوامل خارجية. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ردود الفعل الساخطة على تصريحات أحد الدبلوماسيين الأجانب. فما لبث أن صرّح السفير البريطاني لدى العراق، في آب/أغسطس الماضي، بأن قوات الحشد الشعبي لم تَعُد ضروريةً اليوم بعد انتهاء الصراع ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، وبأن بعض فصائل الحشد تعمل خارج إطار القانون، حتى صدرت إداناتٍ لاذعة لهذه التصريحات من جانب مسؤولين وسياسيين عراقيين. تُبيّن هذه الحادثة وغيرها في العراق ولبنان مدى السرعة التي تتحوّل بها مسألة "السلاح خارج إطار الدولة" إلى قضية سيادة وكرامة، عوض أن تكون قضية إصلاح أمني تكنوقراطي.

ومن الأسباب الأخرى التي تجعل هذه المسألة معقّدةً هو أنها، في كلٍّ من العراق ولبنان، ليست مرتبطةً بالسلاح فحسب، بل أيضًا بمصير الأطراف المسلّحة وشبكات المحسوبية التابعة لها. فماذا سيحلّ بها إذا ما أُدمِج سلاحها في الدولة؟ لقد اقترح السوداني مخرجًا حيث الفصائل المعنيّة إما تُدمَج في قوات الأمن، وإما تتحوّل إلى أحزاب سياسية. وفي لبنان، طرح سياسيون ومحلّلون حلولًا مماثلة. لكن اللافت أن السوداني، عند سؤاله عن الضغوط الدولية التي تُمارَس على الجماعات المسلّحة غير الحكومية، "مثل حزب الله اللبناني"، بهدف نزع سلاحها، أجاب بنبرةٍ دفاعية إلى حدٍّ ما، قائلًا إن "الوضع هنا مختلف عن لبنان".

قد يكون نفور السوداني من استخدام لبنان كمعيارٍ نابعًا من حقيقة أن النفوذ الإيراني أكثر تجذّرًا في المشهد السياسي والعسكري العراقي. ففي لبنان، يميل الخطاب المؤيّد للدولة، ضمنيًا أو صراحةً، إلى تحميل إيران مسؤولية ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة. وقد تجلّى ذلك مثلًا عندما دعا مكتب الرئيس عون الدول الصديقة إلى عدم إرسال أسلحة إلى لبنان إلا عبر مؤسسات الدولة. على خلاف ذلك، كان دعاة تقييد حيازة السلاح خارج الدولة في العراق أكثر حذرًا، إذ صوّروا نزع السلاح على أنه مسألة داخلية مرتبطة بالسيادة، بدلًا من تسليط الضوء أكثر على دور إيران.

مع ذلك، أعادت التطوّرات في لبنان "الجدل إلى الساحة العراقية" بشأن نزع سلاح الجماعات غير الحكومية. ولكن ثمة فارقٌ جوهري وتناقضي. ففي العراق، لا تُعَدّ مسألة نزع سلاح الفصائل اللبنانية نموذجًا يُحتذى به بقدر ما تُستخدَم أداةً لمضاعفة الضغط. فهي تعزّز ادّعاء معسكرٍ بأن "حصرية السلاح" هي الصيغة الطبيعية لقيام الدولة، وفي الوقت نفسه تقوّي تأكيد المعسكر الآخر على أن نزع السلاح يمثّل سيادةً انتقائية، من النوع الذي يُطالَب به حينما يصبح الطرف المسلّح مصدر إزعاج، ويُؤجَّل عندما يكون الطرف المعنيّ مفيدًا عسكريًا.

وهكذا، بدأت مساعي لبنان لفرض "حصرية السلاح" تتحوّل بسرعة إلى نقطة مرجعية يستند إليها كلّ طرف في النقاش العراقي، بل هي تسهم في تأجيج هذا الجدل.

لا تتّخذ مؤسسة كارنيغي مواقف مؤسّسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الدراسة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المؤسسة، أو فريق عملها، أو مجلس الأمناء فيها.