فيما تستعد مصر لانتخاباتها التشريعية الأولى منذ تسلّم الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة في العام 2013، من المستبعد أن تؤدّي الأحزاب السياسية العلمانية - لاسيما الأحزاب الصغيرة المؤيدة للديمقراطية التي ظهرت بعد ثورة 2011 - دوراً مهماً. فالقانون الانتخابي الجديد يعطي الأفضلية للمرشّحين المستقلين الذين يُتوقَّع أن يسيطروا على مجلس النواب العتيد. كما يفتح القانون الباب أمام تشكُّل أحزاب جديدة سوف تتنافس على تقديم الدعم للسيسي.

تعهّد السيسي في تصريحات له في 14 تموز/يوليو الجاري: "الانتخابات البرلمانية ستتم قبل نهاية العام". وقد ناشد المصريين توخّي الحذر في اختيار ممثّليهم، مشيراً إلى أن البرلمان يتمتع بصلاحيات واسعة بموجب دستور 2014. لكنه أضاف أن "الدستور طموح جداً"، وسوف نستغرق وقتاً للتمكّن من تطبيقه كاملاً.

بدا السيسي، منذ انتخابه قبل أربعة عشر شهراً، غير مستعجل لإجراء انتخابات تشريعية. لايزال أنصاره يروّجون لصورته كقائد شعبوي ليس لديه أي انتماء حزبي، وكمنقذ انتشل مصر من براثن التطرف. وقد صرّح السيسي نفسه مراراً وتكراراً بأنه يستمدّ الدعم مباشرةً من الشعب المصري، ولم يُبدِ أي اهتمام بلقاء قيادات الأحزاب السياسية حتى كانون الثاني/يناير 2015، أي بعد سبعة أشهر من تسلّمه منصبه. وقد دعا السيسي، قبيل زيارته إلى ألمانيا، قادة الأحزاب إلى اجتماع ثانٍ في مطلع حزيران/يونيو الماضي. بيد أن مطالب معظم الأحزاب السياسية بتعديل القانون الانتخابي - أو الإفراج عن عشرات الناشطين العلمانيين الشباب المحتجزين منذ أكثر من عام بسبب انتهاكهم قانون التظاهر المرفوض من الرأي العام - لم تتم تلبيتها بعد، وقد كلّفت الحكومة اللجنة نفسها التي تولّت صياغة قانون الانتخابات الجديد، الذي اعتُبِر لاحقاً غير دستوري، بإجراء تعديلات محدودة.

أثار غياب الإصلاحات خيبة أمل كبيرة لدى الأحزاب السياسية العلمانية الجديدة التي ساهمت في وصول السيسي إلى سدّة الرئاسة. لقد أدّى نحو اثنَي عشر حزباً ليبرالياً ويسارياً وقومياً عربياً منضويين تحت راية جبهة الإنقاذ الوطني، دوراً أساسياً في تقديم دعم علني لتدخّل الجيش بهدف عزل الرئيس السابق محمد مرسي، معتبرين أنها خطوة ضرورية من أجل استنهاض أهداف ثورة 25 كانون الثاني/يناير من جديد. لكن قانون الانتخابات التشريعية الجديد، الذي أصدره الرئيس المؤقت السابق عدلي منصور، تجاهل مطالب أحزاب الجبهة، واعتمد نظاماً يعطي الأفضلية للمرشّحين الأفراد بدلاً من نظام التمثيل النسبي والقوائم الحزبية.

بعدما أصدرت المحكمة الدستورية العليا قراراً في آذار/مارس الماضي اعتبرت فيه أن بعض المواد في القانون الانتخابي غير دستورية لناحية تقسيم الدوائر الانتخابية، أعدّ 18 حزباً سياسياً العديد من المقترحات لتعديل القانون أملاً في أن يساهم في تحسين حظوظها في صناديق الاقتراع. وقد قالت أحزاب رأت النور مؤخراً من رحم الثورة الشعبية التي اندلعت ضد الرئيس المخلوع حسني مبارك في مطلع العام 2011 - مثل الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، والتيار الشعبي المصري، والدستور، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والكرامة، ومصر الحرية، والعدل - إن مواردها المالية محدودة أو معدومة، واشتكت من عجزها عن المنافسة في حال خُصِّصت نسبة ثمانين في المئة من المقاعد البرلمانية للمرشّحين الأفراد الذين يستطيع معظمهم إنفاق مبالغ طائلة أو الذين يتمتعون بروابط عشائرية وعائلية قوية، لاسيما في محافظات الريف وفي جنوب مصر.

ليست الأحزاب الستة الأصغر التي تشكّل التيار المدني الديمقراطي المنتمي إلى يسار الوسط، في حالة جيدة. فقد قال حمدين صباحي، المرشح للرئاسة سابقاً وزعيم حزب التيار الشعبي المصري، في مقابلة أُجريت معه مؤخراً: "نحن شرفاء وأصحاب مبدأ، لكننا فقراء". إلى جانب المشكلات المادية، يرزح التحالف تحت وطأة الانقسامات. فالهجمات المتزايدة على أحزاب المعارضة في وسائل الإعلام الموالية للحكومة، وقمع المجتمع المدني، وعبادة شخص الرئيس السيسي الذي يُحاط بهالة من البطولة، دفعت بعدد كبير من الشباب المناصرين للحزب إلى الابتعاد عنه.

واقع الحال هو أن تراجع نفوذ الأحزاب العلمانية الجديدة يصبّ في مصلحة المجموعات السياسية التقليدية المعروفة بروابطها الوثيقة مع الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يحكم البلاد سابقاً وبات الآن حزباً منحلاً. فثروتها الطائلة وشبكاتها الواسعة، التي تكوّنت خلال وجود مبارك في السلطة على امتداد ثلاثين عاماً، تعزّز حظوظها بالفوز بمقاعد فردية. لكن في حين تبدو هذه الأحزاب - مثل الحركة الوطنية المصرية (برئاسة أحمد شفيق، آخر رؤساء الوزراء في عهد مبارك)، وحزب المؤتمر، وحزب مصر بلدي - موحّدة في دعمها للحكومة، تنقسم حول تنافسها على التأثير على السيسي وعلى الفوز بلقب حزب الرئيس. وكذلك قد يؤسّس المرشحون المستقلون، الذين يُتوقَّع أن يشكّلوا الأكثرية في البرلمان المقبل، حزباً جديداً هدفه الوحيد دعم السيسي، في تكرار لتجربة الحزب الوطني الديمقراطي، مع إقصاء الأحزاب الأخرى الموالية للسيسي.

وغالب الظن أيضاً أن حزب النور السلفي - الذي دعم عزل الإخوان من الحكم لضمان بقائه السياسي - سوف يحصل على حصّة لابأس بها في البرلمان العتيد. لكن من المستبعد أن يستعيد نسبة الخمسة والعشرين في المئة التي حقّقها بطريقة مفاجئة في انتخابات 2011. نظراً إلى التبرعات من الأعضاء والتدفق المستمر للأموال من دول الخليج الغنية بالنفط، مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، يُعتبَر التيار السلفي قادراً على تقديم مرشحين لجميع مقاعد البرلمان تقريباً المخصصة للمرشحين الأفراد، وعددها 448، وكذلك للمقاعد المئة والعشرين المخصصة للقوائم المغلقة.

الاستثناء عن هذه النزعة هو حزب المصريين الأحرار الليبرالي الذي يحظى بدعم مالي قوي من قطب الأعمال نجيب ساويرس الذي أعلن سابقاً أنه ليس مهتماً بالتنافس على المقاعد الـ120 المخصصة لنظام القوائم المغلقة، وأنه سيقدّم مرشّحين منفردين، بينهم عدد كبير من الأشخاص الذين كانوا ينتمون إلى الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم سابقاً. فقد قال ساويرس في مقابلة معه عبر صحيفة "المصري اليوم" مؤخراً: "ليس كل من حمل كارنيه الحزب الوطنى فاسد"، مشيراً إلى أن الحزب بحاجة إلى مرشّحين قادرين على الفوز. لكن على الرغم من أن دعمه يضمن لحزب المصريين الأحرار عدداً لابأس به من المقاعد في مجلس النواب، إلا أن عملية اختيار أسماء المرشحين على القوائم الفردية تثير استياء البعض داخل الحزب. فقد استقال عدد كبير من كبار قيادييه عندما شعروا بأنه جرى تهميشهم أو لم يتم اختيارهم للترشّح للانتخابات، وقد لايبقى الحزب موحّداً لفترة طويلة.

كما أن حزب الوفد الجديد، الذي أبدى في شكل عام، وعلى الرغم من ليبراليته، دعمه للوضع القائم في ظل مبارك ومن ثم السيسي، يشهد صراعاً داخلياً حول نمط الإدارة السياسية والمالية الذي ينتهجه رئيسه السيد البدوي، رجل الأعمال ومالِك شبكة تلفزيون الحياة النافذة. لقد انقسم الحزب عملياً إلى اثنَين، مايضعف حظوظه بالفوز بمقاعد في مجلس النواب العتيد. في خطوة مفاجئة، تدخّل السيسي شخصياً في أيار/مايو الماضي، حرصاً على الحفاظ على أحد أقدم الأحزاب السياسية في البلاد كما قيل، وعقد اجتماعاً في مكتبه بين الفصيلَين المتخاصمين في الحزب. لكن حتى مساعي الرئيس منيت بالفشل، وفي 27 حزيران/يونيو الماضي، نظّم المئات من أعضاء الوفد تجمّعاً حاشداً في محافظة الشرقية للمطالبة بإقالة البدوي.

وقد علّق مدحت الزاهد، نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، في مقابلة معه: "كنّا نأمل بوصول برلمان يُترجم الدستور الطموح إلى تشريعات، وقادر على محاسبة الحكومة والرئيس". لكن زاهد وسواه لايعوّلون كثيراً على الانتخابات المقبلة التي يعتبرون أنها ستُنتج برلماناً شبيهاً بمجالس الشعب في حقبة مبارك.

خالد داود مساعد رئيس تحرير "الأهرام ويكلي" والناطق الرسمي باسم حزب الدستور.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.