يكشف سجل الكونغريس في مجال الترويج للديموقراطية عن شراكة(فعلية) مع الإدارة الأمريكية في بلورة هذه السياسة وبصم السياسة الخارجية الأمريكية بها، حيث لا يقتصر الأمر عند حدود توفير جانب من المخصصات المالية اللازمة لمشاريع الترويج للديموقراطية بل يتعداه لطرح مبادرات تشريعية وتوصيات نيابية تقدم الأساس لعمل الكونغريس في مراقبة الإدارة في هذا المجال وصولا إلى حد التدخل في صياغة التصورات المطلوبة لتطبيق هذه السياسة وما يستتبعها من مراجعات هيكلية في عمل الخارجية الأمريكية، إلا أن هذه الشراكة قصرت عن تأسيس بديل لإخفاقات الإدارة في هذا المجال بل انزلقت نحو تكرار أخطاء جسيمة، تنحرف بالهدف عن تحقيق مبتغاه.

 

يمثل مشروع القانون المعنون ب" Advance Democracy Act of 2005" أهم ما صدر عن الكونغريس في مجال تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية حول الترويج للديموقراطية، والذي قدم في 3 مارس من السنة الجارية بكل من مجلسي النواب (تحت رقمH.R.1133) والشيوخ (تحت رقم S.516) بمبادرة كل النائب Frank Wolf بمجلس النواب والسيناتور John McCain  بمجلس الشيوخ وكلاهما من الحزب الجمهوري، واكتسى هذا المشروع  أهمية مقدرة عندما تم إدماجه ضمن مشروع القانون الخاص بالإذن بالعلاقات الخارجية للسنتين الماليتين 2006- 2007Foreign Relations (Authorisation Act, Fiscal years 2006 and 2007 )   تحت رقم H.R.2601  والذي تم اعتماده من قبل مجلس النواب في 20 يوليوز الماضي بأغلبية 351 صوتا ومعارضة 78 وأحيل يوم 22 يوليو على مجلس الشيوخ من أجل البث فيه حيث لا يزال ينتظر ذلك لغاية اليوم.

 

في هذا السياق يمثل مشروع القانون الخاص بالدفع بالديموقراطية جزءا من إطار عام بالكونغريس، لكن من حيث المضمون يعتبر متقدما حيث يمكن النظر إليه كأبرز مبادرة ذات طابع شمولي وتركيبي منذ مبادرة سنة 1983 الخاصة بإحداث الوقف الوطني للديموقراطية، كما أنه تبلور في سياق تحولات الخطاب الأمريكي حول الديموقراطية والاعتراف بقصور السياسات التي اتبعت في السابق بشأن الترويج لها.

 

أدمج المشروع الأصلي ضمن المادة السادسة من مشروع قانون الإذن الخاص بالعلاقات الخارجية للسنتين الماليتين 2006-2007، وقدم في بدايته عددا من المحددات، من قبيل تأكيد التعارض بين الخصاص المستمر في الديموقراطية وبين القيم التي تركز عليها الولايات المتحدة وأن ذلك يمثل تهديدا للأمن القومي للولايات المتحدة ولمصالحها ولأصدقائها.

 

الحيثيات السابقة مضافا لها توضيح تقرير لجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب حول المشروع والذي أعلن صراحة أن هذا المشروع يضع تحت طائلة القانون إطار عمل لتقوية ومأسسة الترويج للديموقراطية ضمن وزارة الخارجية، وهي النقطة التي تجعل الكونغرس ينزلق للخطأ الذي وقعت سياسة الإدارة الأمريكية فيه، وهو تحويل الترويج للديموقراطية لجزء من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية وتوظيفها لخدمة أهداف هذه السياسة، وهو الموقف الذي سبق للكونغرس أن رفض الانخراط فيه سنة 1983 عندما رفض ما قدمته إدارة ريغان من برامج للديموقراطية ضمن وكالة الإعلام الأمريكية ودعا إلى أن تربط بمؤسسة غير حكومية حتى لا يقع الربط بين هذه البرامج وبين الدعاية للولايات المتحدة، وأدى ذلك لنشؤ الوقف الوطني للديموقراطية، بل اعتمد مجلس الشيوخ تعديلا يقضي بمنع توظيف أي كان في هذه المؤسسة ممن سبق له الاشتغال في النشاطات الاستخبارية منذ سنة 1963، وذلك بغية إزالة أي تلميح بأن الوقف واجهة للمخابرات المركزية حسب مقدم التعديل، أي أننا نجد الكونغرس اليوم يرتد، بعد 20 سنة من إحداث الوقف، عن تلك التوجهات، ويؤسس شبيها له لكن هذه المرة داخل وزارة الخارجية، وهو ما يعتبر قصورا مركزيا في المشروع تؤكده بجلاء المعطيات التفصيلية له، وخاصة المرتبطة بالشق الهيكلي.

 

عالج المحور الأول من المشروع أنشطة وزارة الخارجية في الترويج للديموقراطية بتفصيل، ويمكن تقسيم مقتضيات المشروع إلى مستويين، هيكلي وبرنامجي، فعلى الصعيد الهيكلي، هناك أولا تغيير اسم نائب وزير الخارجية للشؤون الكلية ليصبح  نائب وزير الخارجية للديموقراطية والشؤون الكلية، وذلك بعد أن كانت المسؤولية حول قضايا الترويج للديموقراطية تقع في درجة ثانية في سلم المهام داخل وزارة الخارجية وذلك بدرجة مساعد وزير الخارجية، وتختص بصياغة وتطبيق السياسات والنشاطات الخاصة بهذا المجال، وثانيا إحداث مكتب خاص بالعمل مع الحركات الديموقراطية وتسهيل الانتقال نحو الديموقراطية، ولرئاسة المكتب يستحدث منصب نائب مساعد وزير الخارجية للديموقراطية وحقوق الإنسان والعمل ثم ثالثا إحداث ستة محاور ديموقراطية جهوية ضمن بعثات الولايات المتحدة بكل من بأمريكا الوسطي واللاتينية، وأوربا، وجنوب آسيا، و الشرق الأدنى، وشرق آسيا والمحيط الهادي، وإفريقيا، كما على رفع مقدر لعدد الموظفين العاملين في الخارجية في هذا المجال، وستكون لهذه المحاور ميزانية منفصلة للموارد، وثالثا نص المشروع على أن من مهام مكتب الاستخبار والبحث توثيق المعطيات المالية الخاصة بقادة الدول غير الديموقراطية أو التي في طور الانتقال، ومن ناحية رابعة يحدث مجلس استشاري لحقوق الإنسان والترويج للديموقراطية بتمثليه من الحزبين.

 

وعلى الصعيد البرنامجي نص المشروع على أن تصدر الوزارة تقريرا سنويا حول الديموقراطية. ثم يدعو المشروع إلى إنشاء موقع على الإنترنت خاص بالديموقراطية وحقوق الإنسان وذلك بتعاون بين كل من نائب وزير الخارجية للديموقراطية والشؤون الكلية و نائب وزير الخارجية للدبلوماسية العامة والشؤون العامة ومساعد وزير الخارجية للديموقراطية وحقوق الإنسان والعمل، وتشجيع رؤساء البعثات الخارجية وكبار المسؤولين بها على قضاء وقت مقدر في الجامعات وغيرها للدفاع عن القيم الأمريكية وأهداف وسياسات ترويج الديموقراطية.

 

ويكشف المستوى البرنامجي استمرار حالة التداخل بين الترويج للديموقراطية والديبلوماسية العامة، وبل يطرح مخاطر تعميقه مما يمثل قصورا ثانيا للمشروع،يؤثر بشكل جسيم على هذه البرامج، خاصة في ظل المواقف السلبية من السياسة الخارجية الأمريكية، ويعزز بالتالي من افتقاد هذه البرامج للمصداقية.

 

في المحور الثاني ركز المشروع على مسألة التحالف مع الديموقراطيات الأخرى في هذا المجال مقترحا إجراءات عدة لذلك، أما المحور الثالث فهو فهم مسألة تمويل الترويج للديموقراطية وبرامج معينة للإنفاق عليها من قبل صندوق حقوق الإنسان والديموقراطية الذي يشرف عليه مساعد وزير الخارجية للديموقراطية وحقوق الإنسان والعمل، كما نص على الإذن بتخصيص ميزانية للصندوق بغلاف 50 مليون دولار لسنة 2006 و60 مليون دولار لسنة 2007، وهو ما يمثل قصورا ثالثا، والمتمثل في افتقاد البرامج المعلنة للميزانيات المطلوبة والدوران في فلك الميزانيات القديمة مع مراجعات محدودة.

 

يبدو المشروع من حيث تفاصيله متقدما عن سياسة الإدارة ومتجاوزا لعدد من إخفاقاتها، خاصة من حيث التأكيد على الحاجة لبلورة الاستراتيجيات المطلوبة لهذا المجال، إلا أنه من حيث الخلاصة الكلية بقي مرتهنا للإشكالات الجوهرية المفسرة للإخفاق العام للإدارة، والتي دخلت هي الأخرى في منافسة غير مباشرة مع المشروع، بعد أن أعلنت وزير الخارجية رايس في يوليو الماضي بعد لقاء لها مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ عن تغيير اسم نائبها المكلف بالشؤون الكلية ليصبح مكلفا بالديموقراطية والشؤون الكلية ويضطلع بقيادة مشروع الإدارة في مجال الإدارة، وذلك بعد أن صادق مجلس النواب على المشروع وقبل أن يصادق عليه مجلس الشيوخ، ولا يقف الأمر عند حدود هذه المنافسة، فالتعاطي مع موضوع الترويج للديموقراطية كأداة للسياسة الخارجية أكثر منه هدف لها، بما يؤدي لضياعه في زحمة أهداف السياسة الخارجية الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية بل وحتى الإديولوجية، ويزيد من التشكيك في صدقيتها وجديتها، ولهذا قد يعتبر المشروع مصدر تهديد لقضية الديموقراطية بفعل المنهجية التي اعتمدت والتي سايرت توجه الإدارة بعد أن رفض قبل أزيد من 20 سنة، وهو ما يبدو أنه سيتعزز بعملية التوليد لتوأم الوقف الوطني للديموقراطية داخل الخارجية الأمريكية، ويفاقم من حالة التشتت والتردد في هذه السياسة.

 

تبقى مسألة أخيرة حول حظوظ هذا المشروع، فإن كان من الصعب التكهن بسقوط المشروع في مجلس الشيوخ إلا أن مؤشرات ذلك قائمة بفعل وجوده ضمن مشروع أكبر يهم ملفات عدة في السياسة الخارجية الأمريكية، مما قد يرجح احتمال فصله عن ذلك المشروع واعتماده لوحده.  

 

مصطفى الخلفي صحافي مغربي و باحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.