شاران غريوال طالب دكتوراه في مادة السياسة في جامعة برنستون. لمتابعته عبر تويتر sh_grewal@

في 29 نيسان/أبريل، صوّت العسكر وقوى الأمن الداخلي في الانتخابات البلدية في تونس. إنه حدث تاريخي، لأنها المرة الأولى في تاريخ تونس التي يُسمَح فيها لهذه الفئة بالإدلاء بأصواتها في الانتخابات. في حين أن نسبة التسجيل والاقتراع كانت أكثر تدنّياً بالمقارنة مع النسبة لدى المدنيين، إلا أن عملية التصويت تمّت بسلاسة. 

كان الرئيس التونسي المؤسِّس، حبيب بورقيبة، قد منع عناصر الجيش والحرس الوطني من التصويت، خوفاً من أن يؤدّي التدخل في السياسة الانتخابية إلى تسييس هذه القوى، وبالتالي تسهيل حدوث انقلاب. وكان لخلفه زين العابدين بن علي الرأي نفسه، وقد وسّع نطاق الحظر ليشمل ما تبقّى من قوى الأمن الداخلي. لكن في العام 2017، قرّر البرلمان، بدفعٍ من النقابات الأمنية والأحزاب العلمانية التي كانت تأمل بكسب أصوات الجيش والعناصر الأمنيين، منح العسكر وقوى الأمن حق الاقتراع في الانتخابات البلدية للعام 2018.

ومن أجل الحفاظ على حياد العناصر الأمنيين واحترام وظائفهم، فرضت هيئة الانتخابات في تونس العديد من القيود على اقتراعهم، بالتشاور مع وزارتَي الدفاع والداخلية. صوّتت قوى الأمن قبل أسبوع من اقتراع المدنيين، كي يُتاح لها بسط الأمن الكامل في انتخابات 6 أيار/مايو. ولم يُسمَح لهم بالمشاركة في أي جزء من الحملة الانتخابية، بما في ذلك حضور اجتماعات حزبية – على الرغم من أن بعض الأحزاب السياسية، مثل حزب نداء تونس، ظلّت تبذل محاولات لاستقطاب أصواتهم. ومن أجل الحؤول دون اطّلاع الرأي العام على أسماء العناصر الأمنيين الذين تسجّلوا وأدلوا بأصواتهم، لم تُنشَر قوائم بأسماء الناخبين المسجّلين خارج مراكز الاقتراع، ولم يُطلَب من الناخبين من قوى الأمن تغميس أصابعهم بالحبر، ولم يُسمَح بإجراء مقابلات إعلامية ولا استطلاعات للآراء عند الخروج من مراكز الاقتراع. وخُلِطت صناديق الاقتراع مع الصناديق حيث أدلى المدنيون بأصواتهم، قبل عملية الفرز كي لا يكون بالإمكان معرفة ما أفضت إليه نتائج اقتراع القوى الأمنية.

أثارت هذه القيود ردود فعل متفاوتة لدى الجيش والقوى الأمنية. ففي حين أعرب عميد متقاعد عن تفاؤله لأن القيود "تتيح الحفاظ على حياد الجيش"1، وجد آخرون أنها "مهينة". وقد علّق العميد المتقاعد محمد المزوغي، رئيس جمعية قدماء ضباط الجيش: "إما لم يكن يجب السماح للجيش بالتصويت قبل اكتمال الانتقال إلى الديمقراطية، وإما كان يجب السماح لهم بالتصويت مع منحهم كامل الحقوق التي يتمتع بها باقي الناخبين".2

وقد شهدت قوى الأمن الداخلي انقساماً مماثلاً. ففي حين شجّع الاتحاد الوطني لنقابات قوى الأمن التونسي الضباط على الإدلاء بأصواتهم على الرغم من هذه القيود، حضّت النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي أعضاءها على المقاطعة. وفي هذا الإطار، شرح شكري حمادة، المتحدث باسم النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي، أن حق التصويت الذي حصلوا عليه هو حقٌّ "مشروط": إذا لم يكن بإمكانهم المشاركة في الحملة، "فكيف لهم أن يعرفوا لمَن يصوّتون وما هي برامجهم الانتخابية؟" كذلك اعتبرت النقابة أنه على العناصر الأمنيين أن يحافظوا على حيادهم عبر الامتناع عن التصويت، مع أنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن السياسيين لا يستحقّون أصواتهم لأنهم لم يُقرّوا بعد مشروع قانون "زجر الاعتداء على القوات المسلحة". في محصّلة الأرقام، ومن أصل 111152 عسكرياً وعنصراً أمنياً، تسجّل 33 في المئة فقط للتصويت، و12 في المئة فقط من المسجّلين (أي 4 في المئة من مجموع العناصر)، أدلوا بأصواتهم. تعكس نسبة الاقتراع المتدنّية، من جملة ما تعكسه، الحياد التاريخي لهذه الفئة من التونسيين، واستياءها من القيود الآنفة الذكر - وقلّة اهتمامها عموماً بالانتخابات البلدية، شأنها في ذلك شأن الناخبين المدنيين.

لكن وفي حين أن نسبة الاقتراع كانت متدنّية، تمّت عملية التصويت بسلاسة، مع خروقات قليلة للقيود. ومع إرساء هذه السابقة، من الممكن أن تضغط النقابات الأمنية من أجل الحصول على حق التصويت في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة – إنما هذه المرة مع المطالبة بحقوق متساوية مع حقوق الناخبين المدنيين.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. مراسلات شخصية، 27 نيسان/أبريل 2018.
2. مراسلات شخصية، 26 نيسان/أبريل 2018.