ثمّة حقيقة غير معروفة عن حرب العراق تنطوي على الكثير ، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، حول آفاق التعامل دبلوماسياً مع الأسلحة الكيماوية في سورية. إذ لم تكن عمليات التفتيش التي قامت بها الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية سوى مهمة عبثية وعقيمة استهانت بها إدارة بوش. والواقع أنها تمثّل نجاحاً دولياً ملفتاً.

القصة التي يتذكّرها معظم الأميركيين هي أنه اتّضح أن صدام حسين لايمتلك برامج نووية وكيماوية وبيولوجية وصاروخية. صحيح أنه حاز على مثل هذه البرامج، غير أن مفتشي الأمم المتحدة وجدوها وقاموا بتفكيكها إلى حدّ كبير قبل الحرب. وبين العامين 1991 و1998، اكتشفت اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية وقضت على معظم، إن لم يكن كل، أسلحة العراق غير التقليدية ومرافق إنتاجها، ودمَّر مفتشوهما معظم عوامل الأسلحة الكيماوية والبيولوجية. أما البرنامج الأكثر سرّية في العراق - جهوده في مجال الأسلحة البيولوجية - فقد تم اكتشافه من خلال عملية كشف مضنية. كما تم الكشف عن المعاملات السرّية بين العراق وبين أكثر من 500 شركة من 40 بلداً الواحدة تلو الأخرى، وجرى وضع آلية لمنع الواردات المحظورة. وفي الفترة التي سبقت الحرب، كان مفتشو الأمم المتحدة يعرفون إلى حدّ كبير ما لدى العراق وأين يمكنهم العثور عليه، في حين فشلت أجهزة الاستخبارات الوطنية في تقديم إجابة صحيحة.

لم تكن عمليات التفتيش مسألة لفّ ودوران بحثاً عن إبرة في كومة من القش. فقد كانت تنطوي على إجراء مقابلات مطوّلة وبناء علاقات مع الأفراد الرئيسيين، وتجميع قصة من شخص لآخر، وإجراء تحليل فني وغربلة السجلّات والزيارات الفعلية. كانت العقوبات والتحقيقات الخاصة بعمليات الشراء والرقابة على الصادرات والواردات ضرورية.

ينبغي تمويل أي عملية دولية في سورية بصورة ملائمة وكافية. كما ينبغي ألا تتم إضافة مبالغ لزيادة حجم تمويل العملية باستمرار، كما حدث مع عمليات التفتيش في العراق، بحيث يتم اسقتطاع ميزانيتها من الجهات المشاركة. فقد تراوحت الميزانية السنوية للَّجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة خلال سنوات عملها السبع بين 25 و30 مليون دولار. وخلال خمسة عشر شهراً بعد الحرب، أنفق فريق المسح الأميركي مبلغ 900 مليون دولار وخرج خالي الوفاض. وإذا ماتمّ بذل جهد دولي، فيجب أن يتم ذلك بصورة صحيحة. ومع ذلك فإن تكلفته ستساوي تكلفة بضع ساعات من الحرب.

لايمكن الآن تصحيح أكبر خطأ تم ارتكابه بعد حرب العراق، والذي تمثّل بعدم الاعتراف بالنجاح، من خلال إنشاء هيئة تفتيش ورصد دائمة تابعة للأمم المتحدة. ونقول مرة أخرى إنه ينبغي أن تبدأ جهود إنشاء مثل هذه الهيئة من الصفر بدلاً من أن تقوم بها هيئة مدرّبة ودائمة. فعمليات التفتيش ليست عصاً سحرية ضد انتشار الأسلحة النووية، لكنها جزء واضح من وسيلة دفاع متداخلة. فلا يمكن أبداً للنشاط الاستخباراتي عن بعد أن يقوم بما يقوم به الوجود المادي المسلح بتفويض دولي، كما أن من السهل أن تصبح الأنظمة الدولية التي تفتقر إلى أداة تنفيذ جدّية مجرد نكتة.

وبالإمكان تحقيق نجاح مماثل ومستدام إلى أجل غير مسمى في سورية إذا ماتأسّست العملية على الدروس المستفادة من العراق.

يعتبر الدعم السياسي الموحّد ضرورة من البداية. ومع أن فرق التفتيش في العراق كانت سيئة التجهيز، وخاصة في السنوات الأولى، ومخترقة بعمليات التجسّس العراقية، وتعرّضت إلى العرقلة بشكل صارخ على أرض الواقع، فقد كانت أكبر نقاط ضعفها في نيويورك. وتسبّب صدام حسين في حدوث خلافات بين القوى الكبرى في الأمم المتحدة أسفرت عن تآكل الدعم السياسي بحيث اضطرت عمليات التفتيش إلى التوقف في العام 1998. ويفترض أن يسعى الرئيس السوري بشار الأسد إلى القيام بالشيء نفسه. ولذا يجب على مجلس الامن الدولي ألا يسمح مرة أخرى لنظامه الداخلي بأن يميل لصالح الوغد وضدّ وكلائه، ويجب أن يدرك بأن الاتفاق السياسي الذي يدعم العملية لايقلّ أهمية عن التكنولوجيا والخبرة على أرض الواقع. الأهم من ذلك كله هو أن هذا يعني توضيح حقيقة أن هذه محاولة لتجميع الأسلحة الكيماوية، وليست لإيجاد حلّ للحرب الأهلية.

كما أن الاتصال المتبادل والمستمر بين عمليات التفتيش الدولية وبين العديد من وكالات الاستخبارات الوطنية ضروري هو الآخر. وينبغي لمثل هذه الترتيبات توفير الحماية للمعلومات المقدمة والحيلولة دون استخدامها بصورة سيئة من جانب الحكومات والسماح بتبادل الردود عند كلا الطرفين كلما تم اكتشاف أشياء جديدة. ففي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2003، أشار وزير الخارجية كولن باول إلى صور "مواد مميزة " في صور الأقمار الصناعية التي قال إنها كانت عربات لإزالة التلوث الناتج عن الأسلحة الكيماوية. أصرَّ المفتشون الذين زاروا المواقع على أن العربات ليست سوى شاحنات لنقل المياه. فكم صفحة درس المحلّلون الأميركيون قبل الحرب من الأرشيف البالغ 30 مليون صفحة الذي أعدَّه المفتشون؟

يكمن جزء مما جعل الأميركيين غير راغبين في القيام بعمل عسكري في سورية في التناقض الواضح بين مايصفه الرئيس أوباما باعتباره تهديداً عالمياً وبين استجابة الولايات المتحدة من جانب واحد، وربما كانت قلة من الدول الأخرى تساعدنا. وبما أن أسلحة الدمار الشامل تشكّل تهديداً عالمياً، فلا يمكن أبداً أن يتحقّق النجاح إذا كانت بقية دول العالم تعتبر السيطرة عليها مسؤولية الولايات المتحدة وحدها أو مسؤولية حفنة من القوى الكبرى. ومن ثَمَّ فإن الأزمة السورية تمثّل فرصة كبيرة. وإذا مانجح جهد دولي في نزع الترسانة الكيماوية السورية، وتم إثبات هذا النجاح والبناء عليه بوسائل لم تحقّق النجاح في العراق، عندها ستكون التداعيات الإيجابية لذلك محسوسة على نحو يتجاوز منطقة الشرق الأوسط.

سيكون العمل على نزع الترسانة الكيماوية السورية مُحبِطاً وبطيئاً. فالأسد لن يتعاون أكثر مما فعل صدام حسين. ولكن طالما تم ردعه عن استخدام تلك الأسلحة في حين تتواصل الجهود لنزعها، فليس ثمّة حاجة للتسرّع والعجلة. إذ لايلزم أن يكون الهدف هو الكمال، طالما أنه لن يكون جرّاء ضربة عسكرية. وكم سيكون العالم أفضل حالاً إذا تم التخلص من نسبة 90 في المئة فقط من الأسلحة السورية؟ لعل استمرار القتال سيجعل الأمور صعبة بالنسبة إلى المفتشين، ولكن الأسلحة الكيماوية ستكون في أكثر مناطق النظام أماناً وأفضلها حراسة. من الناحية الفنية، يمكن أن يتم هذا. أما من الناحية السياسية فيمكن أن يكون النظام هو المنتصر.

نُشِر هذا المقال في الأصل في صحيفة "واشنطن بوست".