استهدف انفجار الضاحية الجنوبية لبيروت معقل "حزب الله" في الثاني من كانون الثاني/يناير الجاري، على خلفية الدعم العسكري الذي يقدّمه الحزب لنظام بشار الأسد في سورية المجاورة. وهذه المرّة الثالثة التي تُستهدَف فيها الضاحية، فالانفجار الأول وقع في 9 تموز/يوليو الماضي، وأعقبه في 15 آب/أغسطس الانفجار الأكثر دماراً الذي شهدته الضاحية حتى تاريخه، والذي أسفر عن مقتل 21 شخصاً وإصابة 250 بجروح. بيد أنّ الهجوم الأخير في الثاني من كانون الثاني/يناير يختلف عن التفجيرين السابقين من حيث طبيعته والجهة التي تبنّت مسؤولية العملية. فقد نفّذه انتحاري عُرِف أنه قتيبة محمد الصاطم، وهو مواطن لبناني في العشرين من العمر وطالب جامعي من منطقة عكّار في محافظة الشمال؛ وهو أيضاً أول عنصر في تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) يستهدف "حزب الله" على الأراضي اللبنانية. في حين أنّ الملابسات التي دفعت الصاطم إلى تفجير نفسه لاتزال مبهمة، تكشف هذه العملية عن نزعتَين مقلقتين: التشدّد المتنامي في صفوف المسلمين السنّة المحرومين، ودخول الفصيلَين السوريَّين التابعين لتنظيم "القاعدة" إلى لبنان.

وتُعتبَر محافظة الشمال التي يتحدّر منها الصاطم المنطقة الأشد فقراً في لبنان. وهي تقع على حدود محافظتَي طرطوس وحمص السوريّتَين، وقد شهدت تدفّق حوالى 250 ألف لاجئ في خلال النزاع المستمر منذ نحو ثلاثة أعوام، ماوضع سكّانها وجهاً لوجه أمام المحنة التي يعيشها أبناء طائفتهم. علاوةً على ذلك، تكبّدت محافظة الشمال، وعاصمتها طرابلس على وجه الخصوص، معاناة شديدة في ظل سطوة نظام آل الأسد. ففي خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرّت خمسة عشر عاماً، ثمّ مانجم عنها من احتلال سوري حتى العام 2005، أصبحت للسنّة في لبنان ذاكرة تاريخية مشتركة عن الفظائع التي ارتكبها نظام الأسد الأب ومن بعده الأسد الابن. فالعداوات عميقة جداً، ماأدّى إلى اندلاع صدامات مسلّحة بين منطقة جبل محسن العلوية في طرابلس والأحياء السنّية في المدينة، ولاسيّما باب التبانة، وتتواصل المعارك بصورة متقطّعة منذ حزيران/يونيو 2008. وفي هذا الفراغ الذي يولّده الفقر واليأس والعداء المذهبي، وتزيد من حدّته الحرب الأهلية السورية والمنطق الذي فرضته بأنّ المنتصر يستولي على كل شيء، ظهرت مجموعة من الشيوخ النافذين.

لقد استطاع القادة السلفيّون، على الرغم من تركّزهم في طرابلس، حشد أتباع في أوساط الفقراء السنّة في محافظة الشمال، وفي مدينة صيدا في الجنوب، وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الموزّعة في أنحاء البلاد. ويبدي هؤلاء القادة استعداداً لتهديد النظام السوري ومعاقبته، وقد أدّوا دوراً أساسياً في تعبئة أنصارهم للقتال في سورية وفي الداخل ضدّ مصالح النظام السوري. ويمكن تقسيم هؤلاء الشيوخ السلفيين إلى معسكرَين: الشيوخ الذين يستخدمون منبر الوعظ لإيصال أفكارهم، وأولئك الذين يضطلعون بدور ناشط في الأعمال الحربية. تختلف تكتيكاتهم، إلّا أنهم يرتبطون ارتباطاً وثيقاً من خلال العقيدة والاتحاد في ما بينهم.

من الشيوخ الذين تقتصر تحرّكاتهم على الخطب الدينية زكريا عبد الرزاق المصري وسالم الرافعي. كلاهما يتحدّران من طرابلس، ويدينان نظام الأسد، وقد نظّما تجمّعات عدّة دعماً للثوّار السوريين. المصري، إمام جامع حمزة في طرابلس، هو مرشد روحي لعدد كبير من المقاتلين السنّة في طرابلس، ويوجّه انتقادات حادّة النبرة لـ"حزب الله". وقد أطلق الرافعي الذي يُعتبَر الشخصية السلفية الأبرز في طرابلس، دعوات متكرّرة إلى السنّة اللبنانيين للانضمام إلى القتال في سورية معلناً: "ستتوقّف دعواتنا إلى الجهاد ما إن ينسحب حزب الله من سورية...". وفي إطار عملية أرادت الاستخبارات السورية من خلالها الرد على التحرّكات المباشرة لأتباع الرافعي أو توجيه رسالة إلى السلفيّين في طرابلس، انفجرت سيارتان مفخختان في 23 آب/أغسطس الماضي، كانت إحداهما مركونة أمام مسجد التقوى حيث يؤمّ الرافعي المصلّين عادةً يوم الجمعة. لم يكن الرافعي موجوداً في المسجد لحظة وقوع الانفجار، إلّا أن حصيلة الانفجارَين كانت مقتل 47 شخصاً وإصابة 500 بجروح. وقد اعتُبِرت هذه العملية رداً على التفجير الذي استهدف "حزب الله" في 15 آب/أغسطس الماضي، إلّا أنها لم تؤدِّ إلى توقّف الهجمات ضد الحزب. مع ذلك، يبدو أنها قوّضت قدرات المهاجمين أو جهوزيتهم، فقد أُحبِطت محاولة واحدة فقط لاستهداف "حزب الله" بواسطة سيارة مفخخة بين 15 آب/أغسطس والهجوم الأخير في 2 كانون الثاني/يناير الجاري.

تضطلع المجموعة الثانية من الشيوخ بدور أكثر نشاطاً في الأعمال الحربية. فقد كان الشيخ أحمد الأسير الذي اتّخذ من صيدا مقرّاً له ويلقّبه أنصاره بـ"أسد السنّة"، الأعلى نبرةً في انتقاد "حزب الله" وترسانته الكبيرة من الأسلحة. وقد عُرِف بخطبه الناريّة التي نسّق عدداً منها مع المصري في طرابلس وصيدا. وفي نيسان/أبريل الماضي، بدأ الأسير يرسل أنصاره للقتال في سورية، حتى إنه نشر شريط فيديو يظهر فيه شخصيّاً قرب ساحة المعركة في القصير كما زعم. وفي 23 حزيران/يونيو الماضي، اعتدى مقاتلوه على حاجز للجيش اللبناني قرب صيدا، فاندلعت معركة استمرّت يومَين وأسفرت عن مقتل 17 جنديّاً لبنانيّاً والعشرات من أنصار الأسير الذي لاذ بالفرار وربما لايزال يختبئ في مخيّم اللاجئين الفلسطينيين المجاور في عين الحلوة. وعلى الرغم من فرار الأسير من وجه العدالة، تعتقد القوى الأمنية أنّ أنصاره مسؤولون عن الهجومَين الانتحاريين اللذين استهدفا بصورة متزامنة حواجز تابعة للجيش اللبناني حول صيدا في 16 كانون الأول/ديسمبر الماضي. ويُحتمَل أيضاً أن يكون بعض المهاجمين منتمين إلى "جبهة النصرة"، أحد الفصيلَين التابعين لتنظيم "القاعدة" في سورية (إلى جانب "داعش")، والتي يُعتقَد أنّ لديها حضوراً في عين الحلوة.

وقد ظهر سالم الرافعي في صور إلى جانب شيخ آخر غامض يدعى حسام الصباغ. يُقيم هذا الأخير في منطقة باب التبانة في طرابلس، ويُعتقَد أن عدد أتباعه يبلغ 250 شخصاً. صحيح أنه رقم صغير بالمقارنة مع عدد أتباع القادة السلفيين المذكورين آنفاً، إلّا أنّ الصباغ صاحب باع طويل في الجهاد: فقد قاتل في الحرب الأهلية اللبنانية، وفي أفغانستان والشيشان. ويُعرَف عنه تهريب المقاتلين إلى محافظة حمص في سورية، ويُقال إنه قاتل إلى جانب "جبهة النصرة" في سورية. ويُرجّح أنّه كان أيضاً ممثّل "جبهة النصرة" وفصائل إسلامية سورية أخرى في لبنان.

إذا صحّت التقارير عن الشيخ أحمد الأسير والشيخ حسام الصباغ، فهي تشير إلى نزعة أكثر إثارة للقلق: إذ لم يكتفِ هؤلاء القادة السلفيون بزرع الأفكار المتشدّدة في عقول عدد كبير من أنصارهم، بل ولّدوا أيضاً الظروف التي أتاحت للمجموعتين التابعتين لتنظيم "القاعدة" في سورية توسيع نشاطهما باتجاه لبنان. وبعد تفجير الثاني من كانون الثاني/يناير وتبنّي تنظيم "داعش" مسؤوليته، على "حزب الله" والسياسيين اللبنانيين من مختلف الأطياف التنبّه إلى خطورة الوضع. فمع استمرار الحرب الأهلية السورية، ستتعزّز الروابط بين الأئمة السلفيين في لبنان والمجموعات السورية المتشدّدة التي تحارب نظام الأسد. ونظراً إلى الدور المحوري الذي يؤدّيه "حزب الله" في النزاع السوري، سوف تستهدف المجموعات المتشدّدة أكثر فأكثر الشيعة في لبنان بدافع الانتقام، وكذلك في محاولةٍ لدفع الحزب نحو الحدّ من تدخّله في سورية. وسوف تجد هذه المجموعات إقبالاً لدى أتباع القادة السلفيّين في لبنان على التجنّد في مشروعها، وقد يبدي بعضهم استعداداً للسير على خطى الصاطم.

صحيح أن التطرّف السنّي في لبنان هو مسألة متعدّدة الأوجه، إلّا أنّ الفراغ السياسي الذي تعانيه البلاد حاليّاً ساهم في تفاقمه. فلبنان من دون حكومة منذ استقالة رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي في آذار/مارس الماضي بعد خلاف نشأ بينه وبين "حزب الله". يؤثّر هذا العجز عن تشكيل حكومة مقبولة من جميع الأطراف، بحسب المقولة التي تتكرّر في بيروت، تأثيراً مباشراً على الوضع الأمني في لبنان. ففي غياب التوجيه من سلطة تنفيذية جامعة للمذاهب، لاتستطيع القوّات المسلحة اللبنانية التي تُعتبَر الضامن الأساسي للأمن في البلاد، أن تضبط بطريقة فاعلة التطرّف السنّي والتداعيات العنفية الأخرى للحرب الأهلية السورية. ويزداد هذا الوضع سوءاً لأنّ النواب المنضويين في خط "حزب الله"، ومن ضمنهم وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال، يقلّلون الآن من شأن التعهّد الذي قطعته السعودية بتقديم ثلاثة مليارات دولار لتعزيز إمكانات الجيش اللبناني. لذلك، يبدو أنّ الدولة اللبنانية لن تتمكّن من التعامل مع نمو السلفية العنيفة واحتدام التشنّجات السنّيّة-الشيعية.

ألكسندر كورباي محلّل لشؤون الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي في كندا، ومدوِّن في "جمعية السياسات الخارجية".

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية