نظّم شباب مصريون شاركوا في الثورة منذ 25 كانون الثاني/يناير 2011، ويقولون إنهم يعبّرون عن مطالب الانتفاضة التي لم تتم تلبيتها بعد، تظاهرات في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي لأول مرة منذ أدّت الاحتجاجات الحاشدة إلى سيطرة الجيش على السلطة في تموز/يوليو الماضي. يساهم رسّامو الجداريات وفنّانو الغرافيتي الناشطون بوسائلهم الخاصة في التعبير عن هذه المطالب. وقد رسموا مؤخراً جداريات ضخمة في شارع محمد محمود في القاهرة، في الذكرى الثانية للصدامات العنيفة التي اندلعت هناك في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، في مكانٍ بات الشباب يعتبرونه مساحتهم الخاصة.

قال وسيم خالد، 22 عاماً، الذي شارك في ثورة 25 يناير وتظاهرات شارع محمد محمود: "معظم الشباب في عمري لم يكن لديهم أي شعور تجاه بلادهم قبل ثورة 25 يناير". وأضاف "تعليمي، كل ما أملكه، أمّنته لي عائلتي. لم تقدّم الحكومة شيئاً لنا نحن الشباب". إلا أنه تبيّن أن تحقيق أهداف الثورة عبر وضع حد للفساد وسوء الإدارة داخل الدولة الأمنية، ليس بالأمر السهل. وفقاً لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية للعام 2013، تحتلّ مصر المرتبة 114 من بين 177 دولة. تحظّر القوانين المصرية الكشف عن الأنشطة العسكرية، حتى تلك التي تتم في المجال التجاري، وتتمتّع المؤسسة العسكرية بحكم الأمر الواقع بالحصانة من الملاحقة القضائية. كما أن الدستور الجديد الذي سيُعرَض على الاستفتاء في 14-15 كانون الثاني/يناير الجاري يُبقي الميزانية العسكرية خارج نطاق الإشراف المدني. وفي بلدٍ شهد انتفاضات حاشدة أسفرت عن إطاحة حكومتَين في أقل من ثلاث سنوات، صدر قانون جديد لتنظيم التظاهرات يفرض قيوداً شديدة على التجمّعات العامة. وقد تمّت حتى الآن مقاضاة ثلاثة من الناشطين المعروفين في البلاد والمرتبطين بحركة 6 أبريل، وحُكِم عليهم بالسجن ثلاث سنوات بتهمة عدم التقيّد بالقانون الجديد.

لكن في تفسير مغاير للأحداث، عمدت الحكومة العسكرية إلى بناء نصب تذكاري قالت إن الهدف منه هو تكريم "شهداء ثورتَي 25 يناير و30 يونيو". أنُجِز النصب المصنوع من الحجر الأصفر والذي رُفِع في وسط ميدان التحرير، في غضون يومَين فقط. وبعد أقل من اثنتَي عشرة ساعة على تدشينه بحضور رئيس الوزراء المصري ومحافظ القاهرة في 18 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حطّمه الشباب حجراً حجراً. وقد أعيد بناؤه في إطارٍ مشهديٍّ جديد، ويتولّى عناصر الشرطة تنظيم حركة السير حول المستديرة التي شُيِّد فيها النصب. يشرح الفنّان عمار أبو بكر الذي عمل سابقاً على إنجاز جداريات تجسّد ضحايا الثورة في شارع محمد محمود قائلاً: "أقامت الحكومة العسكرية نصباً تذكارياً مزيّفاً تكريماً للأشخاص الذين قتلتهم بنفسها، وهي التي تبني المؤسّسات التي تقتلنا، لذلك يجب أن نردّ عليها". ينتقد العمل الجديد الذي ينجزه فريقه على طول 150 متراً  على الجدار الذي يحيط بحرم الجامعة الأميركية في وسط القاهرة، العلاقة بين الإعلام والرأي العام والسلطة.

يقول الشباب إن غضبهم من النصب الذي أقامته الدولة نابعٌ من إفلات الدولة الأمنية في مصر، ولاسيما الشرطة، من العقاب، ومن التضييق المستمر على المتظاهرين والناشطين منذ انتفاضة 25 يناير. يقول وسيم: "منذ رأيت النصب الذي شيّدته الحكومة، غضبت كثيراً؛ لم يدوّنوا عليه حتى أسماء الأشخاص الذين لقوا حتفهم. أطالب بإحقاق العدالة لجميع الشباب الذين قُتِلوا - أريد محاكمات وأحكاماً عادلة لا نصباً تذكارية".

في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، تجمّع نحو ألف متظاهر في الشارع إحياءً للذكرى الثانية لصدامات 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 بين الشرطة والمتظاهرين الذين كانوا يعترضون على الحكم العسكري، والتي أسفرت عن مقتل 50 شخصاً وإصابة ثلاثة آلاف آخرين بجروح. وقد رفع المتظاهرون لافتة في ميدان التحرير كُتِب عليها "ممنوع دخول الفلول أو الإخوان المسلمين أو العسكر". وفيما كان المتظاهرون يهتفون في ساعات الصباح في 19 تشرين الثاني/نوفمبر، كان فريق من حوالى 15 شخصاً يعمل على الجدارية الجديدة. وقد رُسِم نموذج مموَّه بواسطة اللونَين الزهري والأحمر - "لونَي الحب"، كما يقول أبو بكر الذي يضيف: "ثمة نوعٌ من المهرجان الاحتفالي تعبيراً عن الولع بهذه الحكومة العسكرية الجديدة، وتظهر صور السيسي على الحلويات في المخابز وحتى على الملابس الداخلية". يتناقض الجدار ذو الألوان الزاهية بشدّة مع المبنى القديم للجامعة الأميركية في القاهرة الذي يقع فوقه وقد شُلِّعت نوافذه، ويمكن رؤية الجدار من موقع النصب التذكاري الذي أقامته الحكومة.

بعد ثلاث سنوات على انتفاضة 25 يناير، يحمل جدار محمد محمود تاريخاً في ثناياه. يقول أبو بكر: "غضب بعض الأشخاص لأننا رسمنا فوق بورتريهات الشهداء". (غطّى التمويه الزهري عملاً فنياً آخر بريشة أبي بكر يعود إلى العام 2012، وهو عبارة عن سلسلة كئيبة من البورتريهات التي يظهر فيها أربعة شباب ينظرون إلى موتهم على أيدي الأجهزة الأمنية). يتابع أبو بكر: "لكن يجب أن يعكس هذا الجدار الأحداث، ولذلك ارتأينا تغييره. لانرسم الشهيد كي نخلّده، بل لنسأل أين هم قتلتُه". ويضيف: "في هذا الشارع، ندين قتلة جميع هؤلاء الشباب، ليس فقط قتلة الشباب ذوي الوجوه المعروفة التي ترونها في كل مكان، بل أيضاً أصحاب الوجوه المجهولة". توافقه الرأي سلمى سامي، المرأة الوحيدة بين الفنّانين العاملين في الفريق، إذ تقول: "لم أُرِد أن أرسم على جدار محمد محمود تكريماً للموتى، بل لأنني شعرت بأننا نستطيع أن نفعل شيئاً للأحياء".

يقول وسيم إنه شعر بالأسى لرؤية بورتريه صديقه عاطف الجوهري يختفي تحت الألوان إفساحاً في المجال أمام الجدارية الجديدة. وكان الجوهري قد توفّي متأثّراً بإصابة في وجهه من طلق ناري خلال الاحتجاجات ضد وزارة الدفاع في حي العباسية في القاهرة، في 4 أيار/مايو 2012. يروي وسيم قائلاً: "في البداية غضبت كثيراً عندما رأيت عمار ينظّف الجدار. لكن عاطف كان يساعد الناس دائماً، ولو كان بيننا، لطلب منا ألا نأبه لصورته، وأن نهتم بدلاً من ذلك بالثورة، لذلك تقبّلت الأمر".

يعود البورتريه المؤثّر في الجدارية لصبي يجهله معظم الناشطين، وقد استُلهِم من صورة التُقِطت لسعيد خالد، ابن الأحد عشر ربيعاً، في ميدان التحرير. لقي شقيق سعيد مصرعه في ما يُعرَف بـ"موقعة الجمَل" عندما هاجم معتدون يمتطون الجِمال المتظاهرين المناهضين لمبارك في الثاني من شباط/فبراير 2011. وقد شارك سعيد الذي أراد أن يسير على خطى شقيقه، في كل التظاهرات الكبرى، إلى أن لقي هو أيضاً حتفه في صدامات شارع محمد محمود في العام 2011. يقول أبو بكر: "إنهما صغيران جداً، وقد قُتِلا في الشارع بهذه الطريقة. كانا يناضلان من أجل نيل حقوقهما وعيش حياة أفضل".

إلى جانب الدور النقدي الذي تؤدّيه جداريات محمد محمود، تشكّل أيضاً مساحة للتجمّع. من النادر أن تعمل النساء في الشارع، وقد كان رسم هذه الجدارية حدثاً وجودياً بالنسبة إلى سامي، خرّيجة الفنون الجميلة البالغة من العمر 30 عاماً، والتي تعمل أيضاً مصمّمة أزياء. وقد انصبغت زاوية شارع محمد محمود وميدان التحرير بأنها بؤرة للاعتداءات الجنسية. تقول سامي: "بما أنني امرأة، كانت لديّ مشكلة في الذهاب إلى ذلك الشارع، حتى إنني أعرف فتاة تعرّضت إلى الاعتداء. لكن لايمكنني الاختباء في المنزل. عندما كنّا نعمل، شعرت بأنّ روح 25 يناير تجتاح كياني، ولم أشعر بالخوف". فضلاً عن ذلك، رُسِمت نماذج التمويه بواسطة فرشاة الأسطوانة، الأمر الذي سهّل على الجميع المشاركة في الرسم، وحوّل المكان إلى مشغل في الهواء الطلق. تقول سامي: "أحببت حقاً أننا عملنا كمجموعة". فيما تشارف مصر على إحياء الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير، يقول أبو بكر وزملاؤه الفنّانون الناشطون إن التقلّبات التي تشهدها البلاد أمر متوقّع في إطار النضال الذي يخوضه المصريون. يعلّق أبو بكر قائلاً: "خلال حظر التجوّل الذي استمرّ ثلاثة أشهر [بين آب/أغسطس وتشرين الثاني/نوفمبر] حصل الناس على الوقت للتفكير، لكن الثورة ليست ذكرى، وهذا الحوار على الجدار جزء من الثورة". باتت الجداريات تمثّل الثورة لعدد كبير من الشباب. يقول وسيم: "عندما يُنظَّف الجدار، يصبح مثل قطعة قماش جديدة جاهزة للرسم عليها". ويتابع: "بالنسبة إليّ، يمثّل هذا الجدار وشارع محمد محمود الحرية، ومصر التي أحببتها وسأظلّ أحبّها. أشعر بأن روح 25 يناير لاتزال معنا وسوف تتطوّر أكثر".

أنجيلا بوسكوفيتش كاتبة وباحثة ومنتجة ثقافية مقيمة في القاهرة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية