شهد وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل مزيداً من التدهور خلال الشهر الماضي، ماأدّى إلى زيادة في حوادث إطلاق النار عبر الحدود، وفي إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون من غزة؛ فضلاً عن عمليات التسلّل التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي، والهجمات الجوية والاغتيالات في القطاع. يتعرّض وقف إطلاق النار الذي تم التوصّل إليه بوساطة مصرية - والذي وضع حداً لعملية "عمود السحاب" التي استمرّت أسبوعاً كاملاً في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، وشكّلت الجولة الأخيرة في مواجهة عسكرية كبرى بين إسرائيل وحماس - لضغوط حادّة بسبب افتقاره إلى أساس سياسي استراتيجي.

إلى جانب الدفع نحو وقف فوري للأعمال العدائية، سعى الاتفاق الخطّي إلى إطلاق آلية لتطبيع حركة البضائع والأشخاص من غزة وإليها. خلال العام الذي أعقب المصادقة على وقف إطلاق النار، تراجع عدد الهجمات بالصواريخ وقذائف الهاون من غزة اتجاه إسرائيل، من 641 في العام السابق إلى 67؛ وقد لقي تسعة فلسطينيين فقط مصرعهم في غزة جرّاء العمليات الإسرائيلية بين كانون الأول/ديسمبر 2012 ونهاية 2013، بالمقارنة مع 246 قتيلاً فلسطينياً في الأشهر الأحد العشر الأولى من العام 2012 (لقي معظمهم حتفهم خلال عملية "عمود السحاب"). لكن خلال الشهر الماضي، أُطلِق أكثر من عشرين صاروخاً من غزة، ولقي خمسة أشخاص حتفهم (أربعة فلسطينيين وإسرائيلي واحد).

الواضح اليوم هو أن التراجع في الأنشطة العسكرية خلال العام 2013 لم يُترجَم تهدئة أكثر استقراراً في المدى الطويل، والسبب على الأرجح هو أن وقف الأعمال العدائية في كانون الأول/ديسمبر 2012 لم يستند إلى علاقة أكثر تطبيعاً بين إسرائيل وغزة. فبعد التوصّل إلى وقف إطلاق النار، أجرت إسرائيل وحماس محادثات غير مباشرة في القاهرة، إلا أن هذه الجهود لم تثمر عن تغييرات جوهرية في السياسة الإسرائيلية حيال قطاع غزة. فعلى الرغم من بعض الإجراءات التي اتُّخِذت في البداية للتخفيف من القيود الاقتصادية - بما في ذلك توسيع منطقة صيد الأسماك في غزة - لايزال العدد الإجمالي لحمولات الشاحنات من السلع الاستهلاكية ومواد البناء التي دخلت غزة، والأهم من ذلك تلك التي خرجت منها بين العامَين 2012 و2013، أقل بكثير من المجموع قبل العام 2007، عندما سيطرت حماس على غزة وباشرت إسرائيل تطبيق سياسة حازمة لعزل القطاع.

حتى الآن، لايزال وقف إطلاق النار الهش قائماً، على الرغم من أنه واجه خطر الانهيار في أكثر من مناسبة. فقد تجنّبت كل من إسرائيل وحماس التصعيد العسكري نظراً إلى أن الابتعاد عن الدخول مجدداً في مواجهة عسكرية شاملة يصب في مصلحة الطرفَين، إلا أن الوضع الراهن ليس مستقراً على الإطلاق.

تعتبر إسرائيل أن الوضع القائم المستند إلى ضبط النفس المتبادل والجمود السياسي يخدم مصلحتها في الحفاظ على الاستقرار في المدى القصير. بالفعل، تهتم إسرائيل بالحفاظ على الهدوء عند الحدود مع غزة، وفي غياب استراتيجية سياسية أوسع نطاقاً للتعامل مع القطاع أوحماس، تفضّل إدارة الحدود من دون إنفاق رأسمال عسكري أو سياسي على عملية عسكرية جديدة. أكثر من ذلك، من شأن عملية عسكرية شاملة في غزة أن تشلّ عملية السلام الهشّة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتدقّ إسفيناً إضافياً بين إسرائيل والمجتمع الدولي.

أما رغبة حماس في الإبقاء على الوضع القائم فتندرج في سياق عزلتها المتزايدة. فقد شهدت مكانتها الإقليمية تراجعاً حاداً بعد سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر الذي كان يُعتبَر حليفها الأساسي في المنطقة. وتتكبّد الحركة أضراراً كبيرة بسبب خصومتها الشديدة مع الحكومة المصرية المؤقتة، لاسيما وأن علاقتها مع كل من إيران وسوريا قد تدهورت أيضاً. تُعتبَر تركيا وقطر حالياً الداعمتَين الإقليميتين الأبرز والوحيدتَين لحركة حماس، بيد أن الدعم المالي والسياسي الذي تقدّمانه لايعوّض عن خسارة المؤازرة من القاهرة وطهران.

فضلاً عن العزلة الدولية التي تعاني منها حماس، تزداد محنتها تعقيداً بسبب تراجع الوضع الاقتصادي في غزة، والذي يرتبط بالقيود التي فرضتها مصر على تدفّق البضائع عبر معبر رفح، والإجراءات العسكرية التي اتّخذتها لإغلاق الأنفاق التي تربط تحت الأرض بين غزة وسيناء. وقد كان لهذه السياسة المصرية المتشدّدة حيال حماس وغزة على السواء تأثير عميق على القطاع. أخيراً، تواجه سلطة حماس في غزة مزيداً من التحدّيات على المستوى المحلي، مع تعاظم نفوذ الفصائل المسلحة في القطاع وصعود المعارضة الإسلامية لحركة حماس، والتي تتجسّد مثلاً في المجموعة الأهلية المعروفة بحركة تمرد.

بيد أن التوازن الحالي بين حماس وإسرائيل، بالاستناد إلى الردع المتبادل والمصالح القصيرة الأمد في الحفاظ على الوضع القائم، يظل هشاً للغاية. فالاستراتيجية التي يتبنّاها كلٌّ من الطرفَين للإبقاء على الردع تهدّد التوازن الصعب، مايولّد معضلة أمنية مستمرة. فمن وجهة نظر إسرائيل، يعني الحفاظ على الردع الردّ على كل انتهاك من الفريق الآخر. يدرك القادة الإسرائيليون أن الصواريخ وقذائف الهاون المتفرّقة التي أُطلِقت من غزة يقف وراءها في شكل أساسي مقاتلون منشقّون ينتمون إلى مجموعات سلفية جهادية وإلى حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، لكنهم يحمّلون حماس المسؤولية المباشرة باعتبارها السلطة الحاكمة في غزة وطرفاً في اتفاق وقف إطلاق النار. إذاً بمقدور هؤلاء المسلّحين أن يُفسدوا الأمور بسهولة، فيدفعون بإسرائيل وحماس نحو المواجهة.

في غضون ذلك، تعمل حماس على إنتاج مقذوفات في الداخل للتعويض عن التراجع في استيراد الأسلحة جراء قيام مصر بتدمير الأنفاق في سيناء. ويبدو أيضاً أن الحركة تستثمر في حفر أنفاق هجومية تحت الحدود بين غزة وإسرائيل - نظراً إلى تراجع فاعلية المقذوفات التي تطلقها حماس بسبب تصدّي إسرائيل الناجح لها من خلال منظومة الدفاع ضد الصواريخ المعروفة بـ"القبة الحديدية" - والتي كشفت القوات الإسرائيلية ثلاثة منها خلال العام 2013. غالب الظن أن هذه الأنفاق تشكّل خطة احتياطية بالنسبة إلى حماس. عندما تنهار الهدنة مع إسرائيل، بإمكان مقاتلي حماس أن يفجّروا الأنفاق تحت دوريات الجيش الإسرائيلي أو يرسلوا فرقاً ضاربة لمهاجمة المجتمعات المجاورة للأنفاق أو خطف الجنود. بيد أن الاستعداد لمثل هذه السيناريوهات يحمل في طياته خطر التسبّب بانهيار وقف إطلاق النار.

في هذا السياق، أصيب خمسة جنود إسرائيليين، في 31 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بانفجار عبوة لدى قيامهم بهدم نفق يمتد على طول 1.7 كيلومتر  بين إسرائيل وقطاع غزة. فردّ الجيش الإسرائيلي بمهاجمة نفق آخر، ماأسفر عن مقتل ثلاثة قياديين في حركة حماس. غرّد متحدّث باسم الجيش الإسرائيلي عبر تويتر بأن العمل الذي قامت به حماس "يشكّل انتهاكاً للتفاهمات التي انبثقت عن عملية عمود السحاب". لقد انتقمت حماس لجنودها في السابق، لكن في هذه الحادثة، تجنّب الطرفان دفع الأمور نحو حافة الهاوية.

منذ ذلك الوقت، تعكس الأحداث الأخيرة - بما في ذلك الزيادة في الهجمات الصاروخية وفي العمليات العسكرية الإسرائيلية - هشاشة الترتيبات الراهنة التي تركّز على تطبيق البند الأول في اتفاق وقف إطلاق النار (وقف العمليات العسكرية) فيما تفشل في تحقيق تقدّم مهم على الجبهة السياسية. لم تسلك حركة البضائع والأشخاص من غزة وإليها، مسارها الطبيعي بعد، كما أن إسرائيل لاتزال تعوّل على استخدام ورقة القيود على غزة للمساومة مع حماس عبر تخفيف تلك القيود أو تشديدها. فعلى سبيل المثال، بعد اكتشاف نفق آخر بين غزة وإسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 2013، قرّرت الحكومة الإسرائيلية منع استيراد مواد البناء بهدف استعمالها لأغراض مدنية في القطاع. وقد صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون شارحاً أهمية التشدّد في فرض قيود على مواد البناء "لسوء الحظ، هذا هو الثمن الذي ينبغي على السكان دفعه"، في مؤشّر معبّر عن التردّد الشديد في اعتماد سياسة أكثر استقراراً من مجرد الردع في التعامل مع حماس وسكان غزة.

أقرّ المايجور جنرال سامي ترجمان، قائد الجبهة الجنوبية للجيش الإسرائيلي، في أيلول/سبتمبر الماضي بأنه "لابديل" لإسرائيل عن حماس من أجل الحفاظ على التهدئة في غزة. لكن في الوقت نفسه، تستمر إسرائيل وحماس في الإعداد للحرب المقبلة. وتساهمان، عبر القيام بذلك، في إضعاف وقف إطلاق النار الذي يملك الطرفان مصلحة في الحفاظ عليه. إذا لم يتحقّق التعهّد بتحقيق الوضع السوي بين إسرائيل وغزة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، فسوف تكون مسألة وقت فقط قبل أن تطلق كل تلك الاستعدادات شرارة الأعمال الحربية من جديد.

بينيديتا برتي زميلة بحوث في معهد دراسات الأمن القومي، ومحاضِرة في جامعة تل أبيب، ومؤلّفة "التنظيمات السياسية المسلحة". زاك غولد محلل لشؤون الشرق الأوسط مقيم في واشنطن ومؤلف الورقة التحليلية الصادرة عن مركز سابان في معهد بروكينغز بعنوان "أمن سيناء: فرص التعاون الصعب بين مصر وإسرائيل وحماس".

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية