أذاعت قناة "القاهرة والناس" بدءا من كانون الأول/ديسمبر 2013، مكالمات هاتفية شخصية لنشطاء وسياسيين للمرة الأولى في مصر، عبر برنامج الصندوق الأسود. ويأتي على رأس هؤلاء السياسيين الذين طالتهم التسريبات محمد البرادعي، وعبد المنعم أبو الفتوح، وعمرو حمزاوي، رئيس حزب مصر الحرية. يعد التجسس على المكالمات الهاتفية والبريد الالكتروني ومراقبة تحركات النشطاء والسياسيين ولقاءاتهم، أمراً اعتادت أجهزة الأمن المصرية القيام به منذ عقود طويلة، وتتوزّع مسؤوليته على أجهزةٍ مثل الأمن الوطني والمخابرات العامة والمخابرات الحربية، ويظلّ من المؤكد أن قرار بث تسجيلات مكالمات هاتفية منسوبة لسياسيين، لا يمكن أن يمرّ من دون علم وموافقة المشير عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع السابق، الذي يُعَدّ صاحب القرار الأخير في شؤون الأمن في مصر، وذلك على الرغم من نفي وزير الداخلية محمد إبراهيم وجود أي علاقة لأجهزة وزارته بهذه التسريبات. وتكشف هذه التسريبات عن اتجاهات مثيرة للقلق في مصر بشأن سيادة القانون والروايات الأمنية لأحداث ثورة 25 يناير، وعدم وجود حملة واسعة النطاق ضد انتهاكات الخصوصية.

تنتهك هذه التسريبات المواثيق الدولية والدستور والقانون المصري، حيث تشترط المادة (17) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عدم تعريض أي شخص لتدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصياته أو مراسلاته، وأن يحمي القانون كل شخص من مثل هذا التدخل أو المساس. وتؤكّد نصوص الدستور المصري الحالي على صون حرمة الحياة الخاصة، ومنها سرية المحادثات الهاتفية التي لايجوز الإطلاع عليها أو مراقبتها إلا بأمر قضائي مسبب، وفقاً للمادة (57)، كما تعتبر الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة للمواطنين جريمة لاتسقط بالتقادم، وفقاً للمادة (99). وعلى مستوى قانون العقوبات المصري، ثمة نص في المادة (309) مكرَّر على سجن من يقوم بالتجسس على المكالمات الهاتفية أو إذاعة هذه المكالمات، وحتى المادة (73) من قانون تنظيم الاتصالات الصادر في العام 2003 تقضي بتوقيع عقوبة السجن أو الغرامة على موظفي مجال الاتصالات المسؤولين عن تسجيل المكالمات وإفشائها. والملفت هنا أن السلطات المصرية لم تتّخذ أي إجراء تجاه فضيحة التسريبات، مع أن الدستور يمنح المجلس القومي لحقوق الإنسان حق إبلاغ النائب العام بانتهاك حرمة الحياة الخاصة، ويمنح القانون جهاز تنظيم الاتصالات الحق في متابعة التزام شركات الاتصالات بحقوق العملاء. 

وعلى الرغم من تقدّم عدد من المنظمات الحقوقية ببلاغ للنائب العام نهاية كانون الأول/ ديسمبر للتحقيق في فضيحة التسريبات، وكذلك تقدّم البرلماني السابق مصطفى النجار - أحد الذين أُذيعت لهم تسجيلات لمكامات هاتفية - ببلاغ آخر إلى النائب العام، لم يفتح النائب العام تحقيقاً في هذه القضية حتى الآن، الأمر الذي يُعَدّ مؤشراً شديد الخطورة على إهدار قيم القانون في مصر، ويزيد القلق من تحوّل النصوص الدستورية الأخيرة إلى حبر على ورق، في ظل تزايد انتهاكات حقوق الإنسان. ويبقى الأمل الأخير في تطبيق القانون متوقفاً على نظر القضاء في الدعوى التي أقامها الناشط مصطفى النجار ضد مقدم هذا البرنامج، وكانت أولى جلساتها في 22 شباط/ فبراير الماضي. 

وتسعى السلطة العسكرية من خلال تسريب هذه المكالمات الهاتفية إلى تأريخ الأحداث السياسية التي مرت بها مصر منذ ثورة 25 يناير من منظور أمني، أو بمعنى أدق، تبني رواية مبارك ونائبه عمر سليمان عن ثورة 25 يناير، والتي ترد كل جهود التيارات السياسية والحركات الشبابية إلى المشاركة في مؤامرة دولية لإسقاط الدولة وتمكين الإخوان المسلمين من الحكم. ويأتي ذلك كجزء من حملة طويلة تقوم بها وسائل إعلام وكتّاب وصحافيّون لشيطنة كل معارضي السلطة العسكرية وتخوينهم. وتزامنت إذاعة هذه التسريبات مع الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير، بهدف إجهاض أي تحركات مناوئة للسلطة العسكرية، وإقناع المواطنين بضرورة تأييدها باعتبارها المدافع عن الوطن ضد هؤلاء الأعداء والخونة. وتحاول السلطة العسكرية أيضاً استعادة هيبة أجهزتها الأمنية مثل الأمن الوطني (أمن الدولة سابقاً) الذي تعرّض إلى هجوم شرس من المدافعين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان خلال السنوات الثلاثة الماضية، وتم التقليل من شأن ضبّاطه ودوره كثيراً في أعقاب اقتحام مقراته في آذار/مارس 2011. والرسالة هنا أن الأجهزة الأمنية لم تهتز يوماً وواصلت القيام بدورها، وهي تتبع مايقوم به النشطاء والسياسيون، موحيةً بأنّ التجسّس على النشطاء عمل وطني نبيل، وهذه الرسالة تعيد إنتاج ثقافة الخوف والحذر لدى الجميع، إذ تعدّ التسريبات وسيلة مباشرة لتهديد النشطاء والسياسيين المعارضين، عبر تناول جوانب من حياتهم الشخصية واستهداف سمعتهم. 

وقد نقلت وسائل الإعلام المختلفة مضمون هذه المكالمات المسربة، وأثنى كتّاب مقالات رأي وصحافيّون على قدرة مقدّم هذا البرنامج على الحصول على هذا الكم من المكالمات الخاصة بنشطاء وسياسيين، بحيث طالت المكالمات الهاتفية المنسوبة نشطاء مثل: أحمد ماهر ومحمد عادل (حركة شباب 6 أبريل)، ومصطفى النجار وعبد الرحمن يوسف (المسؤولين السابقين عن حملة دعم البرادعي)/ ووائل غنيم (مسؤول صفحة كلنا خالد سعيد) وأسماء محفوظ ومحمد عباس، وكل هؤلاء النشطاء لعبوا دوراً بارزاً في إسقاط نظام مبارك والدفاع عن الديمقراطية. ولم تتعدّ ردود الفعل الرافضة بياناً موجّهاً إلى رئيس الجمهورية المؤقت أصدرته 50 شخصية من النشطاء والسياسيين، اتهموا فيه أجهزة الأمن باستهداف تشويه سمعة المشاركين في ثورة 25 يناير، إضافةً إلى مقالات لبعض الكتاب المدافعين عن الديمقراطية، من بينهم الإعلامي باسم يوسف. إلا أن هناك دلالات على رفض شرائح أخرى في المجتمع هذه التسريبات، فنسبة من شاهد هذه التسريبات على موقع يوتيوب لاتتعدى عشرات الآلاف، والقناة التي أذاعت التسريبات لا تحظى بنسبة مشاهدة مرتفعة، وفقاً لاستطلاع شركة إبسوس. ولم يمتد رفض التسريبات ليشمل تأسيس حملات للدفاع عن الخصوصية والتنديد بالقائمين على هذه الانتهاكات، بل إن بعض لشخصيات التي طالتها هذه التسريبات لم تقم بإدانتها من الأساس. ويحاول البعض ربط ردود الفعل الضعيفة بأن ثمة قضايا تحظى بأولوية أكبر، كالعملية السياسية وأوضاع المعتقلين وطلبة الجامعات. ولكن، يعكس ضعف ردّ الفعل الرافض هذه التسريبات، سواء في أوساط النشطاء أو شرائح أوسع، أزمةً أعمق وتساؤلات كبيرة حول اهتمام المصريين بقضية الخصوصية ومدى إدارك المجتمع أهمية الدفاع عن حرمة الحياة الخاصة وسيادة القانون. 

من المؤكد أن مصر تشهد تحت وطأة الحكم العسكري ردّة شديدة عن احترام حقوق المواطنين وتطبيق القانون. ويزيد المشهد تعقيداً ضعف مقاومة القوى المنادية بالديمقراطية والمجتمع المدني للانتهاكات التي تقوم بها السلطة العسكرية لحقوق الإنسان، مايرسم صورة قاتمة للغاية عن مستقبل العملية السياسية والحريات في مصر، خصوصاً مع احتمال أن يصل وزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي إلى سدة الرئاسة خلال الشهور المقبلة.

محمد عبد السلام باحث في برنامج الحريات الأكاديمية والحقوق الطلابية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير في القاهرة. الآراء الواردة في المقال تعبّر عن وجهة نظره الشخصية ولا تعكس نظرة المؤسسة.