الصيف الماضي، تظاهر التونسيون أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي للمطالبة بحله على الفور مع الحكومة. على الرغم من الانتقادات التي صدرت من داخل المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب النهضة، تجاوب القادة في اثنَين - النهضة والتكتّل - من الأحزاب الثلاثة التي تشكّل الترويكا الحاكمة، مع مطالب المعارضة بالتنحّي من مناصبهم إقراراً منهم بضرورة تعزيز الشرعية الانتخابية للحكومة بواسطة شرعية إضافية مستندة إلى الحوار، في مسارٍ أدّى في نهاية المطاف إلى إقرار دستور جديد في أواخر كانون الثاني/يناير الماضي، وتعيين حكومة توافقية بقيادة مهدي جمعة. على الرغم من أن جهود الوساطة التي قادها الاتحاد العام التونسي للشغل - أو بالأحرى مفاوضات التهدئة بين النخب السياسية - ساهمت في إنهاء الاستقطاب في البلاد، إلا أن بعض التونسيين رأوا فيها انحساراً للموجة الثورية التي أطلقت نظاماً سياسياً جديداً قائماً على التمثيل الديمقراطي.

لقد اعتبر المجلس الوطني التأسيسي وأحزاب الترويكا الحاكمة التي تمثّل هذا النظام الجديد، أن المرحلة الانتقالية في تونس تقتضي في شكل أساسي إنجاز الدستور وإنشاء هيئة سليمة للإشراف على انتخابات تشريعية حرة وعادلة من المقرّر إجراؤها قبل نهاية العام الجاري. كان تحقيق هذه الأهداف أساسياً، نظراً إلى أن كل خطوة قام بها المجلس الوطني التأسيسي من أجل إعداد الدستور والتخطيط للانتخابات، شكّلت محاولة لاستبدال النظام القديم.

لكن عندما توقّفت آلية وضع الدستور إبان اغتيال محمد براهمي، عضو البرلمان والزعيم اليساري المعارض في تموز/يوليو الماضي، تعرّضت شرعية المجلس التأسيسي الوطني لتصدّع كبير إلى درجة أنه لم يعد بالإمكان منع دعاة الثورة المضادّة من انتزاع زمام المبادرة من جديد، عبر اللجوء إلى الخطاب عن "التكنوقراطية" والخبرة القديمة في النظام السابق. وهكذا طالبت المعارضة، وعلى رأسها جبهة الإنقاذ (تحالف بين حزب نداء تونس والجبهة الشعبية اليسارية المتطرفة)، بإغلاق المجلس الوطني التأسيسي، وتنحّي الحكومة، وإقالة جميع المسؤولين الذين عيّنتهم الترويكا، ماشكّل تهديداً حقيقياً للعملية الانتقالية وكشف النقاب عن طبيعة التحالف الذي يشنّ ثورة مضادّة.

أعربت الترويكا، عبر استخدام سياسة التسوية، عن استعدادها للتخلّي عن الحكم بعد وضع الدستور وتشكيل الهيئة الانتخابية. أما جبهة الإنقاذ من جهتها فتعتبر أن النجاح في حلّ الترويكا يعود إلى التعبئة العفوية في الشارع، فالناس "لم يعودوا يتحمّلون فشل الحكومة في إدارة الدولة"، بحسب الجبهة، لكن زعيم النهضة، راشد الغنوشي، يقول إنه كان بإمكان حزبه "التمسّك بحقه في البقاء في الحكومة. نحن منتخَبون من الشعب، نملك الأغلبية المطلقة في المجلس الوطني التأسيسي، والسبيل الوحيد لاستبدالنا هو عن طريق الانتخابات - لكننا تخوّفنا من وقوع حمام دماء، كما في البلدان الأخرى. لذلك قلنا، لابأس نخرج، وإذا كان الشعب يثق بنا، سيُعيدوننا في الانتخابات المقبلة، ونحن على يقين من أنهم سيفعلون". من المنطلق عينه، أكّد زياد العذاري، المتحدّث باسم النهضة، أن الترويكا "لم تنسحب تحت تأثير الإكراه، إذ إنه لم يحدث انقلاب عسكري لإطاحتنا، ولم تندلع ثورة طالب فيها الملايين بتنحيتنا، ولم تتمكّن المعارضة من طردنا عن طريق الاحتجاجات الحاشدة".1

شكّل استبدال الحكومة التي تقودها النهضة بوجوه جديدة بالكامل، بدءاً من رئيس الوزراء وصولاً إلى تعيين وزراء جدد في الحقائب الوزارية كافة، مكوّناً أساسياً في مسار الحوار الوطني. لكنه عزّز بوضوح المكانة التي تحتلّها قوى الثورة المضادّة وشخصيات النظام السابق الذين استغلوا هذا النصر لتشويه سمعة المنظومة التي نشأت بعد الثورة وتسليط الضوء على عقم النخب الجديدة التي تديرها. لاتزال هذه الشخصيات التي كانت جزءاً من نظام بن علي تؤدّي دوراً داخل أجهزة الدولة وفي الحزبَين السياسيين الكبيرَين، جبهة الإنقاذ والحركة الدستورية. وهم يؤكّدون صراحةً، عبر وسائل الإعلام التونسية، حقّهم المشروع في الحكم. وفيما تدور عجلات العدالة الانتقالية ببطء، استخدمت هذه المجموعات التي كانت على ارتباط بالنظام القديم - واستمرّت في السيطرة على وسائل الإعلام الأساسية في البلاد بعد الثورة - مواقعها النافذة في القطاع الإعلامي، وشبكاتها التي تتواصل من خلالها شخصياً مع المواطنين، وروابطها التقليدية داخل الهيكليات البيروقراطية (لاسيما القضاء الذي لايزال من دون إصلاح) من أجل العودة إلى الساحة السياسية.

ميدانياً، يشهد الرأي العام على تبرئة العديد من الأشخاص الذين كانوا وزراء في عهد بن علي، ومجموعة كبيرة من الموظفين الحكوميين الذين استأنفوا مهامهم بعد إقالتهم لفترة مؤقتة. في المقابل، تنعت المعارضة قادة انتفاضة 2011، مثل عماد دغيج وياسين العياري، بـ"الإرهابيين" أو "المختلّين عقلياً". يُحاكَم هؤلاء الشباب بسبب موقفهم العلني والصريح ضد وجوه معيّنة من النظام السابق، لاسيما في صفوف قوات الشرطة، والذين تجمعهم روابط قوية بجبهة الإنقاذ كما بعناصر في وزارة الداخلية. ففي 28 آذار/مارس الجاري، حُكِم على عماد دغيج بالسجن 14 شهراً بسبب الانتقادات اللاذعة التي وجّهها (في شريط فيديو نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي) إلى القضاة وضباط الشرطة "الفاسدين" في نقابتَي القضاة والشرطة. نشر دغيج شريط الفيديو رداً على بيان صادر عن النقابة الوطنية للشرطة التونسية تعهّدت فيه باتخاد "إجراءات تصعيدية" بحق رئيس الوزراء مهدي جمعة ووزير الداخلية لطفي بن جدو إذا لم يستجيبا لمطالبها ويبادرا إلى توقيف عماد دغيج الذي اتّهمته النقابة بتهديد الأمن القومي. يتعرّض الصحافيون والمدوّنون والناشطون السياسيون الذين يدافعون عن آراء مماثلة لتشويه سمعتهم في وسائل الإعلام، وللمطاردة والمضايقات من الشرطة. ومن الأمثلة على ذلك ماحدث في 28 شباط/فبراير الماضي عندما هاجم عناصر الشرطة، في استعراض واضح للقوة، تظاهرةً كان ينظّمها ناشطون سياسيون احتجاجاً على عودة "ممارسات بن علي القمعية".

على الرغم من أن هذا الواقع مثير للقلق ويؤشّر إلى عودة الثورة المضادة، إلا أنه لايُثني من عزيمة قيادة النهضة التي لاتزال واثقة من أن مسار الدمقرطة الحالي سيتكلّل بالنجاح بغض النظر عن كل هذه المؤشرات غير المؤاتية. يبدو أن ثقتهم هذه نابعة من نظرتهم إلى الوضع الحالي للعملية الانتقالية انطلاقاً من نموذجٍ أوسع نطاقاً. فهم يرون سياقاً سياسياً ينطبع أكثر فأكثر بالشفافية وقيام مجموعة من المؤسسات الدستورية الديمقراطية، مايقتضي حكماً مشاركة النهضة. فالمحكمة الدستورية، والهيئة العليا المستقلة للانتخابات، والهيئة الوقتية للقضاء العدلي (التي ستُستبدَل بمجلس القضاء الأعلى)، والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري، ومجلس حقوق الإنسان، كل هذه المؤسسات لم تكن موجودة خلال عهد بن علي السلطوي. يتطلّعون الآن إلى إرساء واقع ديمقراطي جديد قائم على المؤسسات، ومن شأنه، في نظر النهضة، أن يستوعب عناصر النظام السابق.

تنطبع المناورات السياسية في تونس اليوم بوجود مكوّنَين متنافسَين: من جهة المسار الهادف إلى إرساء عملية انتقالية ديمقراطية بقيادة المجلس الوطني التأسيسي، ومن جهة ثانية النخب القديمة التي تضم رجال أعمال وأشخاصاً نافذين سياسياً كانوا مقرّبين من دوائر السلطة في عهدَي بن علي وبورقيبة. لم يتمكّن أي من الفريقَين من السيطرة بالكامل على المنظومة، لكن الصراع مستمر. تعكس الأجواء السياسية الراهنة في تونس المخاطر التي يواجهها الانتقال الديمقراطي، والتوازن الدقيق بين النخب السياسية، وكذلك مشاعر الرضى والاستياء على السواء من الخطوات التي اتّخذتها النخب المرتبطة بالحكومة للحفاظ على استمرارية العملية الديمقراطية. على تونس أن تبث الزخم من جديد في مسار العدالة الانتقالية والجهود الهادفة إلى تعزيز الشفافية من أجل منع المساومات خلف الكواليس والمساعي الهادفة إلى تقويض المساءلة، لأن ذلك قد يؤدّي - في حال خروجه عن السيطرة - إلى عودة السياسة السلطوية في البلاد.

عمر بلحاج صلاح باحث تونسي مستقل مقيم في برلين.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. مقابلة مع الكاتب.