بدا في الشهرين الأولين من العام 2014 أن لبنان ينزلق بسرعة، وبطريقة شبه محتومة، نحو مستنقع من حمامات الدماء وانعدام الاستقرار. ففي موجة غير مسبوقة في تاريخ البلاد، تسارعت وتيرة الهجمات التي شنّتها تنظيمات على صلة بالقاعدة ضد المدنيين، وأسفرت عن مقتل 34 شخصاً، بإضافة إلى أكثر من خمسين رجلاً وامرأة وطفلاً كانوا قد لقوا مصرعهم في هجمات مماثلة في النصف الثاني من العام 2013. ثم فجأةً، ومن دون أن ينتبه أحد تقريباً، توقّفت الهجمات. ولأول مرة منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر 2013، لم يشهد لبنان في نيسان/أبريل 2014 أي عملية تفجير. حتى قبل ذلك، سُجِّل تراجع في وتيرة الهجمات التي انخفضت من خمسة تفجيرات انتحارية في شباط/فبراير 2014 إلى تفجيرَين في آذار/مارس، مع الإشارة إلى أن العمليتين الأخيرتين اقتصرتا على المنطقة الحدودية السورية. وقد أعلن حسن نصرالله، أمين عام حزب الله، بثقة في مقابلة في نيسان/أبريل الماضي أن "خطر التفجيرات الإرهابية في الداخل اللبناني تراجع كثيراً". في حين أن هذا التصريح كان محض سياسي - فقد سعى من خلاله إلى أن يبرّر، بمفعول رجعي، تدخّل حزبه العسكري المثير للجدل في الحرب السورية إلى جانب الرئيس بشار الأسد - يبدو أنه صمد حتى الآن، وقد تردّد أيضاً على لسان قائد الجيش اللبناني.

إذن، كيف استطاعت دولة هشّة ومفكّكة على غرار لبنان التغلّب على تنظيم القاعدة ؟ السبب الأساسي هو أن الأفرقاء اللبنانيين الأكثر نفوذاً توحّدوا ضد جبهة النصرة وكتائب عبدالله العزام، فرعَي تنظيم القاعدة في لبنان. ويأتي في طليعة هؤلاء الأفرقاء حزب الله الذي يحتفظ، إلى جانب قوته البشرية شبه العسكرية ومعدّاته، بشبكات اتصالات واستخبارات أتاحت له مراقبة التنظيمَين عن كثب. لقد جعلت جبهة النصرة وكتائب عبدالله عزام من العداء لحزب الله علّة وجودهما، فوصفتاه بأنه "حزب الشيطان" الهرطقي، وكانتا تعلنان بعد كل تفجير أنهما ستواصلان هجماتهما حتى ينسحب مقاتلو الحزب من سورية. ثم هناك القوات المسلحة التابعة للدولة اللبنانية التي تدير أيضاً عمليات متعددة وواسعة النطاق لجمع الاستخبارات. رداً على الهجمات، ركّزت القوى الأمنية، بالتعاون مع حزب الله، جهودها على مطاردة المشتبه بهم، وذلك بالاستناد إلى الاستخبارات المشتركة بين الأجهزة الأمنية والحزب، بمباركة المؤسسة السياسية وداعميها الدوليين ومنهم الولايات المتحدة.

وشملت عمليات المطاردة اعتقال متورّطين أو قتلهم. في آذار/مارس 2014، لقي مسلّح مطلوب لضلوعه على الأقل في واحد من التفجيرات بواسطة السيارات المفخخة في ضاحية بيروت الجنوبية، مصرعه في كمين نفّذه الجيش اللبناني في الجبال المحيطة ببلدة عرسال على مقربة من الحدود السورية. ولقي مشتبه به آخر مطلوب في عمليتَي تفجير، حتفه في ظروف أكثر غموضاً في تشرين الأول/أكتوبر 2013، فقد أشارت التقارير إلى أن سيارته استُهدِفت بقذائف صاروخية في منطقة نائية، قرب عرسال أيضاً. وفي حين أفادت الوكالة الوطنية للإعلام أن المشتبه به قُتِل في "كمين مسلّح"، وُجِّهت أصابع الاتهام أيضاً إلى حزب الله. وأحاط غموض مماثل بوفاة ماجد الماجد أثناء وجوده في الحجز لدى السلطات اللبنانية، وهو السعودي المطلوب دولياً الذي كان أمير كتائب عبدالله عزام، والذي يُشتبَه بأنه كان العقل المدبّر للهجوم الانتحاري المزدوج على السفارة الإيرانية في بيروت في تشرين الثاني/نوفمبر 2013. وقد ذكرت المصادر الرسمية أن وفاته في كانون الأول/ديسمبر الماضي، بعد تسعة أيام فقط من توقيفه على أيدي استخبارات الجيش اللبناني، جاءت نتيجة أسباب طبيعية - بيد أن كتائب عبدالله عزام حمّلت حزب الله المسؤولية، وقد وجّه هذا الأخير بدوره أصابع الاتهام إلى الرياض.

كذلك حقّقت السلطات اللبنانية تقدّماً سريعاً على جبهات أخرى. بحسب التقارير، أبلغ رجل دين متشدّد تم توقيفه في عرسال في كانون الثاني/يناير 2014، الجيشَ اللبناني عن هوية اللاجئ الفلسطيني نعيم عباس الذي أصبح المطلوب الأول في لبنان واعتُقِل في الشهر التالي. وُجِّهت إلى عباس تهمة التخطيط لتفجيرين انتحاريّين في ضاحية بيروت الجنوبية، وذكرت التقارير أنه كشف عن أماكن العديد من السيارات المحمّلة بالمتفجرات والتي عثر عليها الجيش لاحقاً. وقد جرى توقيف عدد من معاونيه.

مع تزايد الاعتقالات والقرارات الاتهامية، بدأت تظهر صورة أوضح عن طريقة عمل المقاتلين. فقد كشف المحقّقون عن شبكة تربط مخيّم اللاجئين الفلسطينيين في عين الحلوة جنوب مدينة صيدا ببلدة عرسال عند الحدود الشرقية. وكان القاسم المشترك بين أكثر من هجوم الشيخ أحمد الأسير الذي أصبح فارّاً من وجه العدالة بعدما خاض مسلّحوه معركة دموية مع الجيش وحزب الله في صيدا في حزيران/يونيو 2013. فقد زعم ثلاثة انتحاريين على الأقل، في تسجيلات مصوّرة، أنهم حاربوا إلى جانب رجال الأسير خلال الصدامات في صيدا.

لكن بلدة عرسال هي التي أشار إليها حزب الله مراراً وتكراراً بأنها البوّابة الأساسية للمتطرّفين الذين يدخلون لبنان من سورية. تمت أقامة ثلاثة أنواع من حواجز التفتيش، نوعَين يديرهما الجيش، ونوعاً ثالثاً يديره مسلّحو حزب الله (في تجسيد بارز للشراكة بينهما). على الرغم من أن حواجز حزب الله اكتسبت سمعة سيئة بسبب مضايقة العابرين وحتى ممارسة العنف معهم، وتمت إزالتها في نهاية المطاف، إلا أن هذه المنظومة حققت بعض النجاح في الوقوف سدّاً منيعاً في وجه الهجمات، فالانتحاريان اللذان نفّذا العمليتين الأخيرتين فجّرا نفسَيهما عند حواجز التفتيش هذه.

المحرّك الأساسي لكل هذه الجهود هو التفويض المطلق الذي أعطته الطبقة السياسية، بما في ذلك قادة الطائفة السنّية، للجيش وحزب الله، بتشجيع من القوى الإقليمية والدولية النافذة، ومنها الولايات المتحدة التي تتشارك، بحسب التقارير، الاستخبارات مع السلطات اللبنانية منذ تموز/يوليو 2013؛ وقد أدّى هذا التعاون على مايبدو دوراً محورياً في توقيف نعيم عباس. يقول رياض قهوجي، مدير مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري: "ماجرى يثبت من جديد أن الوضع الأمني في لبنان مرتبط مباشرةً بالوضع السياسي. كلما تم التوصل إلى اتفاق سياسي، يصبح الوضع الأمني فجأة جيداً جداً".

انطلاقاً مما تقدّم، قد تكون مسارعة نصرالله وقائد الجيش للإعلان بأن "المهمة قد أُنجِزت" سابقة لأوانها، كما يمكن أن تعود بنتائج عكس المتوخّاة. ففي حين أن حزب الله قد ينادي على الملأ بتقدّمه الأخير في منطقة القلمون السورية الواقعة عند الحدود اللبنانية، معتبراً أنه "نصر كبير" في مواجهة "الإرهاب"، لن يؤدّي ذلك سوى إلى تفاقم العداء الذي يشعر به عدد كبير من السنّة اللبنانيين حيال التنظيم الشيعي، والذين مازالوا يرون في قضية الثوار السوريين نضالاً عادلاً ضد الاستبداد. ففيما يُعتبَر السنّة في لبنان معتدلين في الإجمال، من شأن أي تأجيج للعداء المذهبي أن يخدم مآرب الأقلية المتطرفة التي نمت أعدادها ومواردها نتيجة الحرب السورية، ولاسيما بعد تدخّل حزب الله في سورية.

لقد أحجم حزب الله حتى الآن عن إعطاء أي مؤشّر بأنه ينوي الانسحاب قريباً من سورية، ويُعتقَد في الواقع أنه يتطلّع إلى شن هجمات جديدة في حلب ودرعا، مايعني أنه سيظلّ هناك سبب أساسي لانتشار الجهاديين في المستقبل المنظور.

فضلاً عن ذلك، من الممكن أن طرد حزب الله للثوار السوريين، بما في ذلك المقاتلون المرتبطون بتنظيم القاعدة، من القلمون دفَع بهؤلاء نحو عبور الحدود السائبة باتجاه لبنان. وهذا ماتشير إليه التقارير الجديدة التي تتحدّث عن قيام جبهة النصرة بتنفيذ عمليات خطف في عرسال، بعد سلسلة من المناوشات بين مسلّحين سوريين والجيش اللبناني في المنطقة. في هذه الحالة، تكون مشكلة القاعدة في لبنان قد انحسرت لبعض الوقت من دون أن تلقى لها حلاً.

ألكس رويل صحافي مقيم في بيروت يكتب لموقع Now Lebanon ووسائل إعلامية أخرى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.