حاولت الحكومتان الأميركية والمصرية، خلال الشهر الماضي، تجاوز التشنّجات التي طبعت العلاقات الثنائية بينهما منذ انقلاب تموز/يوليو 2013، وذلك عبر إعادة تركيز العلاقات الأميركية-المصرية حول المصالح المتبادلة الملحّة، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب. على الرغم من أن هذه المقاربة تبدو منطقية، يستمر التوتّر لأن تعريف "الإرهاب" يختلف بين الطرفَين. وحتى في الوقت الذي تتعاون فيه الولايات المتحدة مع السلطات المصرية من أجل التصدّي للتهديدات في سيناء وسواها من المناطق الحدودية المصرية، ستظل العلاقة بين البلدَين مشحونة - ومن غير المرجّح أن تتدفّق المساعدات بحرية وسهولة - بسبب إصرار الحكومة المصرية على تصنيف المعارضة السياسية في خانة الإرهاب أيضاً.

تواجه مصر تهديداً إرهابياً حقيقياً وخطيراً داخل شبه جزيرة سيناء التي تشكّل أيضاً منطلقاً للهجمات الإرهابية في أجزاء أخرى من البلاد، ومما لاشك فيه أن التصدّي لهذا التهديد يشكّل أولوية أمنية مشتركة. بحسب مصادر الحكومة المصرية، بلغت حصيلة القتلى في الهجمات الإرهابية منذ اندلاع الانتفاضة في العام 2011، أكثر من 700 شخص في صفوف الجنود والشرطة والمدنيين، مع الإشارة إلى أن حوالي 500 منهم لقوا مصرعهم منذ الانقلاب في تموز/يوليو الماضي. وقد سقط العدد الأكبر من الضحايا في سيناء أو على أيدي أفرقاء يتخذون من سيناء قاعدةً لهم. في معظم الحالات، عندما تنفجر عبوة ناسفة عند قارعة الطريق، وهذا يحدث بصورة شبه يومية، أو تتعرّض آليات الأجهزة الأمنية لإطلاق نار، لاتتبنّى أي جهة المسؤولية؛ فالإرهابيون يتبنّون عادةً التفجيرات الضخمة التي يسقط فيها عدد كبير من الضحايا. المجموعة الأكثر نشاطاً التي تتبنّى هذه الهجمات هي أنصار بيت المقدس، كما أنه التنظيم الوحيد في سيناء الذي يُعلن مسؤوليته عن هجمات خارج شبه الجزيرة.

على الرغم من أن اسم التنظيم، أنصار بيت المقدس، يُشير إلى أن إسرائيل هي المستهدفة، تحوّلت المجموعة، في أقل من ثلاث سنوات على تأسيسها في مطلع العام 2011، من مهاجمة إسرائيل ومحاولة تعطيل العلاقات المصرية-الإسرائيلية إلى التركيز بطريقة شبه حصرية على حربها ضد الجيش المصري، لاسيما منذ صيف 2013. وقد تبنّت عمليات عدة بدءاً من الهجمات بالصواريخ على إسرائيل مروراً بالتفجيرات في شمال سيناء وجنوبها وصولاً إلى محاولة اغتيال وزير الداخلية المصري محمد ابراهيم في 5 أيلول/سبتمبر الماضي والهجمات على الشرطة ومديريات الأمن في محافظات القاهرة والدقهلية والإسماعيلية والشرقية. وفي 25 كانون الثاني/يناير الماضي، أسقطت جماعة أنصار بيت المقدس مروحية تابعة للجيش المصري في سيناء بواسطة صاروخ أرض-جو محمول على الكتف؛ وفي 16 شباط/فبراير الماضي، نفّذ التنظيم هجوماً انتحارياً استهدف حافلة تقلّ سياحاً كوريين في طابا، في أول اعتداء مباشر على السياح منذ انتفاضة 2011. 

على الرغم من طموحات أنصار بيت المقدس ودعمهم لفكر تنظيم القاعدة، لاتربطهم أية صلات رسمية بالقاعدة، ولاتشكّل هذه المجموعة التي تتخذ من سيناء قاعدة لها تهديداً مباشراً لأمن الولايات المتحدة. لكن نظراً إلى أن أنصار بيت المقدس تنظيم جهادي يتمركز في الأراضي الحدودية بين دولتَين حليفتَين للولايات المتحدة ويشنّ هجمات ضدهما، فهو يشكّل تهديداً مباشراً لثلاث مصالح مرتبطة بالأمن القومي الأميركي: الاستقرار المصري، والأمن الإسرائيلي، والحفاظ على الهدوء عند الحدود بين الدولتَين. وقد صنّفت وزارة الخارجية الأميركية جماعة أنصار بيت المقدس في خانة التنظيمات الإرهابية في 9 نيسان/أبريل 2014.

خلال الأشهر القليلة الماضية، حقّقت القوات المسلحة المصرية نجاحاً أكبر في التصدّي للتهديد القادم من سيناء عبر تطبيق إجراءات أمنية مشدّدة في شبه الجزيرة. عندما أسقطت جماعة أنصار بيت المقدس المروحية العسكرية في كانون الثاني/يناير الماضي، ثم شنّت الهجوم على حافلة السياح في شباط/فبراير، بدا وكأنه من المستحيل وضع حد لزخم العمليات التصاعدية التي يشنّها التنظيم. إلا أن هذه الهجمات سمحت للقوات المسلحة المصرية بتركيز جهودها. فإصرار الحكومة المصرية على أن جماعة الإخوان المسلمين تقف خلف الهجمات التي يشنّها أنصار بيت المقدس - فضلاً عن أن الإخوان كانوا يشكّلون خصماً سياسياً وجودياً - دفع بالقوى الأمنية إلى التركيز على الإخوان أكثر منه على أنصار بيت المقدس. لكن في الأسابيع التي تلت إسقاط المروحية، قصف الجيش المصري، بواسطة مروحيات أباتشي، مواقع يُشتبَه بأن الجهاديين يختبئون فيها خارج مدن العريش ورفح والشيخ زويد شمال سيناء. من الناحية العملانية، كان استخدام المروحيات في هذه الهجمات الطريقة الأكثر فعالية - وعشوائية - للقضاء على الجهاديين، لكنه كان مؤشراً واضحاً أيضاً بأن هجوماً واحداً بواسطة صاروخ أرض-جو لايكفي لتعطيل تفوُّق الجيش في القوة النارية على الأرض.

حتى خلال تعليق المساعدات الأميركية بين تشرين الأول/أكتوبر ونيسان/أبريل الماضي بسبب حملات التضييق الشديد على الإخوان المسلمين وسواهم من الناشطين السياسيين، تابع الجيش المصري هجومه في سيناء. تُفضّل مصر عدم الكشف على الملأ عن تعاونها مع إسرائيل، بيد أنهما تنسّقان معاً عمليات الجيش المصري في سيناء منذ العام 2011. وكذلك يتباحث المسؤولون الأميركيون باستمرار مع نظرائهم المصريين حول سبل معالجة التهديد في سيناء. وعمليات الجيش المصري في سيناء هي أيضاً من مصلحة الولايات المتحدة، وقد نوّهت الحكومة الأميركية بتكثيف السلطات المصرية جهودها في هذا الإطار. وأتى المسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية على ذكر هذه العمليات - فضلاً عن الإقرار بالتهديد المشترك الذي يمثّله تنظيم أنصار بيت المقدس - لدى الإعلان في نيسان/أبريل الماضي عن قرار إرسال عشر مروحيات أباتشي جديدة إلى مصر.

فيما تركّز القوات المسلحة والشرطة على التهديد الإرهابي في سيناء، أكثر من أي وقت مضى منذ اندلاع الانتفاضة في العام 2011، استتبّ الهدوء إلى حد كبير في شبه الجزيرة، على الأقل في الوقت الحالي. لكن وفي حين نجحت القوات المسلحة في كبح الهجمات الكبرى التي تنطلق من سيناء، سُجِّل ارتفاع في أعداد الهجمات الصغيرة، التي لاعلاقة لها على الإطلاق بالمجموعات المتمركزة في سيناء، والتي تستهدف دوريات للشرطة وحواجز تفتيش وأفراداً في المدن المصرية، وتُنفَّذ رداً على ممارسات الشرطة التعسّفية، كما توصَف، منذ عزل مرسي. هذه الهجمات هي أيضاً أعمال إرهابية، ولايجوز الصفح عن مثل هذه الممارسات العنيفة أو تبريرها؛ لكن الولايات المتحدة ترى أن النزاع السياسي الراهن في مصر - والقمع الذي تمارسه السلطات المصرية بحق المعارضة السياسية السلمية - يزيد من حدة المخاطر التي تحدق بالبلاد جرّاء التهديد الإرهابي.

تعتبر الحكومة الأميركية أن عدداً كبيراً من السياسات التي تنتهجها الحكومة المصرية المؤقتة خطير ومقلق، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكثير من الأحكام الصادرة عن القضاء المصري. توافق واشنطن على أن مرسي لم يكن رئيساً فعّالاً ولا جامعاً، لكنها غير مقتنعة بالرواية المصرية بأن الإخوان المسلمين هم العقل المدبّر للإرهاب في مصر. فقد ورد في تقرير وزارة الحارجية الأميركية عن "الإرهاب في دول العالم" للعام 2013 الذي صدر مؤخراً، أن الحكومة المصرية "لم تقدّم أية أدلّة تثبت أن الإخوان المسلمين ضالعون مباشرة في الهجمات الإرهابية التي أعقبت عزل الرئيس محمد مرسي". واقع الحال هو أن المسؤولين الأميركيين سئموا من سماع نظرائهم المصريين يردّدون هذا الكلام بدلاً من التركيز على التهديدات الإرهابية الحقيقية القادمة من سيناء وليبيا.

إذن، عبر توسيع مصر "حربها على الإرهاب" لتتحول إلى "حرب على المعارضة السياسية"، تخسر الدعم الأميركي لمكافحة الإرهاب في الداخل المصري. فعلى صعيد التجهيزات، تتردّد الولايات المتحدة في إرسال معدّات من شأنها المساعدة على مكافحة الإرهاب، خوفاً من استخدامها لاستهداف المعارضين السياسيين أيضاً. خلاصة القول أن التعاون الأميركي-المصري في مكافحة الإرهاب في سيناء، وعلى الرغم مما قد يعترضه من عراقيل بسبب الخلافات الحالية، يمكن أن يستمر، وسوف يستمر على الأرجح سواء سلكت مصر مساراً ديمقراطياً أم لم تفعل، والسبب هو أن الأمن في شبه جزيرة سيناء يشكّل مصلحة مشتركة للدولتَين. إلا أنه من شأن الولايات المتحدة أن تزيد إلى حد كبير مساعداتها لمصر في مجال مكافحة الإرهاب في حال توقّفت السلطات المصرية عن التضييق على المعارضة السياسية.

زاك غولد محلل مقيم في واشنطن، ومؤلف الورقة البحثية "الأمن في سيناء: الحاضر والمستقبل" الصادرة عن المركز الدولي لمكافحة الإرهاب-لاهاي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.