نال الموقف المصري الرسمي من الصراع في قطاع غزة الكثير من النقد من الدوائر الداعمة للقضية الفلسطينية عموماً، ولحركة «حماس» خصوصاً، وقد وصل الأمر إلى حد توجيه الاتهام للحكومة المصرية بالمشاركة في حصار القطاع، وفي لعب دور الوسيط بغية إضعاف وربما القضاء على «حماس» إن أمكن باعتبارها جناحاً من أجنحة «الإخوان المسلمين»، وترجم هذا الصراع المكتوم بين مصر و»حماس» إلى موقف فعلي برفض الحركة الإسلامية المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار، ومحاولة إدخال قطر وتركيا ليلعبا دوراً ما في التفاوض، وهو الأمر الذي قوبل بإصرار الحكومة المصرية على محتوى مبادرتها من دون تغيير مع تكثيف الخطاب الإعلامي الموجه ضد «حماس».

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

يخطئ من يتصور أن الموقف المصري من «حماس» وغزة هو وليد الأزمة الداخلية في مصر منذ الإطاحة بحكم «الإخوان»، إذ أنه على رغم تصاعد التوتر مع «حماس» على خلفية تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية في شمال سيناء والتدمير غير المسبوق للأنفاق الواصلة بين سيناء وقطاع غزة، والتي تعتبر بحق المصدر الرئيسي لإعاشة القطاع ولإدارة اقتصاده، إلا أن موقف مصر الرافض لتغيير طبيعة معبر رفح من معبر للأفراد إلى معبر للبضائع، ومن ثم لعب دور اقتصادي مباشر في توفير السلع والبضائع لسكان القطاع المحاصر، هو ثابت من ثوابت السياسة المصرية منذ الانسحاب الأحادي من قبل إسرائيل في ٢٠٠٥، وبعد استيلاء «حماس» على القطاع في ٢٠٠٧، فالحكومات المصرية المتعاقبة طالما أعلنت خشيتها من أن يكون الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وفرض الحصار جواً وبحراً وبراً على القطاع، محاولة لتصدير عبء إعاشة ـ ثم إدارة ـ القطاع إلى مصر في إطار مساعي إسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية. وقد كان هذا مثار قلق مصري منذ عهد حسني مبارك محركه الرئيسي هو إدراك القاهرة عدم قدرتها لا اقتصادياً ولا أمنياً ولا مؤسسياً على السيطرة بإحكام على المناطق البعيدة عن الوادي بما في ذلك شمال سيناء، وأن دخول غزة بشكل أو بآخر في فلك الإدارة المصرية المباشرة أو غير المباشرة لن يعني سوى تصدير الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى مصر ولو جزئياً من الناحية الفعلية.

بيد أنه مع ثبات الموقف المصري الرسمي في اعتبار غزة منطقة محتلة، وفي تحميل إسرائيل من ثم أعباء إعاشة سكان القطاع، واقتصار معبر رفح على تنقل الأفراد الفلسطينيين مع وجود تضييق أمني وإداري مستمر، لم يحل دون تسامح نظام مبارك مع شبكة الأنفاق المتشعبة والممتدة بين سيناء وغزة، والتي كان يتم من خلالها تهريب سلع وبضائع لازمة لسكان القطاع، بجانب إمدادات مختلفة كانت تصل لتسليح حركة «حماس»، وغيرها من الفصائل الفلسطينية، ونجمت عن هذا الاقتصاد غير الرسمي وغير المعلن مصالح متشابكة تقدر بمئات الملايين من الدولارات سنوياً تضم شبكات من التجار والمهربين على جانبي الحدود. على أن هذا التسامح الفعلي مع الأنفاق المؤدية لغزة انتهى مع انفلات الأوضاع في شمال سيناء بخاصة بعد كانون الثاني (يناير) ٢٠١١، وبالأخص في السنتين الأخيرتين، ما دفع الجيش المصري إلى استهداف الأنفاق بشكل ممنهج بغية تدميرها وإيقاف حركة الانتقال غير الرسمي بين غزة وشمال سيناء، وقد تسارعت هذه الوتيرة بعد الإطاحة بمرسي، وتزايد الهجمات ضد القوات المصرية من جانب تنظيمات إرهابية يشاع أنها تحصل على التدريب والتسليح من قطاع غزة.

ومع تصاعد مطالب الفصائل الفلسطينية ـ ومعها سلطة رام الله ـ برفع الحصار كجزء من أي اتفاق تهدئة مع إسرائيل، فإن السلطات المصرية ما فتئت تؤكد أن معبر رفح خارج أي ترتيب لرفع الحصار عن القطاع، وأن مصر لن تكون طرفاً مباشراً في إعاشة سكان القطاع بما أن العبء كله يقع على إسرائيل كونها قوة الاحتلال. يضاف الى هذا أن الحكومة المصرية قابلت هذه المطالب الفلسطينية بالكثير من الفتور في أعقاب رفض المبادرة المصرية قبل أسبوعين، وتجاهلت هذه المطالب بشكل يكاد يكون كاملاً، رغم أن من الصعب الوقوف على أي مصلحة تتحقق لمصر من إدامة الحصار على غزة، بل إن الموقف المصري التقليدي كان دائماً ما يريد تحميل مسؤولية القطاع لإسرائيل، ولا شك أن إلقاء مصر لوزنها كوسيط تقبله إسرائيل لتخفيف الحصار، وإحياء اتفاق ٢٠٠٥ الخاص بالمعابر، يصب في صالح الموقف المصري من إعادة السلطة الفلسطينية إلى القطاع باعتبارها الطرف الأصيل في اتفاق المعابر، وفي إيجاد حل للحصار الخانق على القطاع من خلال إسرائيل وليس من خلال مصر، بخاصة مع إغلاق الأنفاق بين سيناء وغزة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة.