درج المسئولون فى مصر فى السنوات الأخيرة على الحديث عن دمج القطاع غير الرسمى، ويكون هذا عادة إما فى إطار الحديث عن التسجيل القانونى للأنشطة الاقتصادية والمنشآت التى تعمل بلا ترخيص، وإما عن توسيع القاعدة الضريبية بضم الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، ويعرف القطاع غير الرسمى بأنه إجمالى قيمة الأنشطة الاقتصادية التى تجرى بمعزل عن التسجيل القانونى لدى الدولة، أى أن القطاع غير الرسمى هو مجمل الأنشطة الاقتصادية التى تغيب عن نظر الدولة ولا تظهر فى سجلاتها ولا تخضع من ثم لا لتنظيمها ولا لرقابتها ولا لتحصيل الضرائب، وقد قيم الاقتصادى البارز فريدريك شنايدر نصيب مثل هذه الأنشطة غير المسجلة أو غير الرسمية فى إجمالى الناتج المحلى المصرى فى دراسة له صدرت فى ٢٠٠٧ بما يتراوح بين ٤٠ إلى ٦٠ ٪، وهو ما يعنى أن الأنشطة غير الرسمية هى صاحبة النصيب الأكبر من توليد الدخل فى مصر.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

تفتح هذه الحقائق الإحصائية شهية بعض المسئولين للحديث عن ضرورة تحصيل الضرائب على هذه الأنشطة، كما تفتح باب النقد من جانب أولئك الذين يرون الدولة فى مصر ضعيفة ومترهلة وغير قادرة على ضبط أو تنظيم الجزء الأكبر من الاقتصاد الوطنى، ويتبادر للأذهان على الفور عند الحديث عن القطاع غير الرسمى الباعة المتجولين فى الطرق والميادين وأصحاب الفرشات على الأرصفة والمنادين والتباعين فى الميكروباصات، وعربات الأكل الشعبى من فول وفلافل وكبده ومكرونة وغيرها من الأنشطة متناهية الصغر، والتى يعمل بها مئات الآلاف بل والملايين من فقراء المدينة ناهيك عن أنشطة ذات طابع اقتصادى تجرى داخل المنازل ولا حصر لها كتربية الدواجن والحيوانات، كما يتبادر للذهن مصانع "بير السلم" والمطابخ غير المرخص لها فى المنازل، والتى تنتج سلعا وموادا تطرح فى السوق وتحقق عائدا أو ربحا، فهل هذا هو القطاع غير الرسمى الذى يشكل ٤٠ إلى ٦٠٪ من الناتج المحلى الإجمالى فى مصر؟

والإجابة القاطعة هى لا إذ أن القطاع غير الرسمى المحتسب فى دراسة شنايدر وغيرها من الدراسات الإحصائية والاقتصادية لا يعنى فحسب المنشآت أو الأنشطة غير المسجلة أو غير المرخص بها أو متناهية الصغر والتى تجرى على هامش العلاقات الأسرية أو علاقات الجيرة كطبخ الطعام أو تقشير الخضراوات والبطاطس إنما يقصد بها إجمالى القيم الاقتصادية لعمليات تجرى بدون أن تسجلها الدولة رغم وجوب هذا قانونا، حتى ولو كانت هذه العمليات الاقتصادية تصدر عن منشآت مسجلة ولها سجلات صناعية وتجارية وتنعم بالتراخيص المطلوبة وتحتفظ ببطاقات ضريبية فعلى سبيل المثال التهرب الضريبى جزء من الاقتصاد غير الرسمى وهنا يجب أن نتخلى عن لفظة القطاع غير الرسمى لأنه ليس قطاعا منفصلا عن القطاع الرسمى بل هو نمط معين من الممارسات الاقتصادية لأن التهرب الضريبى يستند إلى إخفاء عمليات اقتصادية وقيم من شركات عن سجلات الدولة.

وينضم للتهرب الضريبى العمالة غير الرسمية فى الاقتصاد المصرى، والتى تشمل كل العاملين بغير عقود رسمية ولا تأمينات، ويشكلون ما يقرب من ٦٠٪ من إجمالى العاملين فى مصر على أقل تقدير، وهؤلاء العاملون قد يكونون موظفين لدى شركات مسجلة كما هو الحال فى قطاع البناء والتشييد والذى تمثل العمالة غير الرسمية ٩٠٪ من الإجمالى ولكن عمل هؤلاء والأجور التى يتلقونها لا يتم تسجيلها كما أن اشتراكاتهم واشتراكات أرباب عملهم لا تدفع للتأمينات ما يضم هؤلاء للاقتصاد غير الرسمى حتى ولو كانوا يعملون لدى شركات مسجلة قانونيا لدى الدولة. وكذا الحال مع كافة التعاملات التى قد تقوم بها كيانات اقتصادية مسجلة قانونا ولكن بلا عقود رسمية يتمخض عنها قيم اقتصادية لا يتم تسجيلها لدى الدولة بأى حال من الأحوال كالحال مع المحال التجارية التى تبيع جزءا من بضاعتها من خلال باعة متجولين أو أصحاب فرشات غير مسجلين أو التى تبيع بضائعها بدون فواتير بغية التهرب الضريبى.

إذن فإن القطاع غير الرسمى ليس قطاعا بالمعنى الذى يوحى بأنه موجود بمعزل عن ما يمكن اعتباره القطاع الرسمى بل إن العلاقة بينهما أكثر سيولة وأشد تداخلا بكثير على نحو لا يجعل كلمة قطاع غير رسمى ذات معنى واضح، ولذا يفضل استخدام "الاقتصاد غير الرسمي" فى المقابل للدلالة على الأنشطة والمعاملات والقيم الاقتصادية التى تغيب عن التسجيل طبقا للقانون، ومن هنا فإن اختزال دمج ما يسمى بالقطاع غير الرسمى فى عملية تسجيل المنشآت والأنشطة غير الرسمية هو أمر غير سليم، ويقصر المنظور على أنشطة اقتصادية هى فى حقيقتها منخفضة الإنتاجية (كحال الباعة المتجولين على سبيل المثال) وغالبا ما تكون أنشطة محدودة القيمة يمارسها فقراء المدينة والريف بغرض كسب قوت اليوم بما لا يجعلها مادة للتحصيل الضريبى حقا.

إن علاج مشكلة الاقتصاد غير الرسمى يتطلب إذن الذهاب إلى ما وراء تبسيط إجراءات التسجيل وإصدار التراخيص إلى حصر جوانب السياسات المختلفة التى تشهد حضورا كثيفا للاقتصاد غير الرسمى خاصة مجال الضرائب (التهرب الضريبي) ومجال العمل (العمالة غير المسجلة وغير المنتظمة). وهى مسائل قد لا تكون مترابطة تحت مظلة واحدة ولكنها فى المجمل ضرورية لأى نهوض اقتصادى مستقبلى فلا سبيل للحديث عن الاستثمار فى مهارات العاملين وتعليمهم وتدريبهم مع غلبة علاقات غير مسجلة عادة ما تكون قصيرة الأجل وخالية من أى درجة من الأمان الوظيفى، وهو ما يخلق دائرة مفرغة من العمالة غير الماهرة ضعيفة الإنتاجية التى تنخرط فى أعمال لا تتطلب إلا مهارات قليلة فى ظل غياب الأمان الوظيفى والأجر المنخفض، وكذا الحال مع التهرب الضريبى، وإخضاع القاعدة الأعرض من القطاع الخاص المسجل والرسمى للتحصيل الضريبى.

تم نشر هذا المقال في الشروق.