تمتّعت الطائفة السنّية في لبنان بالنفوذ منذ نهاية الحرب اللبنانية في العام 1990 من خلال سلطة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، إلا أنها بعد اغتياله في العام 2005، أصبحت من دون زعيم وسند قوي، وهي تشهد تدريجيّاً إقصاءها من السلطة السياسية.

كان اغتيال الحريري مؤشّراً على تراجع سلطة السنّة داخل نظام تقاسم السلطة اللبناني المعقّد.

ماريو أبو زيد
أبو زيد هو محلّل أبحاث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث يتركّز عمله على التطورات السياسية في لبنان وسورية والعراق وإيران.
More >

فشلت محاولات زعماء سنّة معتدلين في السير على خطى رئيس الوزراء الراحل، وخاصة نجله رئيس الوزراء السابق سعد الحريري. وفي سياق السعي إلى ملء هذا الفراغ في القيادة، بدأت شخصيات إسلامية متطرّفة في الظهور، محاولةً دفع قيادة الطائفة السنّية نحو خيار التطرّف. لكن السنّة اللبنانيين، وهم يُعَدّون تاريخيّاً من بين أكثر الطوائف اعتدالاً في الشرق الأوسط والعالم العربي، حافظوا على مبدئهم.

لم تنبثق الجذور التاريخية للتطرّف السنّي من السياق الاجتماعي-السياسي والديني اللبناني. لذلك، وعلى الرغم من الغضب الناجم عن اغتيال الحريري ومساعي الشخصيات السلفية إلى جذب أفراد الطائفة السنّية، بقي غالبية اللبنانيين السنّة في أعقاب اغتيال الحريري متمسّكين بالميثاق الوطني اللبناني الذي صيغ في العام 1943، وعبّروا عن خسائرهم من خلال المعارضة والرفض السياسيَّين عوضاً عن اللجوء إلى التطرّف. لكن حتى الآن، لم يتم بعد ملء فراغ القيادة السنّية في لبنان.

اتفاق الطائف

أدّى رفيق الحريري، الذي كان رجل أعمال سنيّاً واسع الثراء، دوراً بارزاً في صياغة اتفاق الطائف في العام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. ثم ترأس خمس حكومات، وأعاد إحياء الاقتصاد الوطني، ونُسِب إليه الفضل في إعادة إعمار العاصمة بيروت. إذ قدّم الحريري مشروع إعادة الإعمار بعد 15 عاماً من حرب أهلية مدمرة، وأصبح رمزاً للازدهار الاقتصادي، والتعليم، وتوحيد الطائفة السنّية في لبنان. كما نُظِر إليه على أنه الزعيم السنّي اللبناني من دون منازع.

لكن، بفضل قدرته المؤسّسية، لم ينجح الحريري في الجمع بين السنّة وحسب، بل أيضاً بين كل عناصر المجتمع اللبناني بعد حرب أهلية طويلة وتقسيمية. وفي هذا السياق، وافق على وجود القوات السورية في لبنان جزئيّاً لأن وجودها كان يحظى بدعم محلّي كبير. مع ذلك، وفي ظل أصداء الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000، انضمّ الحريري إلى المجموعات المُطالِبة بانسحاب القوات السورية من لبنان وبوقف هيمنتها على السياسة والاقتصاد اللبنانيَّين.

خلال الاحتلال الإسرائيلي، تعاطفت الطائفة السنّية في لبنان مع حزب الله الشيعي شبه العسكري باعتباره حركة مقاومة تُحارِب الاحتلال. وبما أن حزب الله حليف سورية، فقد ازداد نفوذه من خلال الوصاية السياسية السورية في تلك المرحلة. لكن بعد انتهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية الجنوبية غير المُتنازَع عليها، بدأ الحريري بالتشكيك في دور حزب الله وسلاحه.

تَبِع السنّة خطاب زعيمهم، فانضمّوا إلى سائر الفصائل اللبنانية مُطالبين حزب الله بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، إلا أنه لم يفعل ذلك. وبعد اغتيال الحريري، بلغ الاستياء من النظام السوري وحزب الله مستوًى غير مسبوق.
في العام 2008، وقعت اشتباكات في بيروت بين مناصري تيار المستقبل السنّي بقيادة سعد الحريري وبين مقاتلي حزب الله، على خلفية قرارات حكومية قضت بتفكيك شبكة اتصالات حزب الله غير القانونية. وقد انتهت الاشتباكات بسيطرة حزب الله على العاصمة، وأفضت في نهاية المطاف إلى اتفاق الدوحة الذي أعطى حزب الله حق الثلث المعطّل في الحكومة التي كان يرأسها سعد الحريري، الأمر الذي ترك المؤسسة السياسية السنّية متشظّيةً تماماً.
شكّل تعيين سعد الحريري رئيساً لحكومة الوحدة الوطنية في العام 2009 جزءاً من محاولة حزب الله احتواء الغضب السنّي الناشئ.

مع ذلك، بعد أن اتهمت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي شكّلتها الأمم المتحدة للتحقيق في اغتيال الحريري، رسميّاً في العام 2011 أربعةً من كبار قادة حزب الله بتنفيذ الاغتيال، تغيّرت الأمور إلى حدٍّ كبير. إذ ردّ حزب الله بإسقاط حكومة سعد الحريري وتشكيل حكومة مؤيّدة له ترأسها شخصية مؤيّدة لسورية، وهي خصم الحريري السنّي نجيب ميقاتي. عقب ذلك، غادر سعد الحريري البلاد، فأُخرجَت القيادة المعتدلة، التي كانت تحظى بدعم سنّي بارز، من السلطة السياسية. وفي غياب رفيق الحريري الذي كان يمثّل شخصية وسطية، شكّل رحيل سعد الحريري نقطة تحوّلٍ في تنامي النفور الشديد للطائفة السنّية إزاء حزب الله، المجموعة الشيعية المدعومة من إيران. كما شرّع ذلك الأبواب أمام الجماعات السنّية المتطرّفة التي كانت مهمَّشةً من الساحة السياسية في عهد رفيق الحريري.

بيد أن أفعال حزب الله تجاه النخبة السياسية اللبنانية السنّية لم تؤدِّ إلى تطرّف ديني كبير في الطائفة السنّية. عوضاً عن ذلك، جرى التعبير عن الاستياء الشعبي من خلال المعارضة السياسية.

السلفيون والمتطرّفون السنّة المحليون

استخدمت جماعات متطرّفة، مثل حركة الشيخ السنّي أحمد الأسير في صيدا، أفعال حزب الله أساساً لرسالتها الإيديولوجية والسياسية، كما دَعَت إلى تسلّح السنّة لموازنة قوة حزب الله ومواجهة هيمنته.

اتّبعت قيادة الحركة السلفية في طرابلس أيضاً السبيل نفسه، غير أن أياً من تلك الحركات لم يفلح في جذب غالبية اللبنانيين السنّة. ولم تستطع هذه الجماعات المتطرّفة، على الرغم من محاولاتها لتضخيم حجمها، في تعبئة الطائفة السنّية اللبنانية للاصطفاف خلفها.

بدلاً من ذلك، دعم السنّة الحكومة عموماً في معركتها ضد هؤلاء المتطرّفين. وإذ لم تستطع العديد من الحركات المتطرّفة الناشئة الحصول على التأييد الشعبي الضروري، تفكّكت بعد الاشتباك مع الجيش اللبناني في عبرا في جنوب لبنان، وفي طرابلس. فأُعلِن أن الشيخ الأسير فارّ من وجه العدالة، وقُبِض على عدد من المقاتلين الإسلاميين المتطرّفين ووُضِعوا في السجن.

نتيجة لذلك، فشل السلفيون والمتطرّفون السنّة المحليون في استبدال القيادة السنّية المعتدلة في لبنان أو اكتساب الدعم الشعبي على الصعيد الوطني.

لكن في غياب أي بديل واضح عن رفيق الحريري، تشهد الطائفة السنّية فراغاً كبيراً في السلطة.

مع أن ثمة حكومة في البلاد يرأسها رئيس الوزراء تمام سلام، إلا أن هذا الأخير لايتمتّع بالدعم الشعبي الواسع الذي تحتاج إليه أي نخبة سياسية لتكون فعّالة على مستوى صنع القرار. وهذا الأمر يؤثّر على السنّة مباشرةً لأن المنصب الإداري السنّي الأعلى في نظام الحكم اللبناني هو منصب رئيس الوزراء.

يواجه لبنان اليوم تحديات عدة، أكثرها حدّةً تداعيات الصراع السوري. فالبلاد تعاني جرّاء العدد المفرط للاجئين السوريين الذين يدخلون لبنان، وجرّاء تدخّل حزب الله المتواصل في الصراع السوري، والذي أجّج التوتر الشيعي-السنّي. إلا أن الحكومة اللبنانية كانت متردّدةً في تعاطيها مع الأزمة.

كان رفيق الحريري المتحاور الأساسي في لبنان مع المجتمع الدولي. ففي الأزمات الملحّة كهذه الأزمة، كانت لرئيس الوزراء السابق روابط وثيقة في عواصم صنع القرار في العالم، الأمر الذي أتاح له تجنيد وتوليد دعم المانحين الدوليين للمؤسسات وقواعد الناخبين في لبنان. في غيابه، يفتقر لبنان إلى الروابط الدولية التي يحتاج إليها لتوليد الدعم للحكومة اللبنانية. فضلاً عن ذلك، إن المجتمعات المحلية السنّية الفقيرة في المناطق الريفية، التي تعتمد على مساعدات المانحين، تتأثّر بغيابه بشكل بارز أكثر الآن وهي في أمسّ الحاجة إلى المساعدات، نظراً إلى أن مناطقها هي أماكن تواجد اللاجئين السوريين الرئيسة في لبنان. هذا ويبدو غياب التأثير المهدّئ للحريري على العلاقات بين مختلف الطوائف اللبنانية محسوساً للغاية أيضاً.

لايمكن معالجة استياء السنّة وشعورهم بالإقصاء في أرجاء المنطقة في غياب قادة سنّة معتدلين. في لبنان، غابت مثل هذه القيادة منذ غياب رئيس الوزراء الراحل، الأمر الذي جعل الطائفة السنّية في لبنان ضعيفةً في المعادلة السياسية اللبنانية.

نُشِر هذا المقال أصلاً باللغة الإنكليزية على موقع العربية الإنكليزية.