كلل مؤتمر شرم الشيخ بالكثير من النجاح على المستويين السياسى والتنظيمى، وحقق حصيلة من الاستثمارات المتعاقد عليها فى السنوات القادمة. وقد يكون من المبكر الحكم على الأثر الاقتصادى للمؤتمر فى ضوء الحاجة للمزيد من التفاصيل حول التوزيع القطاعى لرءوس الأموال المتعهد باستثمارها، وعلى الجداول الزمنية لتلك التدفقات الرأسمالية بما يسهم بشكل فعال فى التعافى الاقتصادى وسد العجز فى ميزان المدفوعات وإعادة بناء الاحتياطيات النقدية الأجنبية لدى المركزى، وهى المشكلات المالية والاقتصادية التى أصبحت شديد الضغط على فرص النمو والتشغيل فى الاقتصاد المصرى خاصة فى ظل سنوات الاضطراب السياسى التى تلت ثورة يناير.

على أن السؤال الكبير اليوم ليس نجاح مؤتمر شرم الشيخ فى الإتيان بالاستثمارات الأجنبية المطلوبة بما لها من أثر بل يكمن بالأساس فى تحديد أولويات السياسات العامة فى مصر، وإجابة القيادة السياسية والفريق الاقتصادى بالوزارة على ما الذى يحتاجه الاقتصاد المصرى اليوم فى خضم تعاظم التحديات الاجتماعية والحاجة الماسة ـ لأسباب سياسية تتعلق بالاستقرار ـ لإنشاء نموذج اقتصادى يحقق التنمية ويتسم بحد أدنى من العدالة والقدرة على استيعاب شرائح أكبر من المجتمع المصرى وشمولها بتحسن فى مستويات المعيشة وفى نصيبها من الدخل القومى. إن هذه الأولويات تمس هيكل أو بنية النموذج الاقتصادى ومحتوى السياسات العامة المختلفة وتتجاوز قطعا الهموم الخاصة بتمويل عجز الموازنة وإعادة بناء الاحتياطيات النقدية وإطلاق النمو الاقتصادى ورفع معدلات التشغيل، إذ إن هذه القضايا على أهميتها القصوى إلا أنها مسائل بحكم طبيعتها قصيرة إلى متوسطة الأجل، ولا تتصل بالجوانب الاقتصادية الاجتماعية لنموذج التنمية والماسة بالإنتاج والتوزيع وإعادة التوزيع للدخل والثروة.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

لسنا بحاجة للتذكير بأن المؤشرات الكلية للاقتصاد المصرى كانت إيجابية فى سنوات مبارك الأخيرة من حيث معدلات النمو أو التشغيل أو جذب الاستثمارات الأجنبية أو الاحتياطيات النقدية ووضع ميزان المدفوعات، وعلى الرغم من تضخم الدين العام وقتها إلا أنه كان فى أغلبه محليا وكان تحت السيطرة بشكل عام ولم يحل دون تسجيل معدلات نمو مرتفعة قدرت بنحو ٦٪، وجذب رءوس أموال أجنبية تجاوزت المليارات العشرة فى ٢٠٠٨، وتوسع فى الصادرات غير البترولية بمعدل سنوى اقترب من ٢٠٪ بين ٢٠٠٤ و٢٠١٠. وعلى الرغم من هذا كله فإن النموذج الاقتصادى لم يتمكن من خلق فرص عمل ذات جودة مرتفعة تكفل أجورا كريمة للقطاع الأكبر من المواطنين فى سن العمل، بل كان النمو الأكبر فى القطاع غير الرسمى حيث لا يتمتع العاملون بالحد الأدنى من الأمان الوظيفى ويحصلون على أجور منخفضة وينخرطون فى أعمال تمتاز بالإنتاجية المحدودة والأنشطة الهامشية ذات القيمة المضافة المنخفضة.

إن النموذج الاقتصادى المصرى الذى تم تصميمه والعمل به مع مطلع الألفية الجديدة بمساعدة البنك الدولى وصندوق النقد والمؤسسات المالية العالمية يعانى من مشكلات هيكلية تمس وظيفته الاجتماعية وتؤثر بالسلب على التماسك الاجتماعى والشعور بالعدالة ومن ثم على الاستقرار السياسى، واختزال مشكلات البلاد اليوم فى العجز فى الموازنة والدين العام والاحتياطى النقدى ورفع معدل النمو يعنى بشكل عملى أن الهدف هو العودة لسنة ٢٠١٠، وكأن ذاك النموذج كان ناجحا أو حتى قابلا للاستمرار.

إن الحكومة مطالبة بوضع وتنفيذ تصورات بعيدة الأمد تعالج قضايا أساسية يمكن اختزالها فى أبعاد ثلاثة: أولا: جانب الإنتاج إذ إن الناتج المحلى الإجمالى المصرى لم يسجل معدلات نمو مرتفعة بشكل مستدام فى العقود الأربعة الماضية، بل كان عرضة لدورات من النمو المرتفع تتلوها دورات أطول من الركود ومعدلات نمو أقل من معدل الزيادة السكانية، ولا سبيل للحديث عن التنمية إلا برفع معدل النمو بشكل مستدام ومستمر، وذلك لأنه لا تنمية بلا نمو وإن وجد نمو بلا تنمية كسنوات مبارك الأخيرة.

ثانيا: التوزيع بمعنى أنصبة عناصر الإنتاج المختلفة فى الناتج، وخاصة قضية الأجور، والتى تتصل اتصالا حاسما بإنتاجية العاملين من ناحية، والوضع القانونى لهم والحماية الاجتماعية التى من المفترض أن يتمتعوا بها من ناحية أخرى، وقد عانى الاقتصاد المصرى فى العقود الأربعة الماضية من تركز النمو الاقتصادى فى قطاعات كثيفة رأس المال لا تقوم على توفير فرص عمل كثيرة فيما ظلت القطاعات كثيفة العمالة تعانى من انخفاض الإنتاجية وتراجع معدلات الاستثمار، ويقودنا هذا إلى التركيب القطاعى لاستراتيجة التنمية فى مصر والذى لا يبدو أنه تغير كثيرا فى مؤتمر شرم الشيخ إذ تظل أغلبية الاستثمارات المتعهد بها فى قطاعات كثيفة رأس المال كالبترول والغاز الطبيعى، الذى كان يستوعب تقليديا نحو ثلثى الاستثمار الأجنبى المباشر فى مصر فى العقود الماضية.

ثالثا: قضية إعادة التوزيع والتى تمس دور الدولة فى إعادة توزيع الدخل والثروة بما يخدم الأهداف الاقتصادية المتعلقة بزيادة الإنتاجية والناتج، وأهداف اجتماعية كتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية وتوزيع الفرص المتكافئ، وبما يلقى بظلال كثيفة على قدرة النظام السياسى على استيعاب الصراع الاجتماعى وإدارته بكفاءة، وتبرز قضية إعادة التوزيع فى ملفى الإنفاق العام خاصة على التنمية الإنسانية فى الرعاية الصحية والتعليم والتدريب المهنى والحماية الاجتماعية، وهى مفتاح رفع إنتاجية العامل المصرى ومن ثم زيادة نصيبه من الأجر وتدعيم قدرة الاقتصاد المصرى على المنافسة، وملف الضرائب والذى يمس القدرة المالية للدولة على توفير الخدمات العامة ذات العائد الاقتصادى والاجتماعى كالرعاية الصحية والتعليم والتدريب.

إن فرص الاستقرار الاجتماعى والسياسى فى مصر لن تتحقق برفع معدلات النمو فحسب أو بتلقى رءوس أموال أجنبية بل بإعادة تصميم النموذج الاقتصادى ككل على نحو يجعله أكثر تنموية وأكثر عدالة واستيعابا، فهل تملك الدولة رؤية فى هذا الصدد؟ وما هى أدوات تنفيذها حال وجودها؟

تم نشر هذا المقال في الشروق.