طالعنا وزير التموين الدكتور خالد حنفى قبل أكثر من شهر بخطة وزارية تقضى بإدخال عربات الفول والطعمية ضمن القطاع الخاص عن طريق تسجيلها، وذلك فى إطار إصلاح منظومة التموين الخاصة بتوزيع زيت الطعام المدعوم، وعلى الرغم من أن المسألة قد مرت مرور الكرام على أغلب المتابعين المهتمين بشأن السياسات العامة، وخاصة مسألة تحويل القطاع غير الرسمى إلى قطاع رسمى فإنى أعتقد أن مثال عربات الفول يستحق الكثير من التأمل لأنه كاشف عن رؤية قطاع لا بأس به من النخبة الاقتصادية فى الدولة ـ مثل السيد وزير التموين ـ لقضية اللارسمية وتكلفتها الاقتصادية والاجتماعية وسبل معالجتها. 

يتبادر لذهن العديدين ـ وضمنهم المسئولون فيما يبدو ـ أن القطاع غير الرسمى هو بالأساس هذه الصناعات والأنشطة الاقتصادية متناهية الصغر التى لا تخضع لأى تسجيل أو رقابة من قبل أجهزة الدولة، مثل عربات الفول بالطبع، ومعها الباعة المتجولون ومنادو السيارات فى المواقف والتباعون فى الميكروباصات وفرشات الشاى ومعها مطابخ ومصانع بئر السلم، والتى تنتشر فى الريف وفى الكثير من الأحياء الفقيرة وما يسمى بالمناطق العشوائية، وهى فى مجملها وحدات اقتصادية صغيرة للغاية فى رأسمالها وفى ناتجها، ويغلب عليها طابع غير رسمى فى الغالب من حيث غياب تسجيل المعاملات الاقتصادية، والاعتماد على علاقات عائلية أو علاقات جيرة لإتمامها فى أسواق محلية مباشرة وشديدة الصغر.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

ويهيأ للبعض أن هذه الأنشطة متناهية الصغر هى التى تمثل من ٥٠ إلى ٦٠٪ من الناتج المحلى المصرى طبقا لتقديرات بعض الاقتصاديين مما يفتح شهية بعض المسئولين للحديث عن ضرورة تسجيل هذه الأنشطة بغية إخضاعها للضرائب وبالتالى إضافة مصدر آخر لإيرادات الدولة، أو للتخفيض من نفقات الدولة كحال وزارة التموين وحكايتها مع عربات الفول والطعمية.

والإشكال فى هذه التصور المبتسر والمبسط أنه ينظر للقطاع غير الرسمى كوحدات إنتاجية غير مسجلة، بينما الأمر أشد تعقيدا من هذا، كما أن جل التركيز ينصب على علاقة الدولة بتلك الوحدات لزيادة الإيرادات الضريبية أو لتخفيض النفقات، والحق فإن نصيب القطاع غير الرسمى ينسحب ببساطة على إجمالى المعاملات الاقتصادية المقيمة بالجنيه المصرى ـ ومن ثم القابلة للحساب ـ والتى لا تخضع للتسجيل على رادار الأجهزة الحكومية، وقد يجرى هذا من قبل مؤسسات ومنشآت مسجلة تسجيلا قانونيا، كما أن غياب الصفة الرسمية لا ينسحب فحسب على علاقات الشركات والمنشآت بعضها ببعض ولا علاقتها بالدولة ـ فى قضية مثل التهرب الضريبى بعدم الإبلاغ عن أرباح ومعدلات الدوران السنوية أو الشهرية ـ ولا على علاقة تلك المنشآت بالمستهلكين النهائيين ـ البيع بدون فواتير مثلا ـ إنما يمس كذلك علاقة تلك المنشآت بالعمالة، والتى لها واقع الحال النصيب الأكبر من اللارسمية فى الاقتصاد المصرى فى العقود الماضية، من خلال الزيادة الرهيبة فى عدد الوظائف التى يتم خلقها دون اللجوء للتعاقد الرسمى بغية تجنب دفع التأمينات الاجتماعية المستحقة قانونا وحتى يمكن تجنب أى التزامات تفرض على رب العمل إزاء موظفيه وعماله. 

يفيد تقرير لمنظمة العمل الدولية صادر فى ٢٠١٣ أن ٩١.١ ٪ من الشباب العاملين فى مصر يمكن تصنيفهم كعمالة غير رسمية، ٣٦.٥٪ منهم من يعمل فى القطاع غير الرسمى ـ أى منشآت غير مسجلة قانونا ـ بينما يعمل ٦٣.٥ ٪ فى القطاع الرسمى ولكن يفتقدون الأمان الوظيفى الذى يفترض أن يأتى مع العمل لدى منشآت فى القطاع الرسمى كالتمتع بالإجازات المرضية والسنوية ودفع اشتراكات التأمينات الاجتماعية، وذلك طبقا لتقديرات سنة ٢٠١٢، ويخلص التقرير إلى أن الاقتصاد المصرى قد شهد خلقا موسعا للوظائف غير الرسمية فى العقد الماضى، وهو ما يعكس هذا التركز الكبير للوظائف غير الرسمية بين قطاعات الشباب الداخلين الجدد لسوق العمل. 

وإجمالا فإن الجهاز المركزى للمحاسبات يفيد أنه فى ٢٠١٢ كان ٤٦٪ من إجمالى العاملين فى مصر يعملون فى منشآت خارجية ـ وهو تصنيف عادة ما يفيد العمل فى القطاع غير الرسمى ـ فيما اقتصر نصيب القطاع الخاص الرسمى ـ منشآت داخلية ـ على ما هو دون ٢٥٪ من إجمالى العاملين، ضمنهم بالطبع عمالة غير رسمية. 

إذن ثمة أدلة إحصائية قاطعة بأن الجزء الغالب من سوق العمل فى مصر يدار على نحو غير رسمى من قبل غالب منشآت القطاع الخاص، رسمية كانت أو غير رسمية، وأن هذا الاتجاه نحو نزع الصفة الرسمية عن العمالة هو اتجاه متزايد عامة، وخاصة فى أوساط الشباب الملتحق أخيرا بقوة العمل حتى بلغت نسبة العمالة غير الرسمية فيه ٩١٪ أى الغالبية الكاسحة، وبالنظر إلى سوق العمل فحسب يمكن فهم كيف يحتل الاقتصاد غير الرسمى ما يربو عن ٥٠ أو ٦٠٪ من الناتج المحلى الإجمالى فى مصر، فهل تملك الحكومة رؤية لغياب الرسمية عن القوة العاملة أم أن جهود مد القطاع الرسمى تنحصر فحسب على تسجيل المنشآت الاقتصادية، وتحصيل المعلومات الكافية عنها لجمع الضرائب والرسوم لخزانة الدولة؟ هل جرى التفكير فى وسائل لتعديل نظم الحماية الاجتماعية بما يحقق حدا أدنى من الانتظام للعمالة وحدا أدنى من الأمان الوظيفي؟ وهل ثمة رؤية لكيفية الرقابة على المنشآت الاقتصادية ـ خاصة فى القطاع الرسمى ـ التى توسعت فى توظيف العاملين لديها بدون عقود أو على نحو غير منتظم ومؤقت وبدون دفع الاشتراكات؟ أم أن اللارسمية ستظل لارسمية المنشآت والضرائب دون التطرف للعمالة؟

تم نشر هذا المقال في الشروق.