أعيدت تسمية وزارة التجارة والصناعة أخيرا لتكون وزارة التجارة والصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة فى إشارة من الحكومة إلى اتجاهها للاهتمام بالقاعدة العريضة من القطاع الخاص، والتى من المفترض أنها تتكون من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعرف المشروعات الصغيرة والمتوسطة طبقا لمعايير عدة، لعل أكثرها انتشارا وغلبة هو عدد العاملين حيث تعد المشروعات الصغيرة هى تلك التى توظف ما بين ستة وخمسين عاملا فيما تعتبر المشروعات متوسطة الحجم تلك التى توظف ما بين خمسين ومائة عامل، وما يزيد على هذا يدخل فى نطاق الشركات الكبرى، أما المنشآت التى يعمل بها خمسة عاملين فأقل فتعتبر منشآت متناهية الصغر.

وخلافا لما هو معتقد فإن المنشآت الصغيرة والمتوسطة طبقا لهذه التعريفات لا تشكل أغلبية من شركات ومشروعات القطاع الخاص فى مصر لا عددا ولا من حيث أنصبتها فى الناتج أو فى التوظيف، بل إن الأغلبية الكاسحة تنعقد للمنشآت متناهية الصغر، والتى عادة ما تتركز فى قطاعات خدمية وتجارية لا تستوجب الكثير من رأس المال، وعادة ما تتميز بمقدار مرتفع من اللارسمية وانخفاض الإنتاجية، وتشكل تلك المشروعات القاعدة الأوسع من القطاع الخاص فى مصر فى مقابل عدد صغير من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وعدد محدود للغاية من الشركات الكبرى التى يمكن الاصطلاح على تسميتها برأس المال الكبير.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

ومن هنا جرت أدبيات التنمية والاقتصاد الدارسة لحالة مصر على اعتبارها تجليا لظاهرة «الوسط المفقود» Missing Middle Syndrome والتى تشير إلى حالة من افتقاد هيكل الاقتصاد لفئة الشركات الصغيرة والمتوسطة، وجمعه بين قاعدة عريضة من المنشآت شديدة الصغر، والتى لا تتمتع بأى فرص حقيقية للتوسع أو النمو فى الحجم أو فى العمالة أو فى الإنتاجية، وعلى قمة هذا الهرم المختل تقبع شركات كبيرة فى قطاعات كثيفة رأس المال لا تخلق الكثير من الوظائف ولكنها تمتاز بارتفاع الناتج والإنتاجية والضخامة النسبية لنصيبها من ناتج القطاع الخاص.

وطبقا لإحصاءات المنشآت الاقتصادية فى مصر الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء فى ٢٠٠٦ فإن المشروعات متناهية الصغر (خمسة عاملين فأقل) قد شكلت نحو ٩٤٪ من إجمالى عدد المنشآت فيما لم يتجاوز نصيب المنشآت التى توظف أكثر من عشرة عاملين ٠.٨٪ من إجمالى المنشآت، أى أقل من ١٪. ولا يقتصر النصيب المتضخم للمنشآت متناهية الصغر فى مصر على نسبتها فى إجمالى عدد المنشآت الاقتصادية إنما يمتد لفرص العمل فى القطاع الخاص إذ يفيد تقرير عن وزارة المالية المصرية فى ٢٠٠٦ أن ٧٢٪ من العمالة بالقطاع الخاص تركز فى المنشآت متناهية الصغر التى توظف أقل من خمسة عاملين فيما يقتصر نصيب المنشآت الصغيرة (ما بين خمسة وتسعة عاملين) على ١٦٪ من إجمالى عمالة القطاع الخاص، وغنى عن الذكر بالطبع أن نصيب المنشآت الكبيرة التى توظف أكثر من ١٠٠ عامل لا يتجاوز ٢٠٪ فحسب من عمالة القطاع الخاص.

إن تنمية ودعم الشركات والمشروعات المتوسطة والصغيرة، وزيادة إنتاجيتها وقدرتها على المنافسة فى الأسواق المحلية والعالمية غير ممكن دون توسيع هذه الفئة وإيجادها من الأصل، وهو ما لم يحدث طيلة أربعة عقود من تنمية القطاع الخاص فى مصر، والذى انتهى إلى هذه الصيغة المختلة من الرأسمالية الوسيطة المفقودة، ولا يمكن الحديث عن الدفع بظهور الشركات الصغيرة والمتوسطة إلا بعلاج المشكلات المؤسسية العديدة التى تحبط نمو المشروعات متناهية الصغر إلى مشروعات صغيرة أو متوسطة، فما بدأ صغيرا فى حجم رأس المال والعمالة يظل صغيرا لصعوبة التحصل على أراض وغيرها من الأصول الثابتة وصعوبة النفاذ إلى تمويل، وهى العناصر الأساسية التى تحكم فرص زيادة رأس المال ومن ثم رفع الإنتاجية وتكبير حجم المنشأة وناتجها وعدد وجودة فرص العمل التى تخلقها.

إن عددا من البلدان الآسيوية قد استطاع تطوير قاعدة صلبة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة التى تعمل فى قطاعات ذات محتوى تكنولوجى مرتفع وتحظى العمالة فيها بمهارات عالية ومن ثم بإنتاجية وأجور مرتفعين، فعلى سبيل المثال تزود الشركات المتوسطة والصغيرة بما يقارب ٦٠٪ من إجمالى صادراتها، التى هى فى أغلبها منتجات صناعية بمحتوى تكنولوجى مرتفع، وتزود الشركات الصغيرة والمتوسطة فى اليابان وكوريا الجنوبية والصين الشركات الأكبر بنصيب كبير من مدخلات الإنتاج، وليس الأمر يقتصر على الرأسمالية الآسيوية فإن بلدا كتركيا منذ الثمانينيات وخاصة بحلول عقد التسعينيات قد نجح فى تطوير فئة عريضة من الشركات الصغيرة والمتوسطة فى مدن الأناضول قادرة على التوسع فى إنتاج السلع الصناعية ذات القيمة المضافة المرتفعة، على نحو مكنها من توسيع نصيبها من الأسواق المحلية بل والاتجاه للتصدير.

لقد كانت رؤية الدولة منذ تبنيها لسياسات الانفتاح قبل أربعة عقود تقضى بإنشاء رأسمالية مصرية كبيرة قادرة على الاستثمار والمنافسة وبجذب رؤوس الأموال الأجنبية فى مجالات نقل التكنولوجيا والصادرات، ونجحت هذه الاستراتيجية بالفعل فى شقها الأول على الأقل بحلول التسعينيات حيث أصبح لدى مصر رأسمالية كبيرة تهيمن على قطاعات صناعية وخدمية مهمة إلا أن انعكاسات هذا على نمط التنمية برمته وعلى وضع الاقتصاد بشكل عام لم يكن إيجابيا فى المطلق، وذلك لأن القاعدة العريضة من القطاع الخاص ظلت شديدة الصغر تعمل لدى مستويات دون الفعالية الاقتصادية وبإنتاجية شديدة الانخفاض، وحظى ذلك القطاع الواسع من المنشآت متناهية الصغر بكونه أكبر مصدر من مصادر استيعاب العمالة وخاصة الشباب بمن فيهم المتعلمون تعليما متوسطا وعاليا، وهو ملمح قد يجيب على أسئلة جوهرية اجتماعية واقتصادية كالبطالة وانخفاض انتاجية العامل المصرى وتراجع معدلات الأجور وارتفاع اللارسمية فى المعاملات وفى التوظيف، وكلها سمات على مستوى الاقتصاد الكلى يفسرها ولو جزئيا غياب فرص النمو والتوسع لدى المنشآت متناهية الصغر.

تم نشر هذا المقال في الشروق.