اختارت جماعة الإخوان المسلمين في مصر، بعد عملية طويلة من التفكير والنقاش الداخليَّين، سلوك مسار المواجهة والتصعيد مع نظام عبد الفتاح السيسي، حاسمةً خياراتها في مايتعلّق بخطتها المفضَلة للتعامل مع النظام. فبعد نحو عامَين من المقاومة غير العنفية لتحقيق مصالحها في المدى الطويل، تدخل الجماعة في لعبة عض الأصابع مع السلطة، وانتهاج سياسة النفس الطويل.

في الأول من حزيران/يونيو، ألقت قوات الأمن في مصر القبض على القيادي التاريخي والمتحدث السابق لجماعة الإخوان وأحد صقورها، محمود غزلان، بعد التصريح الأول له بعد غياب قرابة 20 شهراً عن المشهد، في 22 أيار/مايو الماضي، بعنوان "دعوتنا باقية وثورتنا مستمرة"، والتي أكّد فيها على ما أسماه ثوابت الجماعة مشدّداً على السلمية ومستبعداً أي خيار صدامي. أعتبر محمد منتصر المتحدث الإعلامي باسم الإخوان، إعتقال غزلان "محاولة فاشلة من سلطات الانقلاب الغاشم لإرباك الأبطال الثائرين في شتى ربوع الوطن ضد الطغيان والقتل والاستبداد". رفض شباب الجماعة - الذين يقودونها الآن نحو مقاربة أكثر صرامةً – رسالة غزلان إعتبارها "نوعاً من الخذلان" محذّرين من أن يكون مقدمة لمصالحة مع النظام. 

صدر، في 27 أيار/مايو الماضي، بيان بعنوان نداء الكنانة موقّع من 159 داعية وعالماً إسلامياً، يتعارض مع تصريح غزلان. استخدم البيان صيغة حادة ضد النظام في مصر، حاملاً عبارات تتحدث عن "الواجب الشرعي" للأمة بمقاومة السلطات. واعتبر البيان أن مقاومة النظام المصري واجب على جميع المسلمين أياً تكن جنسيتهم - يُشار إلى أن موقّعيه يتحدّرون من 35 بلداً مختلفاً. وشدّد أيضاً على أن محمد مرسي هو الرئيس الشرعي للبلاد، مهاجماً شيخ الأزهر وأطرافاً عدة. وقد رحّبت جماعة الإخوان المسلمين، فيبيان صدر في اليوم التالي، بمضمون هذا البيان وثمّنته معلنةً تأييدها له. فضلاً عن ذلك، قال المتحدث السابق باسم حزب الحرية والعدالة والقيادي بالجماعة أحمد رامي إن هذا البيان يساهم في تثبيت الشباب في معركة النفس الطويل في مواجهة النظام1، لكنه شدّد على أن الجماعة لاتخلط بين المقاومة المشروعة والإجرام العام الذي تنوي تجنّبه.

المؤشّر التالي على حسم الجماعة أمرها في إعادة تموضعها جاء بعد يوم واحد، في 28 أيار/مايو الماضي، حينما أصدر محمود حسين، الأمين العام السابق للجماعة، تصريحاً على صفحته بموقع "فيسبوك"، ذيّله بصفة الأمين العام للجماعة، متزامناً ذلك مع صدور تقارير إخبارية تتحدث عن "انقلاب" داخل الجماعة. أكّد المتحدث الإعلامي باسم الجماعة، محمد منتصر، في ببيان مقابل عبر موقع "إخوان أونلاين"، ومداخلة هاتفية عبر برنامج "هاشتاغ" على قناة الجزيرة، أن للإخوان أمين عام غير الدكتور محمود حسين. وبدأت تنتشر هاشتاغات مثل #مش_هانرجع_لورا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في إشارة إلى رفض شباب الاحوان عودة القيادات السابقة. 

تقع في صلب المقاربة الجديدة سلسلة من التغييرات البنيوية. فقد اضطُرَّت الجماعة إلى أن تصبح أكثر تكتّماً في برنامجها للتربية الإسلامية، كما أن اجتماعات الأسرة في مختلف أرجاء مصر تقتصر على مشاركة مجموعات أصغر حجماً لتفادي التضييق من السلطات المصرية. وقد أجريت تغييرات في لجان العمل الداخلية، التي يدور من خلالها العمل اليومي. أولى هذه التغييرات جاءت من خلال لجنة البر التي كانت مسؤولة عن الأعمال الخيرية وأعمال التكافل الاجتماعي وتوجيه المساعدات والإعانات الشهرية للفقراء والمحتاجين لعموم الناس في المجتمع وداخل الإخوان، حيث تغيرت إلى مسمى آخر هو "لجنة المضارين" هدفها توجيه مساعدات الأعضاء وتبرعاتهم وأعمال الكفالة إلى أسر وعائلات الإخوان الذين مات عائلهم أو اعتُقِل أو تمت مطاردته، لتكون بمثابة شبكة أمان اجتماعي تتيح لأعضاء الإخوان التحرك والصمود في معركة طويلة المدى ضد النظام، وتكفل للفاعلين الحركيين مساحة أكبر من التركيز في العمل دون الخشية على معيشة أسرهم وذويهم. في الأول من حزيران/يونيو الجاري، عمدت القوى الأمنية، ربما إدراكاً منها للخطر الذي تشكّله هذه الأنشطة على النظام، إلى توقيف عضوَين في اللجنة على خلفية تنظيمهما تجمّعاً في منطقة الحضرة في الإسكندرية.

فضلاً عن ذلك، انضوت لجنة نشر الدعوة، صاحبة الفاعليات والقوة والتأثير الكبير، تحت مسمى آخر غير مسار عملها السابق هي "لجنة الوعي". فقديماً كانت لجنة نشر الدعوة تقوم على فكرة القوافل الدعوية في الأحياء والمدن، وتنظيم الفاعليات الدينية الدعوية لنشر أفكار أخلاقية أو تعبدية. أما الآن فتسعى إلى توليد مزيد من المعارضة لنظام السيسي عبر التواصل مباشرةً مع الجماهير لشرح رؤية الجماعة ومناهضة النظام ومحاولة صناعة رأي عام ضد النظام وغيرها من الأمور التعبوية، وأنشئت داخل كل شعبة لجنة مماثلة. وكذلك استُحدِثت داخل الشُعب لجان جديدة كلجنة الأزمات والحراك التي أصبحت أيضاً موجودة داخل كل شعبة، وهي مسؤولة عن تنسيق المظاهرات، هذا بجانب لجنة الأخوات المسؤولة عن الجانب النسائي في الجماعة وما يخص عمل النساء ونشاطهن.

أما اللجان التي ألغيت فهي لجان المراحل العمرية كلجنة الإعدادي والثانوي، في حين انضوت لجنة الجامعة تحت لجنة الشباب، ولم تعد تتمتع باستقلال نسبي كما كانت من قبل. تُظهر هذه التحوّلات أن الأولويات المتغيّرة للإخوان تبتعد عن التعليم والدعوة وتتّجه نحو التعبئة ضد نظام السيسي.

في حين تُجمع غالبية الإخوان على الدفع باتجاه تصعيد المواجهة، ليس واضحاً بعد ماذا ستكون العواقب، وهناك حالياً رؤيتان متنازعتان داخل الإخوان. الرؤية الأولى هي تنظيم ثورة شاملة، يعتمد فيها الشباب على تراجع شعبية نظام السيسي، مع اللجوء إلى تعبئة الشباب من داخل جماعة الإخوان المسلمين وخارجها. أما السيناريو الثاني فيقوم على تنفيذ انقلاب عسكري بدعم من الإسلاميين والضباط المستائين. يفضّل بعض قادة الإخوان، الرؤية الثانية، ومنهم مدحت الحداد، أحد قياديي الإخوان الموجود حالياً في تركيا. ففي 29 كانون الثاني/يناير مثلاً، لمّح عبر قناة "مكملين" إلى أنه ثمة انقسامات وعدم رضى داخل الجيش المصري عما يجري. في اي حال ثمة خلخلة للوضع الحالي تبدو في الأفق، أياً كان المسار الذي ستؤول إليه الأحداث في الأشهر المقبلة.

عبد الرحمن يوسف صحافي مستقل يركّز على القضايا المتعلقة بشؤون التيارات الدينية والشؤون السياسية.


1. مقابلة مع الكاتب