أولت ردود الفعل الأولى على التغييرات الأخيرة في المناصب السعودية، اهتماماً كبيراً بتعيين محمد بن سلمان ولياً لولي العهد وواقع أنه يتشارك مع ولي العهد محمد بن نايف جدّة سديرية. لكن لا الأمر الأول ولا الثاني مهم فعلاً. أولاً، تنطوي الفكرة القائلة باحتمال سيطرة السديريين على الحكم على غلو في التبسيط يتسبب بالتعتيم والتشويش بدلاً من التوضيح. عوضاً عن ذلك، ينبغي على المحللين أن يعيروا اهتماماً أكبر للتغييرات على المستوى الكلي على الصعيدَين الاتحادي والمحلي في النظام السعودي من أجل تحديد إذا كانت هذه التغييرات تمثّل تركيزاً للسلطة أو إلغاء للمركزية. ثانياً، فإن السلطة التي يتمتع بها محمد بن سلمان، وعلى الرغم من أنها واضحة للعيان في سياق التدخل السعودي في اليمن، تبقى إلى حد كبير مرهونة بوالده، وقد لاتكون قابلة للاستمرار. لايُعرَف الكثير عن الدعم الداخلي لمحمد بن سلمان، سواءً في أوساط السديريين أو بين آل سعود على نطاق أوسع. وقد أعرب الأعضاء الأكبر سناً في الأسرة المالكة، بحسب التقارير، عن شكوك بشأنه، وحجَب ستة من أصل 34 عضواً في هيئة البيعة، الدعم عن ترقيته إلى منصب ولي ولي العهد.

تستند الادّعاءات التي تتوقّع تنفيذ انقلاب من قبل السديريين، إلى معلومات ضئيلة جداً وبعض الافتراضات العامة. فلا والدة محمد بن نايف، ولا والدة محمد بن سلمان هما من السديريين. الأولى من فرع جلوي في الأسرة المالكة، في حين أن الثانية هي من السلالة غير الملَكية لزعماء عشيرة عجمان. في الواقع، الإخوة الثلاثة غير الأشقاء لمحمد بن سلمان - سلطان وعبد العزيز وفيصل - هم أكثر انتماء إلى السديريين، فوالدتهم وجدّتهم لوالدهم كانتا سديريتين. فضلاً عن ذلك، لو كانت هناك فعلاً محاولة من السديريين للاستيلاء على السلطة، ما الذي يفسّر تهميش شقيق سلمان، أحمد، السديري الأرفع مقاماً الذي لم يُشطَب من قائمة المرشحين المحتملين لوراثة الحكم؟ بعدما تولّى أحمد منصب نائب وزير الداخلية طيلة عقود، شغل لفترة وجيزة منصباً وزارياً في العام 2012 قبل استبداله بنجل شقيقه.

القصة الحقيقية ليست أن المناصب الثلاثة الأولى في النظام يتولاّها أبناء حصة بنت أحمد السديري أو أحفادها، بل إن ثلاثة أفراد فقط من الأسرة المالكة يشغلون حالياً مناصب وزارية (الدفاع، والداخلية، والحرس الوطني). ويتولّى ثلاثة أفراد آخرون من آل سعود - سعود بن فيصل، ومنصور بن متعب، ومنصور بن مقرن - مناصب وزراء دولة ومستشارين كبار، في حين يشغل عدد كبير من أفراد الأسرة المالكة مناصب حكّام محافظات أو أقاليم. مما لا شك فيه أن السلطة تتركّز في أيدي الملك ومستشاريه المقرّبين، ونجله من بينهم. بيد أن الأجهزة الأمنية والسياسيين العاديين والتكنوقراط هم الذين يتولّون حالياً إدارة الشؤون اليومية في المملكة.

تعيين محمد بن سلمان ولياً لولي العهد هو فعلاً تغيير كبير - وقد تولّى مجموعة متنوعة من الأدوار الرسمية المهمة داخل الحكومة - لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن إبطال تعيينه أو أنه لن يتم إبطاله بسرعة، كما كتب مايكل ستيفنز وديفيد روبرتس. يدين محمد بن سلمان بصعوده السريع إلى والده، وقلة تبدي استعداداً لتحدّيه ما دام الملك على قيد الحياة. بيد أن السؤال إذا كان سيصبح ولي العهد المقبل، وحتّامَ سيصمد في ذلك المنصب، يتوقّف على مكانته ومكانة أنصاره داخل الأسرة المالكة أكثر منه على لقبه الحالي.

لا يستطيع الملك سلمان أن يفعل شيئاً بشأن منصب نجله بعد وفاته، تماماً كما أن الملك عبدالله لم يستطع أن يضمن مكانة الأمير مقرن. على الرغم من أن ولي العهد سلمان آنذاك أكّد أن مقرن - الذي كان يحظى بالدعم الواضح، ولو المنقسم، من هيئة البيعة - سيحافظ على موقعه، قلة من السعوديين فوجئت عندما تنحّى مقرن.

بهذا المعنى، لا قيمة نسبياً للقب ولي ولي العهد. لقد استحدثه الملك عبدالله ليطمئن السعوديين وحلفاء السعودية إلى أن الممكة لن تبقى من دون ربّان يقود الدفة في حال توفّي الملك وولي العهد أو فقدا الأهلية. كان تعيين مقرن بمثابة تعيين لشخص ينوب عن الأصل، أو محاولة واهنة لتنصيب حليف سياسي وعقائدي على الرغم من الاعتراضات التي صدرت عن كثيرين داخل الأسرة المالكة. بإمكان الملك الحالي أن يبطل بسهولة المراسيم الصادرة عن الملوك السابقين. تُظهر وتيرة التبديل في المناصب الرفيعة وإعادة الهيكلة المؤسساتية في عهد الملك عبدالله (والآن في عهد الملك سلمان) أنه ليس بإمكان أي فرد أو فريق أن يفرض سيطرته على منصب ما بصورة دائمة.

قد يحقّق محمد بن سلمان زيادة كبيرة في شعبيته بسبب سخائه في التصدّق على الآخرين ودوره في الحرب في اليمن، لكن يمكن أن يفقد الحظوة أيضاً إذا استمر الوضع في اليمن بالتدهور. تعتبر مضاوي الرشيد أنه ليس بإمكان العاهل السعودي ونجله "أن يقبلا بما هو أقل من النصر الكامل" في اليمن. وتضيف: "لا شك في أن الأمير الشاب يريد أن يثبّت مكانته جيداً قبل أن يتوفى والده".

في مقال متبصّر، تصيب إليزابيث ديكينسون في نقاط كثيرة، لكنها تكتب أيضاً أنه نظراً إلى أنه ليس لمحمد بن نايف أبناء، "من المستبعد أن يُحدث تغييراً في تراتبية التوريث عندما يصبح ملكاً، كما فعل الملك سلمان". إلا أنه لدى أي ملك جديد أسباب كثيرة تدفعه إلى القيام بتعيينات لا علاقة لها بضمان مكانة الأشخاص المتحدّرين منه. إذا لم يتمكّن محمد بن سلمان من تسلّم منصب ولي العهد، غالب الظن أن نفوذه سيتراجع إلى حد كبير بعد وفاة والده. بالطبع، هناك سابقة في المنطقة قام خلالها ملك بتعيين نجله ولياً للعهد على فراش الموت. ففي العام 1999، عمد العاهل الأردني الملك حسين إلى تنحية شقيقه حسن وتعيين نجله عبدالله ولياً للعهد قبل أسابيع من وفاته.

على الرغم من مظاهر المأسسة في السياسة السعودية، لا تعني الألقاب الرسمية الكثير. فالسن، والقرب من دوائر النفوذ، والكاريزما، والقدرة على تقديم الخدمات أهم بكثير. يدلي هارولد ريتشارد باتريك ديكسون بملاحظة مهمة عن التوريث السعودي في كتابه "عربيّ الصحراء" (1949). فهو يلفت إلى أن تعيين الملك عبد العزيز نجله سعود في العام 1933 قوبِل بقدر كبير من التشكيك في السعودية: "قال الملك في مجالسه الخاصة مراراً وتكراراً لأفراد أسرته: ‘بعد وفاتي، فلينتصر الأفضل’". استغرق الأمر أكثر من عقد بعد وفاة الملك في العام 1953، لكن في نهاية المطاف، انتصر فيصل وتسلّم العرش مُقصياً أخاه غير الشقيق.

بغض النظر عما سيحل بمحمد بن سلمان، سوف يحصل الانتقال إلى الجيل المقبل بسرعة أكبر بكثير، بالمقارنة مع ما كان ليحصل لو أن مقرن بقي في منصبه. بعد هذا الانتقال، سيصبح من الأصعب إدارة الأسرة المالكة من الداخل. فبوجود عدد كبير جداً من الأنسباء الذين يجب استرضاؤهم، سوف يتعيّن على من يرث العرش، أياً يكن، بأن يقدّم قدراً أكبر بكثير من التنازلات ويتخذ قرارات أصعب بالمقارنة مع سلفه.

ناثان هودسون طالب دكتوراه في دراسات الشرق الأدنى في جامعة برنستون. يمكنكم متابعته على تويتر: NHodson@.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.