تعيش مصر أزمة عملة غير معلنة منذ عدة شهور. فعلى الرغم من نجاح إجراءات المركزي القاضية بوضع سقف للإيداع اليومي والشهري في تضييق الخناق على السوق السوداء، وتوحيد السعر الفعلي للصرف إلا أن هناك مشكلة ملموسة يواجهها المستوردون والمصنعون والمنتجون بشكل عام في توافر الدولار من الأساس، خاصة في ظل اقتصار تمويل البنوك لعمليات استيراد السلع الأساسية من غذاء وقود، وعدم توفير الدولارات اللازمة لاستيراد السلع التي لا تعد "ضرورية"، وهو أمر انعكس بالفعل على النشاط الاقتصادي في قطاع حيوي كالصناعة خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن أكثر من ثلثي الواردات المصرية التي تقدر بنحو ٦٠ مليار دولار سنويا من مدخلات الإنتاج سواء من الخامات أو السلع الوسيطة والرأسمالية. 

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >
إن سياسة البنك المركزي في إدارة سعر الصرف والاحتياطيات الدولارية ولا شك مؤلمة، ومنعكسة سلبا على خطط الحكومة لإعادة إطلاق الاقتصاد، وذلك لأنها من ناحية ترفع تكلفة الوصول لمدخلات الإنتاج، إذا كان من الممكن توفيرها أصلا، ومن ناحية أخرى تخلق حالة عامة من الترقب حول مستقبل سعر الصرف ما يرفع المخاطر المتعلقة بتحويل العملة في ظل تكهنات بتخفيضات مستقبلية لسعر الجنيه في مقابل الدولار كما تردع إجراءات المركزي في إدارته لأزمة النقد الأجنبي المستثمرين الأجانب الذين يخشون من مواجهة أزمة عملة تحول دون توفير مدخلات الإنتاج اللازمة أو مواجهة مشكلات في تحويل أرباحهم للخارج. ومن هنا فالانتقادات التي وجهها وزير الاستثمار خلال مؤتمر اليوروموني الأخير لسياسة المركزي الدولارية على أساس أنها تمضي بشكل معاكس لجهود الحكومة لجذب الاستثمارات الأجنبية وإطلاق معدلات النمو في محلها، إذ أن هذه السياسة بالفعل مؤلمة ولكنها سليمة في التوقيت الحالي وينبغي فهم هذا. 

تقوم سياسة البنك المركزي على الحفاظ على الاحتياطيات الدولارية لديه بتخفيض الإنفاق منها قدر الإمكان، وقد اشتمل هذا على عدة خطوات بدءا من تخفيض الجنيه التدريجي ولكن المتسارع في مواجهة الدولار، وإتخاذ إجراءات من شأنها تحويل السيولة الدولارية من السوق السوداء إلى القطاع المصرفي مع إصدار تعليمات للبنوك بقصر تمويل الواردات على السلع الأساسية من وقود وغذاء، وهو ما صب في اتجاه المركزي لإدارة سياسة مصر التجارية على نحو فعلي بكبس الواردات والتقليل من معدلات نموها المتسارعة، والتي تترجم إلى عجز في ميزاني التجارة والمدفوعات ومن ثم ضغط على الاحتياطيات الدولارية. وهنا تقع تماما مشكلة أن سياسة المركزي تدفع الاقتصاد نحو الانكماش في حين تعلن الحكومة أن سياستها ترمي إلى التوسع في تمويل المشروعات القومية الكبرى بجذب رؤوس أموال أجنبية ومحلية ترفع معدلات النمو والاستثمار. 

تقوم سياسة البنك المركزي على قراءة معينة للظرف الاقتصادي العالمي والإقليمي مفاده أن الاقتصاد العالمي قد بدأ جولة جديدة من التباطؤ، علما بأن الاقتصاد العالمي لم يتعاف قط من صدمة الأزمة المالية في نهاية ٢٠٠٨ وحتى يومنا هذا، ولكن هذه المرة يشهد العالم تباطؤا في الصين، وهي السوق التي قادت الاقتصاد العالمي بعيدا عن الركود منذ ٢٠٠٩ ورفعت أسعار المواد الخام العالمية وقتها وخاصة البترول والغاز الطبيعي، ومع تفاقم أزمة الديون السيادية في أوروبا، وقد انعكست توقعات التباطؤ هذا على انهيار أسعار البترول العالمية بمقدار الثلثين تقريبا دون وجود توقعات في المدى القريب لمعاودة الارتفاع، وقد انعكس انخفاض أسعار البترول على الصادرات المصرية، والتي لا يزال يمثل الزيت الخام منها حوالي ٤٠٪، وعلى قدرة البلاد على جذب استثمارات أجنبية في قطاع الاستخراج، علما بأن نصيب قطاع البترول والغاز من الاستثمارات الأجنبية في العقدين الماضيين وقف عند الثلثين من الإجمالي، ومن المتوقع أن ينعكس انخفاض أسعار البترول كذلك على قدرة البلدان الخليجية الحليفة على تمويل معونات أو استثمارات في مصر، وهي المعول عليها كثيرا منذ مؤتمر شرم الشيخ في مارس الماضي، وأخيرا وليس آخرا من المنتظر أن يؤثر انخفاض أسعار البترول والتباطؤ في الاقتصاد العالمي على صادرات مصر الخدمية التقليدية والمتمثلة في إيراد قناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج. 

وقد ظهر بالفعل مطلع السنة الميلادية الحالية أن الواردات تنمو بمعدل أعلى من الصادرات، وأن الفجوة التمويلية التي يواجهها الاقتصاد المصري في اتساع، وأن القدرة على إعادة بناء الاحتياطيات الدولارية مشكوك فيها مع عدم معاودة قطاع السياحة للنمو (وجزء من هذا نتيجة انخفاض أسعار البترول وأثرها على السياح الروس وهم أصحاب أكبر نصيب من السياحة الوافدة في مصر بالإضافة لأزمة الديون السيادية في أوروبا)، ومن هنا فإدارة المركزي كانت إدارة لأزمة مصدرها هو استشراف لتباطؤ عالمي يستوجب الحفاظ على احتياطيات مصر الدولارية لتمويل الأساسيات. 

وسواء صدق حدس البنك المركزي وطالت الأزمة العالمية أم خاب ظنه، ونأمل جميعا ذلك، فإن حزمة القرارات التي اتخذها المركزي في محلها من منظور حكومي، وإن كانت تخالف توقعات القطاعات الإنتاجية، وتخلق درجة من التناقض في سياسات الدولة، إلا أن لها ما يبررها، ولعل النقد الأساسي الذي يوجه لإدارة البنك المركزي تنصب على أمرين: أولهما هو غياب إستراتيجية للعلاقات العامة والإعلام تشرح للجمهور وخاصة في القطاع الخاص مخاوف البنك المركزي ومنطق السياسة التي يتبعها، وهو أمر سيكون له أثر التخفيف من المخاطر وعدم اليقين الذي يكتنف سياسة مصر النقدية، وثانيهما هو المزيد من الشفافية حول سياسة سعر الصرف بما يقلل من مخاطر تحويل العملة، مع مراعاة بالطبع ألا يكشف المركزي أوراقه أمام المضاربين على نحو يفاقم من أزمة الدولار.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.