انتهت في 19 تشرين الأول/أكتوبر الجاري الانتخابات التشريعية لاختيار 60 مقعداً من تلك المخصصة للقوائم و226 مقعداً مخصصاً للمستقلين، في مجلس النواب المصري الجديد المؤلّف من 596 مقعداً وغرفة واحدة. يبدو أنه سيتم انتخاب 448 مقعداً عن طريق القوائم المستقلة، و120 مقعداً آخر من خلال قوائم الكتل أو الأحزاب المغلقة، في حين يقوم الرئيس بتعيين الباقين. أما المقاعد المتبقّية فسوف يتم التنافس عليها بين 30 تشرين الثاني/نوفمبر والثاني من كانون الأول/ديسمبر المقبل. بيد أن المنظومة السياسية المصرية ترزح تحت وطأة عدد كبير جداً من الأحزاب السياسية، لاسيما الأحزاب العلمانية ذات الميول اليسارية والقومية. تواجه معظم هذه الأحزاب عقبات شديدة في تمويل حملات مرشّحيها وبناء قواعد دعم أوسع نطاقاً مع الحفاظ في الوقت نفسه على برامج انتخابية متمايزة.

يمكن إيجاد حل لهذه المشكلة إما عبر اندماج الأحزاب التي تلتقي عقائدياً وإما عبر تشكيل ائتلافات. لم تحصل عمليات دمج ذات أهمية منذ أواخر العام 2013، عندما نجح حزب المصريين الأحرار في استيعاب حركة الديمقراطية الشعبية. بطبيعة الحال، يمكن أن يكون من الصعب الدمج بين الأحزاب عندما يرفض قادتها التخلّي عن السيطرة الكاملة. وقد تبيّن أن التحالفات التي تتيح للأحزاب الأصغر حجماً زيادة مكاسبها إلى أقصى حد عبر حشد الموارد وخوض حملات مشتركة، تعاني من الضعف في أفضل الأحوال في مصر. وكذلك تسبّبت الخصومات بين الأحزاب، والخلافات حول الاستراتيجيات والبرامج الانتخابية، والمعارضة في صفوف القواعد الشعبية الحزبية، بتعطيل التعاون في هذا المجال.

خلال العامَين 2011 و2012، نجحت أحزاب عدّة في بناء تحالفات، مثل التحالف الديمقراطي، والكتلة الإسلامية، والكتلة المصرية، وتحالف "الثورة مستمرة". كما هو الحال في معظم التحالفات الانتخابية، لم تدم هذه الائتلافات من دورة انتخابية إلى أخرى، إلا أن تحالفات جديدة ظهرت استعداداً لخوض الانتخابات التشريعية في العام 2015. على سبيل المثال، يتألف تحالف "من أجل حب مصر" بشكل أساسي من حزب الوفد، وحزب المصريين الأحرار، وحزب المحافظين، وكلها قوى ليبرالية تنتمي إلى يمين الوسط. وكذلك يضم تحالف اليسار القوى الاشتراكية الأكثر انتماءً إلى يسار الوسط، على غرار حزب التجمع، وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي.

لكن خلف هذه الوحدة السطحية، لاتزال معظم الائتلافات تتعرّض للاتهامات بأن بعض أعضائها يسيطرون على الآخرين أو بأنها تضمّ في صفوفها فلولاً من عهد مبارك. علاوةً على ذلك، وضع بعض قادة الأحزاب عوائق أمام محاولات تشكيل تحالفات، لاسيما بين الأحزاب الصغيرة، وذلك عبر تقديمهم المبادئ على البراغماتية، وفشلهم في إدراك الفرصة التي تتيحها لهم الائتلافات. فعلى سبيل المثال، اعتبر أحمد فوزي من الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي أن التحالفات على أساس قوائم الكتل تشكّل "انتهاكاً لمفهوم المساواة في الفرص"، وتقضي على المنافسة الحقيقية.

خلال مرحلة تسجيل الترشيحات، بين الأول والخامس عشر من أيلول/سبتمبر الماضي، فشل اقتراحٌ للدمج بين ائتلافَي "من أجل حب مصر" و"الجبهة المصرية"، بسبب الخلافات حول اختيار المرشّحين والاتهامات بالاستبداد الحزبي. سيترشّح كل ائتلاف على حدة، مع تعاون الجبهة المصرية مع ائتلاف القائمة المصرية الأصغر حجماً إلى حد كبير، والذي يتألف من أحزاب ناصرية صغيرة. فضلاً عن ذلك، غادر حزب التجمع ائتلاف "من أجل حب مصر" بعدما أقصي في اللحظة الأخيرة من اختيار المرشحّين. يشير هذا التبديل في التحالفات في اللحظة الأخيرة إلى أن بعض الأحزاب ليست ملتزمة بالكامل بخوض حملات للانتخابات المقبلة، مايؤدّي أكثر فأكثر إلى إضعاف حظوظها بالفوز، لأن الناخين قد يشعرون بالارتباك والتشوّش عند البحث عن التحالفات في القوائم المغلقة.

لكن هذه الائتلافات منقسمة أيضاً حول مسائل بنيوية، ولاسيما حول المقاربات التي تعتمدها الأحزاب المختلفة الأحجام في تمويل حملاتها الانتخابية. من أبرز الأمثلة في هذا الإطار انسحاب تحالف "صحوة مصر" من الانتخابات بعد تقدّمه بدعوى قانونية فاشلة أمام لجنة الانتخابات العليا. فقد عارض التحالف قوانين تسجيل المرشحين التي تفرض خضوع المرشّحين لفحوصات طبية رسمية. وبما أن عدداً كبيراً من أعضاء "صحوة مصر" كان قد خضع لفحوص مخبرية مدفوعة في شباط/فبراير الماضي استعداداً للانتخابات في آذار/مارس قبل أن يتم إرجاؤها، اعتبر التحالف أن إجراء فحوصات جديدة - تبلغ كلفتها نحو 3000 جنيه مصري (375 دولاراً أميركياً) لكل مرشح - يشكّل عائقاً مالياً لالزوم له. وقد سدّد انسحاب هذا الائتلاف ضربة قوية للانتخابات، إذ يُعتبَر عدد كبير من أعضائه بأنه أكثر تقدّمية من الآخرين، كما تجمعه روابط أكبر بالشباب الذين نزلوا إلى الشارع في مطلع العام 2011.

في الصدد عينه، لطالما شدّد المرشّح السابق للانتخابات الرئاسية حمدين صباحي، الذي هو من مؤسّسي التيار الشعبي المصري، على الصعوبة التي سيواجهها حزبه - وأحزاب أخرى على غرار الدستور (الذي انسحب في اللحظة الأخيرة وقرّر مقاطعة الانتخابات) والكرامة - في تمويل المرشّحين للتنافس على مقاعد القوائم المستقلة في 205 دوائر انتخابية. وهو يعتبر أن هذه الأحزاب تواجه صراعاً شاقّاً ومريراً ضد الأحزاب الأقوى والأكثر ثراء، مثل حزبَي المصريين الأحرار والوفد اللذين يضمان عدداً كبيراً من رجال الأعمال المصريين، على غرار نجيب ساويريس، الذين يستطيعون تمويل حملاتهما المستقلة.

وقد زادت هذه الخلافات من حدّة الانقسامات داخل الأحزاب على خلفية قانون الانتخابات لعام 2014. تفضّل الأحزاب القوية، مثل حزب الوفد، النسبة المعتمدة حالياً للقوائم المستقلة في مقابل القوائم المغلقة. بيد أن الأحزاب الأصغر حجماً على غرار تلك التي تشكّل ائتلاف "صحوة مصر"، تحبّذ زيادة عدد المقاعد المخصصة لقوائم الكتل من 120 إلى 180 - نظراً إلى أن تمويل الحملات الفردية للفوز بالمقاعد المستقلة أعلى كلفة. وقد تسبّب ذلك بوضع عراقيل إضافية أمام تشكيل ائتلافات بين الأحزاب الصغيرة من جهة وحزب أكبر وغني بالموارد من جهة ثانية (على غرار الوفد والمصريين الأحرار)، مع العلم بأن هذه الصيغة الائتلافية تجعل التحالفات الانتخابية أكثر فعالية في شكل عام.

ينعكس ذلك في التزام الأحزاب بالكتلة: يرشّح الوفد وحزب المصريين الأحرار 13 و9 مرشحين فقط، على التوالي، في قائمة "من أجل حب مصر". في المقابل، يرشّح الوفد 260 مستقلاً في مختلف أنحاء البلاد، في حين يرشّح حزب المصريين الأحرار 227 مستقلاً. في حال انهيار ائتلاف "من أجل حب مصر"، لن يكون لذلك تأثير كبير على قدرة الوفد والمصريين الأحرار في شكل عام على التنافس في الانتخابات التشريعية. بيد أن الأحزاب الأصغر حجماً ستتلقّى ضربة أقوى، لاسيما في مايتعلق بقدرتها على استيفاء الحصص المخصصة لمرشّحي الفئات الأقلية في القوائم المغلقة. فالقوانين الانتخابية تحافظ على حصص في القوائم للنساء (56 مقعداً)، والأقباط (24)، والعمال والمزارعين (16)، والشباب (16)، والمصريين في الخارج (8)، والمعوّقين (8) - وفي هذا الإطار، تُسهِّل التحافات على الأحزاب الصغيرة استيفاء حصص الترشيح. نظراً إلى الصعوبات التي تواجهها هذه الأحزاب في التنافس على المقاعد المستقلة أو استيفاء الحصص بمفردها، تصبح الائتلافات على أساس قوائم الكتل السبيل الحيوي الوحيد بالنسبة إليها لزيادة مكاسبها الانتخابية إلى أقصى حد.

علاوةً على ذلك، الهدف من معظم التحالفات هو حصراً التنافس على المقاعد المخصصة للقوائم المغلقة، وعددها أقل من تلك المخصصة للمستقلين، من دون معالجة التحدّي الأكبر المتمثل في تقديم مرشحين مستقلين. فالتحالف الذي يهدف إلى تقديم مرشّحين في الدوائر الانتخابية المستقلة - يصل عدد المقاعد المخصصة للمستقلين إلى 448 مقعداً على مستوى البلاد، وهو رقم كبير جداً - يتطلّب التزاماً أكبر وتنسيقاً مباشراً في خوض الحملات وتوزيع الموارد بالتساوي بين المرشحين. وقد يطرح اختيار الأحزاب المنضوية في الائتلاف التي ستقدّم مرشحاً للتنافس في دائرة "يمكن الفوز فيها"، إشكالية. فعلى سبيل المثال، عدد المقاعد المخصصة للدوائر المدينية الكبرى على غرار الجيزة والقاهرة أكبر بالمقارنة مع الدوائر الأخرى، لكن تقليدياً تركّز الأحزاب القوية على غرار الوفد جهودها في هذه المناطق. وقد تعتبر أحزاب أخرى أن خوض حملات انتخابية في هذه المناطق ليس فعّالاً ويتسبّب بهدر الموارد. أما في الدوائر الأصغر حجماً والتي قد يكون الفوز فيها أكثر قابلية للتحقق، مثل صعيد مصر، فعلى الأرجح أن الأحزاب الصغيرة سوف تتشاجر حول اختيار مرشّحيها للانتخابات. تحالف اليسار هو الائتلاف الوحيد الذي يركّز على المقاعد المستقلة، مع تقديم حزب التجمع 24 مرشحاً، وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي 12 مرشحاً.

يخشى كثرٌ أن يكون مجلس النواب العتيد تحت سيطرة رجال أعمال ينتمون إلى أحزاب مثل الوفد والمصريين الأحرار، بما يذكّر بعهد مبارك عندما كانت السيطرة للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. في الوقت الذي تبقى فيه الأحزاب الصغيرة منقسمة وتسعى جاهدةً للتنافس على عدد كبير من المقاعد، غالب الظن أننا لن نرى سوى حفنة صغيرة من مرشّحيها في البرلمان العتيد.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.