أسفر إسقاط طائرة "متروجيت" الروسية في رحلتها رقم 9268 فوق سيناء في 31 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عن مصرع جميع الركاب وأفراد الطاقم الذين كانوا على متنها، وعددهم 224 شخصاً، ماسدّد ضربة جديدة للمسؤولين المصريين الذين يحاولون إقناع العالم بأن مصر تنعم بالأمان وتؤمّن مناخاً مؤاتياً للأعمال والسياحة على السواء. معظم الضحايا كانوا من السيّاح الروس العائدين من عطلتهم على الشواطئ المصرية حيث تنعمّوا بأشعة الشمس، في نشاطٍ سياحي يشكّل 80 في المئة من القطاع السياحي في مصر. ثلث الزوّار الذين تستقبلهم مصر هم من الروس، وقد تلقّى القطاع السياحي ضربة قاضية بعدما فرضت الحكومة الروسية حظراً شاملاً على جميع الرحلات بين روسيا ومصر في أعقاب تحطّم الطائرة. نظراً إلى أهمية السياحة في الاقتصاد المصري في شكل عام - لناحيتَي الوظائف واحتياطي العملات الأجنبية - تسعى السلطات جاهدة لوضع مقاربات جديدة من أجل تعزيز الاستدامة في القطاع السياحي.

بلغ القطاع السياحي في مصر الذروة، مع دخول 13.8 مليون زائر إلى البلاد، خلال السنة المالية المنتهية في حزيران/يونيو 2010، قبل اندلاع الانتفاضة في العام 2011. أما المرحلة الأسوأ فكانت خلال السنة المالية 2013-2014 عندما استقبلت مصر أقل من ثمانية ملايين سائح، وانخفضت الإيرادات إلى نصف المستويات التي كانت عليها قبل الانتفاضة. ثم شهدت السنة المالية 2014-2015 تحسّناً مع ارتفاع عدد السياح إلى 11.6 مليون شخص، ماحمل مؤشّرات بأن القطاع السياحي يتّجه نحو تحقيق معافاة واسعة النطاق. بيد أن ردود الفعل على تفجير الطائرة تسبّبت من جديد بتعطيل عجلة القطاع السياحي. بحسب أحدث التقديرات الرسمية، يُتوقَّع أن ينخفض عدد السياح إلى تسعة ملايين زائر في السنة المالية الحالية.

منذ تبنّى تنظيم الدولة الإسلامية المسؤولية عن تفجير الطائرة، تُطرَح أسئلة حول مدى سيطرة مصر على الأمن في سيناء. تُجمع روسيا والغرب على أن السبب وراء تحطّم الطائرة هو انفجار قنبلة على متنها، وعلى الرغم من أن التحقيق الأوّلي الذي أجرته السلطات المصرية استبعد فرضية أن يكون الحادث مدبّراً، إلا أن مصر تعتمد مقاربة حذرة وتسعى إلى تحسين الإجراءات الأمنية في مطاراتها. مع ذلك، حذّرت بلدان عدّة، منها المملكة المتحدة وألمانيا، رعاياها من السفر عبر مطار شرم الشيخ، بعيد تحطم الطائرة الروسية، ماأدّى إلى إلغاء عدد كبير من الرحلات التي كانت متّجهة إلى مصر. وفي السابع من كانون الأول/ديسمبر الجاري، استفاقت السلطات المصرية على ورطة أكبر عندما أعلنت شركة الطيران الروسية أنها ستطلب تعويضات من مصر.

ليست الهجمات على السياح بالأمر الجديد بالنسبة إلى مصر. في شباط/فبراير 2014، جرى تفجير حافلة سياحية في سيناء، ماأسفر عن مقتل سائحَين من كوريا الجنوبية. وفي أيلول/سبتمبر 2015، لقي ثمانية سياح مكسيكيين مصرعهم عندما أطلق الجيش المصري النار عن طريق الخطأ على موكبهم السياحي ظناً منه أنه يقلّ مقاتلين. وشهدت وجهات سياحية معروفة على غرار شرم الشيخ والأقصر، هجمات عدة على مر السنين. كما أن سلسلة الهجمات التي وقعت في القاهرة خلال العام الجاري - منها اغتيال النائب العام هشام بركات في حزيران/يونيو الماضي - شكّلت تحدّياً للقوى الأمنية.

هذا التراجع في القطاع السياحي يؤثّر في شكل خاص في التوظيف واحتياطي العملات الأجنبية، نظراً إلى المساهمة الكبيرة التي تقدّمها السياحة في هذين المجالين. فواحد من أصل ثمانية عمّال في مصر منخرط بصورة مباشرة أو غير مباشرة في القطاع السياحي الذي يؤمّن 11 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. وبما أن نسبة البطالة في مصر تتراوح عند حدود 13 في المئة في العامَين الأخيرين، من شأن خسارة الوظائف المرتبطة بالقطاع السياحي أن تسدّد ضربة قوية للحكومة التي تعطي الأولوية لمعالجة مشكلة البطالة.

علاوةً على ذلك، تشكّل إيرادات السياحة مصدراً كبيراً للعملات الأجنبية التي باتت حاجة ماسّة بالنسبة إلى مصر. انخفضت عائدات السياحة بمعدّل النصف، من 9.8 مليارات دولار في السنة المالية 2012-2013 إلى 5.1 مليارات دولار في السنة المالية 2013-2014، أي مانسبته 12.7 في المئة و7.5 في المئة على التوالي من المداخيل بالعملات الأجنبية. وخلال العام المالي 2014-2015، تحسّنت هذه الإيرادات إلى 7.4 مليارات دولار. لكن انتعاش الإيرادات متعثّر منذ ذلك الوقت، مع تسجيل تراجع بنسبة 15 في المئة في الربع الأول من العام 2015 بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام السابق. ومن المتوقّع حدوث مزيد من التراجع في العائدات مع تهاوي القطاع السياحي في أعقاب كارثة الطائرة الروسية. في أيلول/سبتمبر الماضي، أعلن وزير السياحة المصري هشام زعزوع أن مصر تتطلع إلى تحقيق إيرادات تصل إلى عشرة مليارات دولار من القطاع السياحي في العام 2016، لكن غالب الظن أنه ستتم إعادة النظر في هذا الرقم وخفضه بعد حادثة تحطّم الطائرة.

إلى جانب التحويلات المالية، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، والصادرات، وعائدات قناة السويس، تُعتبَر السياحة من المصادر الأساسية للعملات الأجنبية في مصر. فيما يبذل البنك المركزي جهوداً حثيثة للحفاظ على قدرة مصر على استيراد السلع الاستراتيجية مثل الطاقة والقمح، مع تحصين الجنيه المصري وإبعاد شبح التضخم في الوقت نفسه، تحتاج البلاد إلى مصادر تؤمّن لها العملات الأجنبية بصورة مطّردة. صحيح أن الهبات والقروض من الخليج ساهمت في التخفيف من الضغوط على البنك المركزي، إلا أنه من شأن القطاع السياحي في مصر، في حال انتعاشه من جديد، أن يشكّل مصدراً أكثر استدامة للعملات الأجنبية.

من الخيارات المتاحة لإنعاش السياحة تنويع مصادرها. كان عدد السياح الروس والبريطانيين الوافدين إلى مصر يبلغ نحو أربعة ملايين شخص في السنة، وكانوا يشكّلون معاً ثلثَي الزوار القادمين إلى شرم الشيخ. وقد عمد المسؤولون السياحيون المتخوّفون من وضع رهاناتهم كلها في سلة واحدة - لاسيما وأن تراجع قيمة الروبل أدّت إلى انخفاض أعداد الزوار الروس - إلى إطلاق حملة إعلامية بعنوان "مصر قريبة" في آذار/مارس الماضي أملاً في استقطاب مزيد من السياح العرب الذين كانوا يشكّلون نحو 12 إلى 23 في المئة من زوّار مصر - في حين أن الأوروبيين كانوا يشكّلون نحو 60 إلى 70 في المئة من الزوار - قبل انتفاضة 2011. قبل أيام من تحطّم الطائرة الروسية، كان من المقرر أن تطلق مصر حملة أوسع نطاقاً لاستكشاف أسواق سياحية جديدة. وقد قرّرت السلطات إرجاء هذه المبادرة إلى أجل غير مسمّى بعد المأساة.

لايساهم تنويع أسواق المصدر التي يأتي منها السياح، في التحوّط ضد المخاطر وحسب، إنما يتيح أيضاً لمصر استقطاب سياح جدد ينفقون أكثر ويمكثون في البلاد لفترة أطول. أراد المسؤولون أن يصل الإنفاق السياحي إلى 81 دولاراً في اليوم للسائح خلال العام الجاري بالمقارنة مع 74 دولاراً العام الماضي، لكنه لم يسجّل ارتفاعاً، لأن المشغّلين عمدوا إلى خفض الرسوم لاستقطاب مزيد من السياح. كما أن انخفاض قيمة الجنيه المصري ترتّب عنها إنفاق أقل بالدولار. بدلاً من خفض الأسعار للاحتفاظ بالحصة السوقية، بإمكان السلطات مساعدة المشغّلين على استنباط مقاربات جديدة، عبر تقديم منتجات مختلفة لتشجيع السياح على المكوث لفترة أطول وإنفاق مزيد من المال. في هذا الإطار، يشار إلى أن السياح الذين يمكثون في البلاد لفترة طويلة وينفقون عادة مبالغ أكبر، يأتون في شكل أساسي إلى مصر من بلدان واقعة خارج الشرق الأوسط وأوروبا، بحثاً عن تجربة ثقافية لن تتكرر في حياتهم. من شأن إنعاش المواقع التاريخية القائمة واستكشاف مواقع جديدة أن يمنح اندفاعة لهذه السياحة الثقافية، في حال تسويقها كما يجب.

نحو 80 في المئة من السياح الذين يزورون مصر يأتون إليها بدافع تمضية العطلة على الشاطئ، في حين أن الباقين يأتون في غالبيتهم لمشاهدة آثارها ومن أجل السياحة الثقافية. لكن لدى مصر طاقات أكبر بكثير. فعلى سبيل المثال، تتيح الصحراء والساحل فرصاً وافرة للسياحة البيئية. تضم البلاد العديد من النزل البيئية الفريدة من نوعها، لكن نزلاءها هم في شكل أساسي من المصريين. تتيح المناطق المحمية الـ27 في مصر - والتي تغطّي نحو 15 في المئة من مساحة البلاد - مجالاً واسعاً لتطوير السياحة البيئية. فضلاً عن ذلك، يمكن تطوير الرحلات البحرية والنهرية مثل الرحلات بين القاهرة وأبو سمبل، وتحسينها. يمتد الخط الساحلي المصري على طول 2450 كيلومتراً على طول المتوسط والبحر الأحمر، وتضم مصر 44 ميناء متخصصاً، ومجموعة لاتضاهى من المعالم التاريخية على ضفاف النيل، مايعني أنها تتمتع بالإمكانات اللازمة كي تصبح مركزاً للسياحة البحرية. أخيراً، تملك مصر طاقات كبيرة لتطوير السياحة الطبية وسياحة الرفاه الصحي عبر تسويق العلاج مع الاسترخاء.

عبر النظر إلى الخارج بحثاً عن أسواق جديدة، وإلى الداخل من أجل صقل الطاقات السياحية المصرية، من شأن الحكومة أن تلبّي أولويتين اقتصاديتين رئيستين: الوظائف والعملات الأجنبية. وفي الوقت نفسه، يشكّل بسط الأمن في البلاد والعمل من أجل درء الأعمال الإرهابية عاملَين أساسيَّين للوقاية من التقلبات الحادة التي شهدها القطاع السياحي المصري.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.