انخفضت أسعار النفط العالمية بشكل شديد بين يوليو ٢٠١٤ ويناير ٢٠١٥ من ١١٠ دولارات للبرميل إلى ٥٠ دولارا، ولم تتعاف الأسعار قط، ومن المتوقع أن تشهد الأسعار انخفاضا فى المدى القصير مع تراجع الطلب العالمى ووجود فائض فى العرض، وطبقا لدراسة نشرها صندوق النقد الدولى فى أكتوبر ٢٠١٥ فإن أسعار النفط لن تصل إلى مستويات ٢٠١٤ فى المدى المتوسط، وأن متوسط سعر البرميل سيرتفع بشكل متواضع ليصل إلى ٦٣ دولارا فى ٢٠٢٠. 

فكيف سيؤثر هذا الانخفاض فى أسعار النفط العالمية على الاقتصاد المصرى وعلى فرص تعافيه؟ 

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >
منذ صدمة النفط الأولى إبان حرب أكتوبر ١٩٧٣، وارتبط الاقتصاد المصرى بدورات من الريع النفطى سواء كون مصر مصدرا صافيا للبترول «حتى ٢٠٠٦» أو من خلال تحويلات العاملين بالخارج الذين عادة ما تركز أغلبهم فى بلدان الخليج العربى المصدرة للنفط، علاوة على المساعدات وشحنات النفط والغاز الطبيعى التى ارتهنت بالظروف الإقليمية المضطربة منذ حرب الخليج الثانية ثم الصراع على تحديد مجريات السياسة الداخلية فى مصر بعد ثورة يناير ٢٠١١، وهى الفترة التى شهدت تدفقا غير مسبوق للمساعدات الخليجية منذ ديسمبر ٢٠١٢، بدءا من قطر ثم الإمارات والمملكة العربية السعودية، بعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين فى يوليو ٢٠١٣. 

ليست هذه هى المرة الأولى التى تشهد المنطقة انخفاضا لأسعار النفط، فقد حدث هذا عدة مرات، واستمر لسنوات، ففى ١٩٨٦ انهارت أسعار النفط العالمية، واستمرت فى انخفاض طيلة عقد التسعينيات، وارتفعت بشكل متواضع بعد غزو العراق فى ٢٠٠٣ ثم شهدت ارتفاعا غير مسبوق فى التاريخ منذ ٢٠٠٨، عندما تجاوز سعر برميل خام برنت لأول مرة عتبة المائة دولار، لتبدأ عملية تدفقات دولارية ـ هى الأكبر فى التاريخ ـ لبلدان الخليج المصدرة للنفط بين ٢٠٠٨ و٢٠١٤ مكنتها من تكوين احتياطيات نقدية بالغة الضخامة. 

فماذا عن مصر؟ أتى ارتفاع أسعار النفط منذ ٢٠٠٨ فى غير صالح الاقتصاد المصرى، إذ أن مصر قد تحولت لمستورد صاف للبترول منذ ٢٠٠٦ على أقصى تقدير مع تناقص الإنتاج وتزايد الاستهلاك المحلى، وقد عوضت اكتشافات الغاز الطبيعى هذا النقص، واحتفظت لمصر بمركز المصدر الصافى للطاقة من ٢٠٠٦ إلى ٢٠١٢، عندما أصبحت مصر تواجه أزمة طاقة، وأزمة فى وفرة العملة الصعبة، إذ تجاوز استهلاك مصر المحلى من الطاقة إنتاجها الكلى من البترول والغاز، ما جعلها مستوردا صافيا للطاقة، واحتلت واردات الطاقة من الخارج ما يقرب من خمس فاتورة الاستيراد، وانعكس هذا على بند دعم الطاقة الذى تضخم بدوره، وبشكل خارج عن السيطرة ليلتهم خمس الإنفاق العام، وليساوى تقريبا العجز السنوى فى الموازنة فى السنوات التالية على ثورة يناير. 

إذن أليس من المنطقى أن تستفيد مصر اليوم من انخفاض أسعار النفط بل وإن تدعم سنوات الطاقة الرخيصة المحتملة فرص التعافى الاقتصادى وتخفيف العجز فى موازين التجارة والمدفوعات والموازنة العامة للدولة؟ لا يبدو أن هذا هو المتحقق من الناحية الفعلية، إذ انعكس انخفاض أسعار النفط بالسلب على قدرة الاقتصاد المصرى على توليد العملة الصعبة إذ لا تزال صادرات الزيت الخام تمثل نحو ٤٠٪ من إجمالى الصادرات المصرية، ولا تزال ترتبط تحويلات العاملين من الخليج بأسعار النفط، ويضاف إلى هذا أن ثلثى الاستثمارات الأجنبية، يتركزان فى قطاع الصناعات الاستخراجية، وقد تراجعت هذه مع تراجع أسعار الطاقة، وعلاوة على هذا وذاك فإن آمال الحكومة المصرية المعقودة على الحلفاء الخليجيين فى تقديم منح ومساعدات أو تدفقات استثمارية، أصبحت محل تهديد مع توقعات صندوق النقد الدولى بمعاناة بلدان الخليج من عجز مالى ضخم حال لم تتعاف أسعار الطاقة العالمية. 

لعله صحيح أن الحكومة المصرية قد حققت وفورات فى الإنفاق العام مع انخفاض سعر الطاقة ومن ثم تراجع تكلفة الدعم، كما حققت وفورات فى ميزان التجارة، ولكن فى الوقت ذاته لا يبدو أن تلك الوفورات كانت كافية لإخراج البلاد من أزمة نقص العملة الصعبة، والتى تؤثر سلبا وبشكل كبير على فرص توليد معدلات نمو مرتفعة بعد أربع سنوات من التباطؤ الاقتصادى. 

إن السبب فى وضع مصر شديد الغرابة فى كونها بلدا مستوردا صافيا للطاقة، ولكنه متضرر فى الوقت ذاته من انخفاض أسعارها يرجع إلى أن سياسات الدولة فى العقدين الماضيين، قد فشلت فى تغيير وضع الاقتصاد المصرى فى التقسيم العالمى للعمل، فلا تزال تعتمد فى المنافسة ومن ثم فى توليد العملة الصعبة على صادرات البترول والغاز، سواء بصورة خام أو فى شكل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمنت والأسمدة والحديد والصلب، واستمر اعتماد مصر على المنافسة بالطاقة الرخيصة ـ التى لم تعد متوفرة حقا ـ على الرغم من تحول البلاد لمستورد صاف لها! وهو أمر شديد الشذوذ، وقد يفسر لنا الوضع المقلوب الذى نواجهه اليوم. 

إذا كنا مقبلين على انخفاض مستمر فى أسعار الطاقة على المدى المتوسط، فلعله يكون الوقت لوضع استراتيجيتين على المدى البعيد إحداهما تخص الطاقة بما مزيج الطاقة الذى ستعتمد عليه مصر فى المستقبل، والثانية القطاعات التى ستراهن الدولة على دعمها مباشرة أو غير مباشرة لإخراج مصر من ربقة الاعتماد على الطاقة الرخيصة ـ التى لم تعد رخيصة ولا فائضة عن الاستهلاك المحلى ـ كميزتها الوحيدة، وهو أمر يعنى مبدئيا تحديد قطاعات الصناعات التحويلية التى قد تخفض من الاعتماد على الواردات أو تنافس كصادرات فى ضوء وضع المنتجين الآسيويين الحالى، وقطاعات الصادرات الخدمية التى يمكن التعويل عليها، خاصة أن مصر من ضمن البلدان القليلة فى العالم النامى التى تحقق فوائض فى ميزان الخدمات.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.