لا شك أن الحكم بحبس الكاتبة فاطمة ناعوت بتهمة ازدرائها للأديان يوجب التضامن معها من باب حرية التعبير والرأى والاعتقاد، وهى المبادئ الراسخة فى المجتمعات المتحضرة، ولكن فى الوقت ذاته لا يعنى التضامن الكف عن توجيه النقد المستحق للخطاب «التنويرى»، الذى تعبر عنه ناعوت، بل والذى أصبحت وجها من وجوهه فى أعقاب ثورة يناير، وما شهدته الفترة اللاحقة عليها من صعود للتيار الإسلامى، واحتدام الجدل حول علاقة الدين بالمجال العام وبالسياسة، ويجمع هذا الخطاب وجوها ترى نفسها ليبرالية مع أخرى ذات انتماء ناصرى أو ماركسى انبرت فى معارك على صفحات الجرائد وفى الفضاء الافتراضى ضد «المعسكر الظلامى»، ودفاعا بحسم عن ميراث التنوير فى مواجهة الغزو الوهابى والزحف السلفى.

ويرى أهل هذا التيار أنهم يمثلون امتدادا حيا للمشروع التنويرى الذى بدأ مع رفاعة الطهطاوى وتشكلت ملامحه فى مطلع القرن العشرين من كتاب ومثقفين، وسياسيين، ربطوا التحرر الوطنى بالإصلاح الاجتماعى القائم على الأخذ من «الحضارة الغربية» فى مسائل كتعميم التعليم الأساسى والتوسع فى التعليم الجامعى، بما فى ذلك تعليم الإناث، وتمكين النساء من الحضور فى الحيز العام، وإطلاق العقل فى مواجهة التقليد وما يعنيه هذا من مراجعة للتراث بشكل نقدى، وقد خاض هؤلاء، خاصة أناس مثل قاسم أمين، وطه حسين، وغيرهم، معارك فكرية وسياسية عنيفة فى خلال القرن العشرين شكلت فعليا المجتمع والدولة فى مصر المعاصرة، ولا يعنى هذا أنهم قد انتصروا فى جميع معاركهم حتى النهاية، ولكن ما من علامة على أن مشروعهم قد أجهض فى مهده أو أنهم قد هزموا بشكل يوجب استئناف معركتهم.

 

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >
فاليوم وبعد أكثر من قرن من صدور كتابات قاسم أمين لم تعد المشكلة فى تعليم الإناث أو فى خروج النساء للمجال والحيز العامين، فعلى الرغم من مشكلات توصيل خدمات التعليم الأساسى للإناث فى المنطقة الريفية الفقيرة فإن الغالبية الكاسحة منهن يحصلن اليوم على قدر منه، وعلى الرغم من استمرار انخفاض سن الزواج والإنجاب فى العديد من المناطق الريفية الفقيرة فى مصر فإن متوسط سن الزواج والإنجاب فى مصر، ومعدله بالمناسبة، قد انخفض وبشكل كبير، على نحو متشابه مع العديد من البلدان النامية الأخرى، كما أن معدلات التعليم الجامعى والمتوسط لا تشى بأن ثمة تمييزا ضد النساء، ولعل الأهم من هذا وذاك أنه لم يعد هناك من يمثل «التيار التقليدى» الذى واجه الطهطاوى ومحمد عبده وقاسم أمين من منكرى تعليم النساء، خلافا لبلدان مثل أفغانستان أو نيجيريا، التى تستهدف فيها الجماعات المسلحة مدارس تعليم البنات حتى اليوم أو مثل السعودية، حيث يضيق على النساء الوجود فى الحيز العام.

وكذا الحال مع مشاركة النساء فى سوق العمل فعلى الرغم من أن معدل المشاركة فى البلاد العربية هو الأدنى فى العالم طبقا لمؤشرات البنك الدولى ومنظمة العمل الدولية فإن المشكلة لا تبدو فحسب ناتجة عن الجوانب الثقافية، فمشاركة النساء فى مصر تُقدر بنحو ٢٤٪ من سوق العمل مقارنة بنحو ٢٧٪ و٣٠٪ فى تونس وتركيا على الترتيب، وهما البلدان اللذان شهدا إصلاحات قانونية جريئة فى مجال الأحوال الشخصية من أجل تحرير النساء ومساواتهن بشكل قانونى مع الرجال، فوصول النساء لسوق العمل مسألة شائكة تتضمن جوانب اقتصادية واجتماعية جندرية أشد تعقيدا من مجرد الزعم بأن القضية تمكن من استمرار التيار التقليدى الذى يريد أن يمنع النساء من الخروج من البيوت. وبنفس المنطق فإنه من غير المطروح اليوم أن يجادل أحدهم بحبس النساء فى البيوت، بل تدور الجدالات جميعا حول التحرش بالنساء فى الحيز العام، وما يجب أن تلبسنه وأشكال السيطرة دينية أو أخلاقية الأصل على الأجساد والسلوك. بيد أنه لو عاد قاسم أمين من الموت لما وجد الكثير ليقول حول السماح للنساء بالخروج من الحريم، أو ضرورة إرسالهن للتعليم.

إن تجربة التحديث فى مصر، والتى بدأت بشكل سلطوى فوقى فى عهد الباشا محمد على قبل قرنين من الزمان قد أنتجت تحولات هيكلية فى المجتمع المصرى، فقد انتصر الباشا على خصومه من زعماء القبائل ورؤساء البدو والمماليك، وقد انتصر تيار محمد عبده فى الأزهر بعدها بنحو قرن، وأصبح مشايخ الأزهر الكبار من تلامذته فى القرن العشرين، مثل الأحمدى الظواهرى والمراغى، واندثر التيار التقليدى الذى كان يقف ضد التحديث جملة واحدة.

هل هذا يعنى أن المجتمع المصرى قد صار حديثا وأن كل شىء على ما يُرام؟ إن الإجابة هى بالنفى قطعا، لأن المجتمع المصرى لم يصبح حديثا ـ إذا قسنا على التجارب الغربية السابقة ـ ولكنه بالقطع لم يعد تقليديا، وحتى أشد أشكال الأصولية الدينية السلفية أو أطروحات سيطرة الدين على الدولة وعلى المجال العام هى وليدة تجارب التحديث نفسه من حيث الانتقال من الريف للمدينة، ومن حيث تعميم التعليم العام، وإنشاء الجامعات المدنية ـ غير الدينية ـ وهو ما أدى لأن يخرج الإخوان المسلمون من مدينة على شواطئ قناة السويس فى العشرينيات، وأن تخرج الجماعة الإسلامية فى السبعينيات من حرم جامعة أسيوط، لا من الأرياف القاصية، وأن تكون قيادات الإخوان والدعوة السلفية من الأطباء والصيادلة والمهندسين، وأن يكون مؤيدوهم من سكان المدن، ومن أبناء الطبقات المتوسطة فى كثير من الأحيان.

إن القضية هى إن جدالات التحديث التى شغلت المصريين فى مطلع القرن العشرين قد انتهت بحدوث تحول اجتماعى واقتصادى على المستوى الهيكلى، ولم يعد من المجدى الآن العودة لإحياء معارك ضد طواحين الهواء بحيث يتصور بعضنا أنه قاسم أمين أو سلامة موسى أو هدى شعراوى، فالتحديات مختلفة قلبا وقالبا.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.