شهدت المملكة العربية السعودية مؤخرا إطلاق مخططا طموحا للتنمية بحلول ٢٠٣٠ بهدف تنويع بنية الاقتصاد السعودية وتخفيف الاعتمادية المفرطة على مبيعات البترول وسط مخاوف متصاعدة من دخول العالم لفترة ممتدة من النفط الرخيص على نحو يؤثر سلبا على قدرة السعودية على مواصلة جهودها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويتزامن هذا مع تكثيف التعاون بين مصر والمملكة على أصعدة مختلفة، والبحث عن أطر أكثر ديمومة ومؤسسية لتنسيق السياسات العامة في مجالات الأمن والسياسة الخارجية والتعاون العسكري كآلية بديلة للأمن الإقليمي مع انسحاب الولايات المتحدة العسكري والسياسي من منطقة الشرق الأوسط. فهل يمكن إيجاد مساحة للتعاون المصري ـ السعودية في إطار خطة ٢٠٣٠؟ 

تعتبر المملكة العربية السعودية حالة نموذجية للاقتصاد الريعي أي لبلد يعتمد بصورة شبه كاملة على قطاع البترول، إذ تمثل الصناعات الاستخراجية نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي للسعودية، وما يقرب من ٩٠٪ من إجمالي صادراتها، وما يزيد عن ٨٠٪ من إيرادات الدولة، وعلى الرغم من الريع النفطي قد ضمن للمملكة فرصا كبيرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية خاصة في مجالات كالتعليم والرعاية الصحية، إلا أنه قد جعل المملكة اقتصادا وحكومة في وضع شديد الاعتمادية على أسعار النفط العالمية، والتي تخضع لعوامل جيوسياسية واقتصادية عالمية بعيدة عن سيطرة منتج واحد، ولو كان واحدا من أكبر المنتجين في العالم كالسعودية. وقد جرى التعامل منذ ثمانينيات القرن الماضي مع الطبيعة الدورية لارتفاع وانخفاض أسعار النفط عن طريق مراكمة احتياطيات نقدية شديدة الضخامة في فترات الرخاء كي يمكن الاعتماد عليها في دورات الهبوط، وهو ما نجحت فيه دول الخليج عامة منذ 2008 حيث جمعت ما يفوق التريليوني ونصف التريليون دولار في صور شتى يمكن أن تقيها شر الانخفاض الحاصل منذ ٢٠١٤، ولو بشكل مؤقت. 

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

وفي هذا السياق كان إحياء المملكة لخطط تنويع الاقتصاد السعودي كي يكون أقل اعتمادا على أسعار البترول، ولعل الهدف الأساسي هنا هو إيجاد قطاعات اقتصادية غير مرتبطة بالنفط قادرة على المنافسة في الاقتصاد العالمي إذ أن النمط التنموي الذي ساد في العقود الماضية في أغلب بلاد الخليج بما فيها السعودية كان قائما على إعادة تدوير الريع النفطي في قطاعات غير تجارية خاصة التنمية العقارية والإنشاءات والخدمات، وهنا يكمن التحدي الأساسي اليوم في أن توجد المملكة قطاعات صناعية أو خدمية مرتفعة القيمة وقادرة على المنافسة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تسعى إليها المملكة وغيرها من بلدان الخليج لتبني إستراتيجية للتنويع الاقتصادي، ولكن ربما تكون هذه المرة مختلفة عن سابقاتها في جزئيتين: الأولى هي توفر احتياطيات نقدية بالغة الضخامة يمكن أن تمثل رافعة لمثل هذا المشروع حتى في ظل انخفاض أسعار النفط، والثانية هي أنه اليوم لدى المملكة قوة بشرية كبيرة نسبيا جرى تعليمها وتدريبها على مدار العقود الماضية، وهو ما يمكن الاعتماد عليه في الفترة المقبلة لتنمية قطاعات خدمية مرتفعة المهارة وقادرة على التصدير كما هو الحال مع نموذج دبي، الذي يعد إلى اليوم المثل الأعلى لتجارب التنويع الاقتصادي في المنطقة، وربما في العالم. 

ولكن في الوقت نفسه ينبغي الوقوف عن عدم نجاح تجارب التنويع في الماضي لا في السعودية فحسب بل تقريبا في كل كبار المنتجين النفطيين مثل إيران وفنزويلا والعراق والجزائر بل وحتى روسيا، والتي ظلت معتمدة على قطاع النفط، وبالتالي عرضة للارتفاعات والانخفاضات التي تصيب أسعار الطاقة العالمية. ولعل أهم العوائق التي واجهت المملكة تقليديا هو صغر حجم القوة العاملة ـ رغم كبرها النسبي مقارنة بدول الخليج الأخرى ـ وارتفاع مستويات المعيشة ما يحول دون تشغيل العمالة السعودية في قطاعات صناعية أو خدمية كثيفة العمالة، والتي تشغلها عادة عمالة أجنبية، تمثل اليوم ما يفوق من ٥٠٪ من إجمالي القوة العاملة في السعودية، وهو ما يجعل فرص التنويع الاقتصادي الحقيقي مثل دبي في قطاعات الخدمات عالية التكنولوجيا وعالية المهارة، والتي مرة أخرى لا يمكن التعويل عليها لخلق فرص عمل كثيرة كما أنه من غير الواضح ما إذا كان السعوديون يقدرون على المنافسة العالمية فيها خاصة وأن نصيب السعوديين من عمالة القطاع الخاص في المملكة لم يتجاوز ٧٪ في ٢٠١٣.

إن مصر هي أكبر بلد عربي من حيث السكان، وهو اقتصاد متنوع نسبيا، ولديه قوة عاملة كبيرة ورخيصة، وإن كان ينقصها التدريب كي تصبح قادرة على المنافسة، كما أنه اقتصاد يملك بنية أساسية لا بأس بها مقارنة بدول نامية أخرى في ذات نطاق الدخل ما قد يعزز من فرص التكامل ما بين السوقين السعودية والمصرية في مجالات صناعية وخدمية، خاصة في وقت يعتمد فيه الإنتاج على شبكات من المؤسسات والشركات، وعلى تجزئة جغرافية لسلاسل الإنتاج في ظل تطور وسائل النقل والاتصال، ويضاف إلى هذا أن مشروعا لهذا التكامل لا يمكن فصله عن الخلفية السياسية والجيوإستراتيجية للتحالف المصري السعودي، ما يجعل تدعيم أشكال التكامل الاقتصادي ـ وغير الاقتصادي ـ بينهما ذا أهمية كبيرة. ويضاف لهذا أن مصر تجمعها بالعديد من الأسواق التصديرية المحتملة اتفاقات تجارية واستثمارية كالاتحاد الأوروبي والكومونولث الروسي علاوة على إفريقيا، وهو ما قد يوفر منافذ لتصريف المنتجات وكذا لجذب رؤوس الأموال والوصول للتكنولوجيا. 

إن فرص التكامل الاقتصادي بين الدول تقوم على اختلاف الموارد الموجودة لديهما، وهو أمر متحقق كثيرا في الحالة المصرية ـ السعودية، ولكنه بالطبع يجب أن يقوم على إطار مؤسسي واضح المعالم وفاعل في صنع وتطبيق سياسات بعيدة المدى بشكل متسق ومعلن وشفاف. 

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.