تُعد مواجهات عدن العسكرية التي نشبت بين المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، والحكومة الشرعية المدعومة سعوديًا، نُقطة تحول هامة في مسار الحرب اليمنية. وعلى الرغم من التباينات الكبيرة التي ظهرت في سياسات الإمارات والسعودية، حول القضية الجنوبية، قُبيل هذه الأحداث، وانعكست على الأرض كصراع دامٍ بين الأفرقاء المحليين المدعومين من الدولتين، إلا أن هذه الأحداث لن تفضي إلى افتراق سعودي إماراتي. بل على العكس، يبدو الأمر أشبه بخطوة مهمة توجّب حدوثها، لتصفيرالكثير من المشاكل العالقة، وإعادة رسم حدود العلاقات والأدوار بين الدولتين، في ما يخص الملف اليمني وفقًا للمعطيات الجديدة، يمنيًا وإقليميًا. فما زالت الرياض وأبو ظبي، على حدٍّ سواء، تحتاجان لبعضهما بعضاً في هذه الحرب، ولن تستطيع دولة الانفراد بإدارة مناطق نفوذها، من دون الحاجة إلى الأخرى.

رفع ما يسمّى بالتحالف العربي بقيادة السعودية، منذ إطلاق عملياته العسكرية في آذار/مارس 2015، شعار استعادة الشرعية اليمنية من أيدي جماعة الحوثيين وقوات الرئيس اليمني السابق علي صالح، التي أسقطت صنعاء، واستولت على مقاليد الحكم في أيلول/سبتمبر 2014. كان هدف "محاربة الحوثيين" هو ما يجمع الدول المنضوية في هذا التحالف. سارت الأحداث في بداية هذه العمليات بشكل متسارع. ففي جنوب اليمن، استطاعت المقاومة المحلية بدعم من التحالف، السيطرة على مدينة عدن وما حولها من المناطق التي توغل فيها الحوثيون قبل اقتحامهم عدن. على جبهة أخرى، تمكنت قوات عسكرية شكّلها ودرّبها التحالف من إجبار الحوثيين على الانسحاب من مناطق واسعة في محافظة مأرب، إلى منطقة صرواح وجبال نهم القريبة من صنعاء.

إمارات الساحل ومملكة الصحراء

بيد أن الوتيرة المتسارعة للعمليات العسكرية تباطأت مع مرور الوقت. وقد ظهر خلالها الكثير من الخلافات بين الدول المتحالفة، خصوصًا بعد إقالة رئيس الوزراء السابق خالد بحاح، المدعوم إماراتيًا. وقد تقاسمت هذه الدول النفوذ في المناطق المحررة، إذ تمركزت الإمارات في مدن السواحل الجنوبية، ثم الغربية لاحقًا، بينما كثّفت السعودية تواجدها في المناطق الصحراوية، وتحديدًا في محافظة مأرب والمناطق المتاخمة لشريطها الحدودي. وفق استراتيجية التوزيع هذه، تولّت الإمارات تدريب وتمويل قوات عسكرية جنوبية، معظمها يطالب بالانفصال عن الشمال، فيما عمدت السعودية إلى العمل مع بعض الوحدات العسكرية في الجيش اليمني، التي حاربت الحوثيين ورفضت سيطرتهم قُبيل وبعد سقوط صنعاء. يُضاف إلى ذلك وجود مجموعات قبلية تنتمي إلى حزب الإصلاح، والبعض إلى حزب المؤتمر الشعبي العام من المعارضين للحوثيين.

بدت التباينات تطفو على السطح، عبر الخلافات المستمرة بين الكيانات المحلية المدعومة من الدولتين. فالإمارات لم تكن على وفاق مع فكرة الاستحواذ السعودي على القرارات داخل حكومة هادي، إذ أصبح صوت الشرعية لا يمثّل سوى المصلحة السعودية. بل صارت حكومة هادي تهديدًا حقيقيًا حين دخلت في صراع معلن مع الإمارات، وصل حد اتهام أبو ظبي باحتلال جزيرة سقطرى، مقرونًا بالمطالبة بخروجها من اليمن، وشكواها لمجلس الأمن. وهو ما اعتبرته الإمارات عداوة فجّة، من هادي وحكومته، وتجاهلًا صريحًا لدورها، وتهديدًا لمصالحها المرجوة من تواجدها في اليمن. ولكي تتجاوز العبء القانوني في العمل خارج أُطر الشرعية، لجأت أبو ظبي إلى استغلال المشروعية المجتمعية في الجنوب، مستفيدةً من مطالب المجتمع الجنوبي بالانفصال عن شمال اليمن.

اعتُبر تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي في أيار/مايو 2017، وهو كيان يطالب باستقلال الجنوب، علامة فارقة في المسار المتباين لدول التحالف. فالمجلس الانتقالي المدعوم والممول إماراتيًا، صار القوة الضاربة لأبو ظبي في جنوب اليمن، وكياناً موازياً لمؤسسات الحكومة الشرعية العسكرية. ومع الدعم الاماراتي الكبير له، صار الكيان الأقوى على الأرض في مدن الساحل الجنوبي، إذ أصبحت المعسكرات التابعة والموالية له تضم قرابة 90 ألف جندي. وقد استفاد المجلس من الوضع الضعيف لحكومة هادي، التي بدت عاجزة عن إدارة الشؤون الداخلية للبلاد، فانتشرت النزاعات داخل كيانات الشرعية، وبات الفساد والمحسوبية يطبعان أداء مؤسسات الدولة.

القضية الجنوبية بريد الحلفاء

تعود جذور القضية الجنوبية إلى السنوات الأولى التي تلت قيام دولة الوحدة بين شطري اليمن. فالموقّعين على اتفاق الوحدة في أيار/مايو 1990 انخرطوا في حرب أهلية بعد أربع سنوات فقط من اتفاقهم. وانتهت الحرب بانتصار معسكر الوحدة على المطالبين بالانفصال. لكن لأسباب عدة، أهمها الإقصاء وضعف الإدارة العامة لمؤسسات الدولة، برزت القضية الجنوبية إلى الواجهة في العام 2007 من خلال المسيرات والاحتجاجات التي تطالب بالانفصال، والتي زادت وتيرتها لاحقًا، مع دخول البلاد في محطات تاريخية مختلفة، سواء انتفاضة العام 2011، أو مؤتمر الحوار الوطني في العام 2013، أو لاحقاً المواجهات مع الحوثيين في العام 2015.

على صعيد متّصل، تعدّدت الحركات الجنوبية المطالبة بالانفصال، وانخرطت فيها شخصيات بارزة من القيادات الحكومية في دولة جنوب ما قبل الوحدة. وعلى الرغم من تبني هدف الكيان الجنوبي المستقل لدى معظم هذه الحركات، إلا أن النزاعات السياسية بينها بدت واضحة للعيان، وأصبحت للكثير من هذه الأطراف ارتباطات متعددة سواء مع الأطراف المحلية، أو الدول الإقليمية. غير أن وجود الإمارات في الجنوب شكّل رافعة إقليمية جيّدة للمجلس الانتقالي، الذي بات الصوت الأبرز من بين كل الكيانات، على الرغم من حداثة نشوئه. في المقابل، بدا الأمر وكأن الإمارات وجدت ضالّتها في الحصول على قضية ذات شعبية، وشريك محلي يمكن الاعتماد عليه لتنفيذ أجندتها. هذا التخادم جعل من علاقة المجلس الانتقالي بالإمارات علاقة وثيقة. وتولّت الأحزمة الأمنية وقوات النخب العسكرية التي تتبع المجلس الانتقالي ويشرف عليها ضباط إماراتيون، مهمة تنفيذ سياسات الإمارات في عدن، وسائر مناطق الجنوب.

في كانون الثاني/يناير من العام الماضي، اندلعت اشتباكات شرسة بين قوات المجلس الانتقالي وألوية الحراسة الرئاسية، وهي قوات جنوبية أسّسها الرئيس هادي منذ العام 2012، ويقودها نجله. راح ضحية تلك الاشتباكات العشرات من الطرفين، ولم تتوقف إلا عبر تدخل السعودية والإمارات، ومطالبة الطرفين بالعودة إلى الثكنات. بدت تلك الاشتباكات مؤشّراً واضحاً على عمق الخلافات بين الكيانات المحلية من جهة، واختلاف استراتيجيات السعودية والإمارات في حربهما في اليمن من جهة أخرى. بعدها، دخلت الأوضاع مرحلة من المناورة بين الطرفين، اتسمت بالاتهامات المتبادلة، وتطورت إلى توترات في شبوة وسقطرى، وبمستوى أقل في مناطق أخرى في الجنوب، بين من تدعمهم أبو ظبي، وبين الموالين للرئيس هادي المدعوم من الرياض.

في نيسان/أبريل 2018، شجعت السعودية الرئيس هادي المتحدّر من محافظة أبين الجنوبية، على تأسيس كيان جنوبي موازٍ للمجلس الانتقالي، فكان الائتلاف الوطني الجنوبي برئاسة أحمد العيسي. بدا تشكيل الائتلاف وكأنه رسالة موجّهة إلى أطراف عدة، مفادها أن القضية الجنوبية لا يمثلها المجلس الانتقالي وحسب، بل ثمة الكثير من الجنوبيين ممن يُعارضون قياداته، ويحملون رؤية سياسية مختلفة. لقد كان ملفتًا كيف أن القيادات التي تصدّرت الائتلاف تتقاسم الخصام التاريخي المناطقي مع بعض قيادات المجلس الانتقالي. هذا الخصام مرتبط بالصدامات العنيفة في جنوب اليمن في حقبة الثمانينيات، أو ما بات يعرف بأحداث 13 كانون الثاني/يناير 1986. وبدت ألوية الحراسة الرئاسية تتواجد في عدن كقوة مناوئة للقوات العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي. تتحكم أبو ظبي والرياض بالقرارات الرئيسة للقوتين، مع هوامش حركة مسموح بها للقادة المحليين في هذه الكيانات العسكرية.

وفي إطار صراع النفوذ بين الدولتين، حاولت الإمارات عرقلة انعقاد جلسات مجلس النواب اليمني في المناطق التي تسيطر عليها، في وقت ترى الرياض أن ديمومة عمل البرلمان مهمة للغاية للحفاظ على ورقة الشرعية، والحجة الأساسية للتدخل في اليمن، ولاسيما إذا واصلت صحة الرئيس هادي تدهورها. في المقابل، ترى أبو ظبي أن خطوة كهذه تكرّس استبعاد وكلائها المحليين، كونهم غير ممثلين في المجلس. من جانب آخر، ترى الخطوة ضمنيًا دعمًا لخصمها اللدود في اليمن، حزب الإصلاح الذي يمتلك أكثر من 40 مقعداً من أصل 301. وفي الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، التي انعقدت في مدينة سيئون، كان حوالى ثلث الأعضاء الحاضرين في مجلس النواب من حزب الإصلاح.

تحولات في مسار حرج

تراكمت الخلافات بين الطرفين، وصار التعبير عنها إعلاميًا يزداد مع مرور الوقت. وبدا تحالف محاربة الحوثيين منقسماً على ذاته. ففي المعارك الأخيرة التي خاضها التحالف ضد الحوثيين، كانت القوات العسكرية التابعة له غير موحدة، إذ ثمة فريقان: قوات تحارب تحت قيادة السعودية، وأخرى تحت إمرة الإمارات. وقد ظهر ذلك جليًا في معارك الساحل الغربي، ومعركة الضالع، رغم أن كلتا المعركتين ضد الحوثيين. كشفت الأحداث التي شهدتها سنوات الحرب الأربع الماضية عن نزاع بارد بين أبو ظبي والرياض من جهة، وصراع ملتهب بين أفرقائهما على الأرض من جهة أخرى. تجدر الإشارةهنا إلى نمط العلاقة التي تجمع كل طرف بحليفه الإقليمي. فالإمارات بمعية قواتها على الأرض، تظهر كطرف صلب، فيما تظهر علاقة حكومة هادي مع السعودية بصورة رخوة. وهذه ربما محاولة من السعودية لأن تلعب دور التوفيق بين الأطراف جميعها، كونها هي من تقود التحالف. لكنها في الوقت ذاته، كانت تعطي الضوء الأخضر لقيادات الشرعية للحديث عن تجاوزات الإمارات غير المقبولة سعوديًا، علمًا أن بعض هؤلاء المسؤولين يقيم في السعودية.

انعكست الأحداث في منطقة الخليج على ملف الحرب في اليمن. ومع تصاعد الهجمات الحوثية ضد السعودية ووصول طيرانها المسيّر إلى العمق السعودي، كمناطقة أبها، وينبع، ومؤخرًا الدمام. ازدادت مخاوف أبو ظبي، التي وجدت نفسها في موقف خطر. فالهجمات الحوثية المحتملة وإن لم تصب، ستخلق حالة من الذعر في الداخل الإماراتي، خصوصًا بعد أن أعلن الحوثيون تطوير مدى وصول طائراتهم المسيرة إلى 2000 كيلومتر. ترافق هذا الأمر مع التباينات الواضحة بينها وبين السعودية، وخلافها الحاد مع الشرعية. هذه الأسباب دفعتها إلى استئناف تواصلها مع إيران، كما بدا جلياً في زيارة مسؤولين إماراتيين إلى طهران في 30 تموز/يوليو الماضي.

في الداخل اليمني، وبحسب مصادر مقرّبة من حركة الحوثيين، أبرمت الإمارات تفاهمات مع الحركة تقضي بوقف التصعيدات العسكرية ضد الحوثيين في منطقة الساحل الغربي، مقابل ألا يستهدف الحوثيون الأراضي الإماراتية. هذا الأمر يفسر ضغط الإمارات على دمج جميع الألوية العسكرية في منطقة الساحل الغربي، ووضعها تحت قيادة مشتركة تتحكم الإمارات بشؤونها. لعل هذه الأسباب هي ما دفع الإمارات في الشهر الماضي إلى نشر تسريبات تتحدث عن خفض وإعادة تموضع قواتها في اليمن، وتبنّي ما سمّته بـ"استراتيجية السلام أولاً".

حاول مسؤولون سعوديون ثني الإمارات عن هذا القرار، لكن جهودهم لم تفلح. فقد بدت خطوة الإمارات كرسالة احتجاجية موجّهة إلى العديد من الأطراف، أبرزها السعودية والحكومة الشرعية، تكشف عدم قبولها بنمط إدارة التحالف في اليمن. لكنها لوّحت في الوقت نفسه بأنها لن تترك حلفاءها المحليين. وقد ظهر هذا الأمر كما لو أنها تريد التحرر من قيود التحالف التي تكبّلها، بهدف تبني موقف مستقل يتيح لها إعادة ترتيب قائمة الشركاء والخصوم في اليمن. في المقابل، بدت السعودية في موقف حرج للغاية، محليًا وإقليميًا. فبعد مغادرة قطر التحالف في حزيران/يونيو 2017، على إثر الأزمة الخليجية، وتصاعد الانتقادات الدولية ضد حلفها، قرر آخر حلفائها الفعليين في حربها في اليمن تركها وحيدة بعد مرور قرابة 55 شهرًا من الحرب.

بدت السعودية وكأنها فرّطت في الحليف الأخير والأهم، من خلال سلوكها وسلوك الحكومة التي تدعمها. فقد دفعت الرياض، في محاولة لاسترضاء الإمارات، مسؤولين يمنيين من الشرعية إلى زيارة أبو ظبي، من ضمنهم رئيس الوزراء معين عبد الملك، ورئيس مجلس النواب سلطان البركاني. لكن هذه الخطوة بدت بلا فائدة. في المقابل، زادت حدة مطالبة المجلس الانتقالي بطرد الشرعية من الجنوب، محتجًا على استبعاده من مشاورات السلام التي يقودها المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن مارتن غريفيث. كما عززت أبو ظبي تواجد القوات الموالية لها في مناطق مختلفة في الجنوب، من ضمنها عدن، وشبوة، وجزيرة سقطرى. وهذه رسالة واضحة مفادها أن الكيانات المحلية الموالية للإمارات لن تقبل بوجود شرعية معادية لأبو ظبي. دوليًا، ظهرت الإمارات كما لو انها تنصّلت من تبعات الحرب في اليمن، وجيّرت كل الانتهاكات لحساب شريكتها. هذه التطورات أربكت السعودية، وجعلتها تبحث عن وسيلة لإعادة الإمارات إلى خندق التحالف.

هزيمة الشرعية في عدن كثمن للعودة

على الرغم من التوترات المستمرة بين ألوية الحراسة الرئاسية وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، ومظاهر الحشد المستمر التي كانت تُنبئ بانفجار الأوضاع في أي لحظة، إلا أن حادثة معسكر الجلاء في عدن ساهمت بشكل كبير في تطور الأحداث. ففي الأول من شهر آب/أغسطس الحالي، تبنّى الحوثيون إطلاق صاروخ بالستي خلال عرض عسكري، في معسكر الجلاء. أدى الحادث إلى مقتل حوالى 30 جندياً، من بينهم القيادي الأبرز في الحزام الأمني، والمسؤول عن تأمين المناطق المحيطة للقاعدة الإماراتية في عدن، العميد منير اليافعي الملقب بـ"أبو اليمامة". دفعت هذه الحادثة "الانتقالي" إلى تصعيد غير مسبوق ضد الشرعية، ورفع مطالب الانفصال. وترافق ذلك مع حملة طرد وتهجير عشوائي للمئات من المواطنين المتحدّرين من المناطق الشمالية، واتهامهم بتقديم معلومات للحوثيين عن القادة الجنوبيين.

تطورت الأحداث بشكل متسارع في عدن. وفي الوقت الذي كان رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي في أبو ظبي، أعلن نائبه هاني بن بريك النفير العام والزحف إلى القصر الرئاسي في عدن. فاندلعت على إثره اشتباكات واسعة في مختلف مديريات مدينة عدن بين قواته وقوات الحرس الرئاسي. وقد اتهمت الحكومة اليمنية دولة الإمارات بتنفيذ انقلاب عسكري في الجنوب شبيه بالانقلاب الحوثي الذي بمبرّر محاربته تدخّل التحالف. ورفع المجلس الانتقالي شعار تطهير الجنوب من "الشرعية" التي يتهمها بالولاء والخضوع لحزب الإصلاح، في إشارة إلى المسؤولين الحكوميين المحسوبين على الحزب. وفي اليوم الرابع من المواجهات، تدخلت السعودية وسحبت وزير الداخلية اليمني، أحمد الميسري، الذي كان يقود المواجهات ضد المجلس الانتقالي، ما أدى إلى سيطرة الأخير على القصر الرئاسي في عدن. في حديثه قُبيل مغادرته إلى الرياض، أقرّ الميسري بالهزيمة، واشتكى من خذلان السعودية، وبارك للإمارات نجاح ما سمّاه "الانقلاب العسكري في الجنوب".

على الرغم من الهزيمة التي مُنيت بها الحكومة الشرعية، والتي حوّلتها إلى كيان بلا عاصمة، ظهر الأمر وكأن الرياض متواطئة مع ما حصل للقوات التابعة للشرعية. فالرياض بدت وكأنها تراجعت خطوةً إلى الخلف بغية استرضاء أبو ظبي، وإعادتها إلى العمل في إطار التحالف. كانت هذه السياسة واضحة من خلال عدم التدخل لمساعدة ألوية الحراسة الرئاسية، والاكتفاء بسحب الضباط الموالين لها في اللحظات الأخيرة للمواجهات، كما عكس ذلك بيانها الصادر عقب الأحداث، الذي طالب الجميع بالعمل على حل الخلافات عبر الحوار. في المقابل، لاقت أحداث عدن ارتياحاً كبيراً لدى الامارات، التي ظهرت وكأنها استطاعت أن تتخلّص من وجود عسكري كان يهدّد مصالحها في الجنوب. وفور إكماله السيطرة على عدن، والاستيلاء على معسكرات الشرعية، طرأ تغيير في خطاب "المجلس الانتقالي": من إعلان الانفصال، إلى التمسك بالمسار السياسي والالتزام بشرعية الرئيس هادي والوقوف إلى جانب التحالف.

بدت أحداث عدن كهدية قدمتها الرياض إلى أبو ظبي، نظير العودة إلى التحالف. فقد أدركت السعودية أن موقف الإمارات بتبني استراتيجية مغايرة كليًا لاستراتيجيتها، سيعقّد مهمة إدارتها للشأن اليمني، ويزيد من الضغوط الإقليمية والدولية ضدها. كما أن المعسكرات الجنوبية التي أنشأتها الإمارات لن تمتثل إلى سياسة السعودية، بل ستعمل على تقويضها، وستبقى موالية بشكل كامل للإمارات، ما سيجعل الرياض في مواجهة مفتوحة مع مقاتلي المجلس الانتقالي في الجنوب، بالإضافة إلى مقاتلي الحوثي في الشمال. من زاوية أخرى، بدت السعودية مقتنعة بفكرة إعادة النظر في الحكومة الشرعية، وتحديداً إزاحة بعض القيادات التي دخلت في صراع مع الإمارات، ووجّهت انتقادات مباشرة وغير مباشرة للسعودية أيضًا.

من شأن السماح للمجلس الانتقالي بالسيطرة على عدن أن يحسّن علاقة المجلس الانتقالي بالسعودية، ويتيح للأخيرة تمرير المطالبات بإقالة بعض القياديين المحسوبين على حزب الإصلاح، والموجودين في الحكومة الشرعية، والذين تتهمهم الإمارات بالولاء لقطر. فمنذ خروج قطر من التحالف واتخاذها موقفاً معادياً للدولتين في حربهما في اليمن، عمدت الإمارات إلى المطالبة بإقالة قيادات حزب الإصلاح، على الرغم من موقف الأخير الناقد لتوجه قطر. ومع محاولات السعودية لملمة حزب المؤتمر الشعبي العام حاليًا، فإنها ستسعى إلى استبدال العديد من الشخصيات المنتمية للإصلاح بشخصيات من حزب المؤتمر، تحظى بقدر من القبول لدى الإمارات.

من جهة أخرى، وعلى الرغم من الانتقادات غير المباشرة التي وجهها بعض المسؤولين السعوديين للإمارات بسبب تقاربها مع إيران، ربما تُفضي إعادة ترتيب العلاقات بين الرياض وأبو ظبي إلى استثمار سعودي في هذا التقارب. وقد يساعد هذا التقارب أيضاً في تحقيق تسوية سياسية، وإنجاح الاتصالات السعودية غير المعلنة مع الحوثيين الذين ما زالوا يسيطرون على معظم مناطق الشمال اليمني، بما يضمن تأمين الحدود اليمنية السعودية. في الشق الآخر من الحدود اليمنية، وتحديدًا في محافظة المهرة الواقعة تحت سيطرة السعودية، ستضمن الرياض عدم نشوء معارضة من الكيانات الجنوبية التابعة للإمارات ضد سياسات السعودية في هذه المحافظة الحدودية.

بالنسبة إلى الإمارات، فقد كانت زيارة الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، للسعودية، بعد الأحداث التي شهدتها عدن، ولقاؤه الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان، مؤشراً على رضى الإمارات عن الموقف السعودي تجاه الحركة التصحيحية في عدن، التي قد تسهم في إعادة حيوية التحالف. في المقابل، لا تريد الامارات سوى ضمان سيطرتها على الأرض، بما يحقق مصالحها الاقتصادية في مرافئ الجنوب، وخطوط الملاحة البحرية بالقرب من مضيق باب المندب، مع حرصها على الحضور الاسمي للشرعية كونها الكيان المعترف به دوليًا. كما لن يتحقق إعلان الاستقلال في الجنوب بسهولة، فهي عملية تبدو معقّدة، أقلّه من الناحية الفنية والقانونية. وتبدو الصيغة الحالية التي ظهرت بها الإمارات والكيانات التابعة لها جيدة من الناحية العملية. فليس هناك مسؤولية في تقديم الخدمات العامة، كونها من اختصاص الحكومة الشرعية، لكن لا صوت يعلو فوق صوتها إن أرادت تمرير أي سياسة في هذه المناطق.

يتوافق ما حصل مع رغبة العديد من القوى الدولية، التي تتبنّى محاربة التنظيمات الإرهابية في اليمن، سواء تنظيم القاعدة أو داعش. ومن شأن تبنّي الرياض وأبو ظبي استراتيجية مشتركة في محاربة هذه التنظيمات، أن يفضي إلى نتائج على الأرض، تضمن إضعافها وعدم تمدّدها. وتجدر الإشارة إلى أن الفترة الأخيرة أظهرت تنافسًا واضحًا بين كلا الدولتين في الحديث عن مكافحة هذه التنظيمات في اليمن، للظهور أمام الأطراف الدولية على أنهما يمكن الاعتماد عليهما.

خاتمة

يدرك محمد بن سلمان أنه لا تزال في جعبة محمد بن زايد الكثير من الأوراق التي يحتاجها، سواء يمنيًا، أو إقليميًا، أو دوليًا، وأنه لا بد من التمسك بالشراكة مع الإمارات خلال هذه الفترة. في المقابل، ترى الإمارات، بعد أن أصبحت القوة الوحيدة في سواحل عدن، أن مصالحها يمكن أن تتحقق بشكل أفضل وبأكلاف أقل، مع بقائها في تحالف مع السعودية، وأن مشاركتها مع السعودية ستضمن لها عدم لجوء الشرعية اليمنية إلى التصعيد ضدها في الجنوب، أو الشكوى للمؤسسات الدولية. وهذا سيتيح لها تحقيق مصالحها من دون معارضة. لكن يبقى السؤال الأهم: هل يستمر الوفاق السعودي الإماراتي في اليمن؟ أم ستتحول هذه الخطوة بعد حين إلى كبوة جديدة؟

أما على المستوى المحلّي، فقد باتت الشرعية في موقف أضعف بكثير من ذي قبل، الأمر الذي سيتيح للسعودية التحكم بها بشكل أكبر. ومع دعوة السعودية المجلسَ الانتقالي والشرعية إلى عقد قمة في مدينة جدة السعودية للتباحث حول القضايا الشائكة، لا يبدو أن الطرفين سيذهبان إلى أبعد من مستوى تقاسم الهامش، أقلّه في الوقت الحالي.