وقّعت حكومة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي والمجلس الانتقالي الجنوبي اتفاقاً في العاصمة السعودية الرياض، لنزع فتيل الأزمة في المحافظات الواقعة في جنوب اليمن. وبالرغم من الاتفاق قد يقدم حلولاً لخفض التوترات العسكرية في الجنوب، إلا أنه يبدو كخطة لتقاسم النفوذ في اليمن، بين السعودية والإمارات العربية المتحدة، من خلال الأطراف التي تتصرف بالوكالة عن كلٍّ من البلدَين. وفي الوقت نفسه، فإن نصوص الاتفاق المُبهمة تحمل بذور مزيد من الانقسامات بين الفرقاء اليمنييّن، تجعل منه مقدمة لصراع جديد.

ليس الاتفاق فقط ثمرة عمليةٍ تفاوضية استمرت بضعة أسابيع بين الأفرقاء اليمنيين، بل إنه جزءٌ من تفاهم أوسع بين الرياض وأبو ظبي. إذ يأتي كنتيجة للجهود التي تولاّها نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان الذي أصبح، منذ آذار/مارس الماضي، المسؤول السعودي المكلّف بمتابعة الملف اليمني. حتى المواجهة الكبيرة في عدن في آب/أغسطس الماضي بين الانفصاليين الجنوبيين وحكومة هادي، بدت كخطوة توجّب حدوثها لإعادة رسم خارطة السيطرة في الجنوب، بهدف تمهيد الطريق للتوصل إلى اتفاق الرياض. ولعل ذلك يُفسّر خطة إعادة الانتشار التي نفّذتها الإمارات في الجنوب في ذلك الوقت، والتي اُعتمدت فيها ما اطلقت عليه أبو ظبي "استراتيجية السلام أولاً".

فبعد مرور أكثر من أربع سنوات على اندلاع النزاع، باتت السعودية والإمارات أكثر اقتناعاً من أي وقت مضى بضرورة إنهاء الحرب اليمنية الباهظة الثمن، ولاسيما مع تزايد الانتقادات الدولية لما تسبّب به التحالف العربي من سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في صفوف المدنيين. وأيضًا، على إثر الهجمات التي شنّها تنظيم أنصار الله المعروف بالحوثيين ضد أهدافٍ سعودية. فقد دفع ذلك بالدولتَين الشريكتَين في التحالف العربي إلى البحث عن مقاربة جديدة لتنظيم الأمور بين الفصائل المنضوية إلى جانبهما، بما يؤدّي إلى ترتيب نطاق النفوذ التابعة لكلا البلدَين.

بموجب اتفاق الرياض، يكون المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات جزءاً من الحكومة الشرعية، في حين تُدمَج قواته المسلّحة في القوات التابعة لوزارتَي الدفاع والداخلية في اليمن. ومن خلال مشاركة المجلس الانتقالي الجنوبي، يتيح الاتفاق للإمارات موطئ قدم داخل الحكومة الجديدة. أما السعوديون فسوف يتولّون الإشراف على تنفيذ الاتفاق، سياسياً وميدانياً على السواء. وفي هذا السياق، سحبت الإمارات جنودها من عدن وتُسلّمت السيطرة قوات سعودية.فضلاً عن ذلك، تتولى لجنة سعودية مسؤولية تفسير مواد الاتفاق في حال وقوع سوء فهم.

يتضمن الاتفاق ملحقات تُغطّي الترتيبات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية. وعلى هذا الأساس، تتمحور جميع الخطوات الوارد في هذه الملحقات حول تقسيم السلطات بين الأطراف الموقعة. لكن تمثيل جنوب اليمن وشماله الذي يعتمده الاتفاق، يُشكّل إحدى نقاطه الإشكالية. والسبب هو أن معظم القوى السياسية في اليمن التي تدّعي تمثيل مناطق جغرافية واسعة تفعل ذلك لمجرد أنها تمتلك وسائل التعبئة أو لأنها تحظى بدعم بعض القوى الإقليمية. فمعظم هذه القوى لا تمتلك شرعية لتمثيل المجتمعات أو المناطق التي تدّعي تمثيلها. وهذا ينطبق على الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي والفصائل في حكومة هادي، بما في ذلك حزب الإصلاح. في الواقع، يحصر الاتفاق تطلعات اليمنيين بأحزاب لا تحظى بالضرورة بدعم شعبي واسع في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

ثمة قصور آخر في الاتفاق، وهو عدم اعتماده مقاربة شاملة للحل، شأنه في ذلك شأن جميع الاتفاقات التي وُقِّعت في أعقاب اندلاع الانتفاضة ضد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح في العام 2011. فاتفاق الرياض يتجاهل فصائل عدّة، منها الفصائل الجنوبية غير المنضوية إلى جانب المجلس الانتقالي الجنوبي. ونمط الإقصاء هذا كان واضحاً أيضاً في مبادرة مجلس التعاون الخليجي في تشرين الأول/أكتوبر 2011 واتفاق السلم والشراكة في أيلول/سبتمبر 2014، واتفاق ستوكهولم في كانون الأول/ديسمبر 2018، والتي تجاهلت كثير من القوى والقضايا المهمة. هذه المقاربة يكون مصيرها عادةً الإخفاق ثم اندلاع حرب. فضلاً عن ذلك، من شأن الاتفاق أن يولّد، من خلال تجاهله بعض الأفرقاء، انقسامات لا تنتهي بين الأطراف التي شاركت فيه.

على الجبهة السياسية، يتعلق الاتفاق بالنخب السياسية الراهنة التي نُصّبت لإدارة شؤون البلاد لفترة زمنية غير معلومة. بيد أن هذه النخب فقدت شرعيتها لأن عدداً كبيراً من أفرادها لايزال في منصبه بعد انقضاء ولايته. والحال أن معظم اليمنيين يعتبرون أنهم غير ممثَّلين من المجموعات السياسية في السلطة، والكيانات المقابلة. فعدد كبير من النشطاء السياسيين والمدنيين يُبدي نفوراً متزايداً من الخوض في مضمار السياسة، نظراً لعدم اقتناعه بجدوى الانخراط في الشأن العام في مصل هكذا ظروف. هذا الأمر قد يؤدّي إلى اندلاع احتجاجات شعبيّة عاجلًا أم آجلاً.

ومن شوائب الاتفاق أيضاً أنه يُبقي اليمن تحت وصاية القوى الإقليمية، كونه يُجرّد الدولة تماماً من السيادة. فبنود الاتفاق، بشكل مباشر أو ضمني، تنص على الإشراف التحالف العربي على الحكومة الجديدة التي ستبصر النور نتيجةً لاتفاق الرياض. هذا فضلاً عن أن الاتفاق يُضفي شرعية على الوجود العسكري السعودي-الإماراتي في مناطق يمنية، ومنها محافظة المهرة الواقعة في أقصى الشرق والخاضعة إلى السيطرة السعودية. وهذا يعني أن السعودية والإمارات سوف تحافظان على هامش التحرك الذي يتيح لهما التدخل بشكل أكبر في الشؤون اليمنية الداخلية.

على صعيد آخر، وفي حين كانت الأنظار موجّهة إلى اتفاق الرياض، كان ممثّلو الحوثيين في السعودية وسلطنة عُمان يتفاوضون على اتفاق سلام مع السعوديين من دون مشاركة حكومة هادي. إذا نجحت تلك المفاوضات فإنها على الأرجح ستمنح الحوثيين اعترافاً بهم في موقع السلطة السياسية الأساسية في الشمال، مقابل توقّفهم عن شن هجمات على السعودية. لا يشير اتفاق الرياض لهذه المفاوضات مطلقاً، باستثناء الإشارة إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي سيكون مُمَثَّلاً في محادثات السلام المقبلة بين التحالف الجديد المؤلَّف من هادي والمجلس الانتقالي الجنوبي من جهة، والحوثيين من جهة أخرى.

بعد مرور خمس سنوات على اندلاع الحرب في اليمن، لم يعد الوضع في البلاد شأناً يتعلق باليمنيين فقط. فقد تحوّل إلى نزاع بالوكالة بين القوى الإقليمية. وما يمكن استخلاصه من اتفاق الرياض، هو أنه عندما عجز التحالف العربي عن إنهاء الانقلاب العسكري الحوثي في الشمال، لجأت السعودية والإمارات إلى خطة بديلة عبر إذكاء أزمة سياسية وعسكرية في جنوب اليمن. الأمر الذي أتاح للدولتَين التحول من أطراف رئيسية في الحرب إلى رعاة للسلام بين وكلائهما المحليين، بما يضمن لهما الاحتفاظ بالتأثير والنفوذ.

*تم تعديل النص بناءً على طلب من الكاتب.