المصدر: AHMAD AL-RUBAYE/POOL/AFP via Getty Images

مقال

تآكل صورة العراق كدولة مؤثرة: هل أصبحت الدبلوماسية العراقية رهينة المزاج السياسي للأحزاب المتناحرة؟

السياسة الخارجية للعراق تدفعها الصراعات الداخلية من نخب منقسمة، مليشيات متنافسة، ودولة عاجزة عن توحيد قرارها. تطرح المقالة أسئلة أساسية: كيف تؤثر هذه الانقسامات على قدرة العراق في موازنة النفوذ الأميركي–الإيراني؟ وهل يمكن لنهج "حُسن الجوار" أن يخفّف التوترات الإقليمية؟ وكيف يستطيع العراق تحويل الشراكات والاستثمارات الإقليمية إلى استقرار فعلي؟ وتقدّم المقالة مسارات للحل، أهمها تعزيز مؤسسات الدولة، الحد من نفوذ المليشيات الخارجة عن السيطرة، تحسين الحوكمة، والاستفادة من الشراكات الإقليمية لمعالجة .الأزمات الاقتصادية والأمنية لبناء سياسة خارجية موحدة وثابتة.

 مايك فلييت
نشرت في ٥ يناير ٢٠٢٦

تنويه: تعكس الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال آراء الكاتب وحده، ولا تعبّر عن مواقف أو آراء جهة عمله، حكومة كندا.

مقدمة:

في سعيه لإدارة علاقاته الخارجية مع الدول المجاورة يحاول العراق اتباع سياسة توازن دقيقة1 تؤسس لتوسعة روابطه الإقليمية، بينما تحافظ على انضباط علاقاته مع كل من الولايات المتحدة وإيران، ولكن تلك المساعي الحميدة لا تزال تشوبها الظِلال خاصة في أعقاب انتخابات نوفمبر2025، واستمرار مفاوضات تشكيل الحكومة.  

ويبقى السؤال الجوهري قائماً: كيف يمكن للعراق تحقيق التوازن بين مصالحه الأمنية والإقتصادية وبين علاقاته الخارجية مع شركائه الإقليميين والدوليين؟ 

يسعى هذا المقال لتوضيح توجهات السياسة الخارجية العراقية من خلال طرحٍ يجادل بأن الإنقسامات الداخلية ومشاكل الحوكمة التي يعانيها العراق هي المحرك الأساس للسياسات الخارجية للدولة سواء كانت هذه السياسات أفعالاً أم ردود أفعال، ويقترح المقال أيضاً أن تركيز السياسة الخارجية العراقية في جُلِّهِ ينصبُّ على معالجة التشققات الداخلية في الدولة العراقية، أو على الأقل إحتواءها من خلال تقديم حلول قصيرة الأمد ضمن بيئة سياسية محلية معقدة تتعدد فيها الرؤى وتتضارب فيها مصالح القوى المتنافسة حول تحديد طبيعة الدولة. 

وباختصار يقترح المقال أن الدبلوماسية العراقية لا تحركها إستراتيجيات العلاقات الخارجية، بل يقودها ويقيدها التنافس والتناحر السائد بين الفاعلين السياسيين في الداخل العراقي ومصالح دول أخرى في خارجه.  

ويقترح المقال أيضاً أن العراق في محاولته لموازنة جميع هذه الضغوط قرر أن يتبنى ما يعرف بنموذج "حُسن الجوار" في علاقاته الخارجية كمنهاج يستهدف تنويع العلاقات الاقتصادية والأمنية للعراق في المنطقة، ويسعى لخفض التصعيد الإقليمي، وموازنة مصالح القوى المتنافسة، ومنع التدخلات الخارجية، ويجدر بنا التنويه هنا أن هذا النموذج ما هو إلا توصيف تحليلي وليس سياسة رسمية معتمدة من قبل الحكومة العراقية. 

وعلى الرغم من أن هذه الجهود ليست جديدة بالكلية، إذ سعى العراق منذ عام 2003 إلى تحقيق توازن مستمر في علاقاته مع كل من الولايات المتحدة وإيران في محاولة لخفض التصعيد على المستوى الإقليمي وموازنة مصالح القوى المختلفة، ومنع التدخل الأجنبي، فإن الانفتاح الإقليمي الذي يقوده رئيس الوزراء العراقي بالوكالة محمد شياع السوداني عبر نسج علاقات اقتصادية وأمنية جديدة مع دول الخليج يعكس تطورًا في الطريقة التي يسعى بها العراق إلى إعادة تموضعه الإقليمي، ومع ذلك لا يزال تباين مصالح النخب السياسية ولا سيما فيما يتعلق بمعادلة التوازن بين الولايات المتحدة وإيران، يؤثر في هذه الأهداف الخارجية بل ويهددها أحيانًا إذا ما تعارض مع المصالح الداخلية. 

ولتوضيح الكيفية التي تؤثر بها حالة التشرذم الداخلي في العراق على سياسته الخارجية، سيبدأ هذا المقال أولًا بدراسة جهود العراق في احتواء وموازنة الثنائية الإيرانية الأميركية، وهي جهود رد فعلية في مجملها، وثانياً سيتناول المقال سياسة العراق الخارجية القائمة على نموذج "حُسن الجوار" في التعامل مع بعض الجماعات المعارضة التي تعمل من داخل الأراضي العراقية، إضافة إلى إستراتيجيته في مكافحة المخدرات، وأخيرًا سيحلل المقال كيف دفعت الاحتياجات الداخلية المرتبطة بالاستثمار والبنية التحتية الحكومة العراقية إلى تبني إستراتيجية تسعى إلى إعادة دمج الدولة في محيطها الإقليمي.

إنقسامات الداخل ترسم سياسة العراق الخارجية: 

من أهم التحديات التي تستنفذ جهود الحكومة العراقية هو تناحر المجموعات السياسية والعسكرية المحلية، وعلى الرغم من أن تنافس الأحزاب السياسية فيما بينها وتقلب العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية يعتبر من أهم عناصر المشهد السياسي العراقي حالياً، إلا أن الإشكالية الأبرز هي الميليشيات المسلحة المرابطة على الأراضي العراقية، ولا سيما تلك الموالية لإيران كونها تؤثر على علاقات العراق سواء مع الولايات المتحدة الأمريكية أو مع دول الجوار في المنطقة، ويتمتع العديد من هذه الميليشيات مثل كتائب حزب الله ومنظمة بدر وعصائب أهل الحق بنفوذ سياسي واسع سواء بشكل رسمي من خلال تمثيلها في البرلمان أو بشكل غير رسمي عبر قنوات موازية.  

والحقيقة أن هذه التحديات الداخلية لا تعوق من قدرة العراق على بناء علاقات عميقة مع الولايات المتحدة ودول المنطقة وحسب، بل تزيد من صعوبة بناء الثقة التي يستلزمها التعاون الأمني وتحتاجها الإستثمارات وتعتمد عليها الدولة في تلافي العقوبات الدولية التي من شأنها أن تزيد من هشاشة الإقتصاد العراقي الضعيف أصلاً.   

وقد سعت الحكومة العراقية سعياً حثيثاً لإرساء بذور الإستقرار وخفض إحتمالات المخاطر خاصة في أعقاب الهزيمة الكبيرة التي تلقاها تنظيم داعش على أراضيها، وطالبت الحكومة بإنهاء عمل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش باعتبار أنه لم تعد هناك حاجة لعملية منفصلة داخل العراق تستدعي وجود قوات أميركية على أراضيه،  وترتب على ذلك إنطلاق مسار عام 2024 الهادف لإنهاء التحالف بالتوازي مع التفاوض على إطار أمني ثنائي جديد،  ومن الواضح أن العراق كان يأمل من خلال تقليص الوجود العسكري الأميركي أن يجرد الجماعات المسلحة الموالية لإيران من إحدى أهم ذرائعها وبذلك يخفف من مستوى المخاطر التي قد تواجهها البلاد من الجانب الأمريكي في حال قرر الرد على استهداف هذه الميليشيات لقواته.

غير أن منظور الحكومة العراقية للوجود الأميركي تغيّر بشكل ملحوظ بعد انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024، فبينما كانت حكومة محمد شياع السوداني تدفع بهدوء في إتجاه الحفاظ على الدعم الأمني الأميركي بحلول سبتمبر 2024، فإن حسابات الفصائل الأكثر تشككًا توجهت خلال عام 2025 نحو تبني نهجٍ براغماتي في التعامل مع الولايات المتحدة، وهو ما أثار حفيظة الحكومة العراقية التي تخوفت من عودة تنظيم داعش.

وخلال عام 2025، تحولت العلاقات العراقية السورية إلى علاقة حذرة وشهدت لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بنظيره السوري أحمد الشرع في الدوحة في أبريل 2025، ورغم أن بعض الفصائل في العراق واصلت تبني موقفها المتشدد تجاه التحالف الدولي، فإن التوافق العام ولا سيما داخل الإطار التنسيقي للقوى الشيعية في العراق اتجه نحو الإنخراط البراغماتي مع الولايات المتحدة.

كان هذا التحول واضحاً خلال اجتماع عُقد في ديسمبر 2025 بين نوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون وجوشوا هاريس القائم بالأعمال في السفارة الأميركية ببغداد، حيث شدّد المالكي على التزام الإطار التنسيقي بالحكم الرشيد وأهمية العلاقات الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة.

والواقع أن الإطار التنسيقي، بما يشهده من خلافات وانشقاقات داخلية حول تموضع العراق بين الولايات المتحدة وإيران، هو في ذاته صورة مصغرة لما يعانيه العراق من إنقسامات تعوق من قدرته على تبني موقف موحد في سياساته الخارجية تجاه البلدين، ويتجلى ذلك بوضوح في وجود فصائل تعمل من داخل مؤسسات الدولة وأخرى تعمل خارج سلطتها، ما يسلّط الضوء على القصور الجوهري في سيادة الدولة العراقية وسيطرتها على استخدام العنف.

وفي حين تسعى الحكومة العراقية إلى توطيد علاقاتها مع الولايات المتحدة وتحقيق توازن في هذه العلاقات، تعمل بعض الجماعات الموالية لإيران في المقابل على حماية مصالحها الخاصة وعرقلة هذه الجهود سواء بدوافع داخلية أو أيديولوجية.

ولعل حالة الهدوء النسبي التي سادت عام 2025 بين الجماعات المسلحة الموالية لإيران والمتورطة مع ما يُعرف ب " المقاومة الإسلامية في العراق"2 لم تكن ناتجة فقط عن تصاعد ضغوط الحكومة العراقية عليها لوقف ما تمارسه من هجمات قد تجر البلاد إلى حرب لا طاقة لها بها، بل نتجت أيضاً – إلى حد كبير– عن التهديدات الصريحة من الولايات المتحدة الأمريكية باستهداف هذه الجماعات في حال استأنفت هجماتها على إسرائيل أو على القوات الأميركية.

وعلى سبيل المثال، أبلغت الولايات المتحدة بغداد قبيل "حرب الإثني عشر يوما" في  يونيو2025 بأنها منعت ضربة إسرائيلية على العراق وبادرت بتحذير السوداني من العواقب التي ستترتب في حال ردّت الجماعات المسلحة الموالية لإيران على الهجمات على الرغم من ضبابية الموقف فيما يتعلق بالمُسيّرات التي استهدفت مواقع عسكرية عراقية وتسببت في خسائر وأضرار بأنظمة الرادار التابعة للجيش العراقي. 

وبعد انتهاء الحرب شدد الإطار التنسيقي على أن الميليشيات العراقية والتي تنتمي بعض هذه الجماعات إليها امتنعت عن اتخاذ أي خطوات عدائية ضد إسرائيل أو الولايات المتحدة تفاديًا لتصعيد قد يؤدي بالبلاد إلى نتائج كارثية، وأوضح الإطار التنسيقي أن هذا الموقف جاء نتيجة تفاهم تم التوصل إليه مع حكومة السوداني لمعالجة المخاطر القائمة، كما أشارت تقارير إلى أن إيران بدورها قد ثبّطت من عزم ميليشياتها على الإنخراط في القتال خلال الحرب. 

ومع ذلك، فإن حقيقة اضطرار حكومة السوداني إلى إبرام تفاهم مع الجماعات المسلحة الموالية لإيران بشأن استخدام القوة من داخل الأراضي العراقية يكشف بوضوح عمق الإنقسامات الداخلية في العراق والصعوبات البنيوية التي تواجهها الدولة في سعيها إلى موازنة علاقاتها الخارجية. 

وأخيراً، في الثاني من نوفمبر صرّح وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي، خلال مقابلة مع وسائل إعلام محلية، بأن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ألمح في اتصال هاتفي إلى "عمليات عسكرية وشيكة" في المنطقة يُرجَّح ارتباطها بالصراع الإسرائيلي الإيراني وبحسب العباسي حذّر هيغسيث العراق بشكل صريح من إنخراط أي فصيل مسلح مدعوم من إيران في أي عمل عسكري ضد إسرائيل. 

وفي حين أدانت وزارة الخارجية الإيرانية هذا التواصل واعتبرته "تدخلًا أميركيًا" في الانتخابات العراقية المقررة في 11 نوفمبر، أصدرت وزارة الخارجية العراقية بيانًا في 10 نوفمبر وصفت فيه الرد الإيراني بأنه بالمثل تدخل غير مقبول في الشؤون الداخلية العراقية، ويُبرز هذا المشهد بوضوح معادلة التوازن الدقيق التي تحاول الحكومة العراقية إدارتها بين الولايات المتحدة وإيران، ويُبرز أيضاً كيف تسيطر سياسة "ردود الأفعال" على العلاقات الخارجية العراقية في ظل استمرار فاعلين داخليين منفلتين في تقويض مسار تطوير هذه العلاقات.

سياسة "حسن الجوار":  

ظهرت عدة عوامل رئيسة في سياسة العراق الخارجية القائمة على حُسن الجوار خلال عامي 2024 و2025.

وبرز هذا التوجه بشكل خاص في المبادرات الثلاث التالية:

  1. التعاون مع تركيا لمواجهة نشاط مقاتلي حزب العمال الكردستاني في العراق.
  2. التعاون مع إيران لمواجهة نشاط مقاتلي حزب الحياة الحرة الكردستاني في العراق.
  3. تكثيف الجهود المحلية والإقليمية في مجال مكافحة المخدرات.

وجاءت سياسة حسن الجوار لتركز إبتداءً على ملفات بعينها يمكن للعراق أن يؤثر فيها تأثيراً مباشراً، فعلى عكس الجماعات المسلحة الموالية لإيران، التي تمثل تحديًا أعمق وأكثر تعقيدًا، جاءت محاولات العراق للضغط على الجماعات المحلية المعارضة التي تقود هجمات من أراضيه ضد دول الجوار بالإضافة إلى جهوده في عمليات مكافحة المخدرات بمثابة إشارة مفادها أن العراق يسعى إلى الإلتزام بدوره كجارٍ جيدٍ في الإقليم.

ومع ذلك، ولا سيما فيما يتعلق بتعامل الحكومة العراقية مع حزب العمال وحزب الحياة الحرة الكردستانيين، تظل محاولات الدولة للسيطرة على كليهما محكومةً بمصالح دول خارجية، وتحديدًا تركيا وإيران، وعلى الرغم من أن بغداد تلتحف بعباءة الأعراف الدولية لتبرر ضغوطها على هاتين الجماعتين وغيرهما من الجماعات المصنفة دولياً كإرهابية والتي تطلق شرورها على دول الجوار بلا احترام للسيادة العراقية على أراضيها، إلا أن منطقها هذا يفقد تماسكه عندما تتوانى عن تطبيقه على الجماعات المسلحة الموالية لإيران والتي صنفتها الولايات المتحدة الأمريكية كجماعات إرهابية والتي نفذت بدورها هجمات على عدة دول في المنطقة.

التعامل مع حزب العمال الكردستاني:

تمثل قضية حزب العمال الكردستاني – وهي القضية التي عجز العراق عن إدارتها بكفاءة على مدى عقود طويلة –واحدةً من أبرز التحولات في العلاقات السياسية بين العراق وتركيا، فبحسب الحكومة العراقية استغلت تركيا وجود الحزب داخل الأراضي العراقية لتبرر تنفيذ ضربات جوية داخل العراق، وبعد محادثات رفيعة المستوى بين مسؤولين عراقيين وأتراك عُقدت في بغداد عام 2024، أقدمت الحكومة العراقية على حظر حزب العمال الكردستاني والأحزاب المرتبطة به داخل البلاد، وسعت بالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان إلى دفع مقاتلي الحزب نحو معسكرات مخصصة لنزع السلاح.

وتبع ذلك قيام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة بغداد للمرة الأولى منذ عام 2011، في خطوة عكست تنامي العلاقات بين البلدين، ومع ذلك، لا يزال التعامل مع ملف حزب العمال الكردستاني داخل العراق بالغ التعقيد، ولا سيما في مناطق مثل سنجار، حيث تتداخل أدوار حزب العمال الكردستاني، وقوات الحشد الشعبي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والقوات الأمنية العراقية، والفاعلين المحليين من الإيزيديين، ضمن شبكة أمنية شديدة التعقيد تتنافس على النفوذ والسيطرة، ويزيد من تعقيدها تعثر اتفاق سنجار.

التعامل مع حزب الحياة الحرة الكردستاني:

في 11 أغسطس 2025، التقى السيد علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في زيارة قام بها إلى بغداد بكل من قاسم الأعرجي، مستشار الأمن القومي العراقي، ومحمود المشهداني، رئيس مجلس النواب العراقي، وعبد اللطيف رشيد، رئيس الجمهورية العراقية، ومحمد شياع السوداني، رئيس مجلس الوزراء، وخلال الزيارة، وقّع العراق وإيران مذكرة تفاهم بشأن التعاون في أمن الحدود، تهدف إلى تعزيز التنسيق الأمني والإستخباراتي وتنفيذ دوريات مشتركة في المناطق الحدودية.

وجاءت هذه المذكرة إستنادًا إلى اتفاق الأمن المشترك الموقّع في 19 مارس 2023، والمتعلق بأمن الحدود والإجراءات الرامية إلى تحييد المعارضة الكردية الإيرانية في الإقليم، كما جاءت زيارة توقيع مذكرة التفاهم في أعقاب هجمات يُرجّح أن حزب الحياة الحرة الكردستاني نفذها داخل إيران انطلاقًا من قواعد في إقليم كردستان العراق في أواخر يوليو 2025، وعلى غرار الحالة السابقة، كان الهدف الأساسي في هذا التعاون الخارجي تجنب أي احتمالية لضربات إيرانية على الأراضي العراقية في حال نفذ مسلحون أي هجمات عابرة للحدود.

 جهود مكافحة المخدرات:

بدأت حكومة محمد شياع السوداني في تكثيف الجهود الرامية لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في العراق، وهي جهود أسفرت عن زيادة ملحوظة في العمليات التي تستهدف شبكات الإتجار بالمخدرات خلال عامي 2024 و2025، ففي الربع الأول من عام 2025، أعلنت المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية تسجيل 3006 حالات إعتقال وإصدار 973 حكم إدانة، كما صادرت السلطات أكثر من 2.166 طن من المواد غير المشروعة، من بينها 1.538 طن ضُبِطَت بموجب أوامر قضائية صادرة عن محكمة التحقيق المركزية في الرصافة.

ومع تعزيز العراق لجهوده في مكافحة تجارة المخدرات، احتلت مديرية مكافحة المخدرات العراقية المرتبة الثالثة عالمياً في مكافحة المخدرات وفق تصنيف قمة الشرطة العالمية لعام 2024 في دبي، كما استثمر العراق هذه الجهود لتعزيز علاقاته مع دول الجوار، ولا سيما المملكة العربية السعودية، ففي 16 مارس 2025، نفذت السلطات العراقية عملية لمكافحة المخدرات استندت إلى معلومات إستخبارية قدمتها وزارة الداخلية السعودية، وفي قضية منفصلة، أعلنت وزارة الداخلية العراقية ضبط نحو 1.1 طن من حبوب الكبتاغون المهربة من سوريا، حيث أكد مسؤولون عراقيون أن العملية نُفذت بدعم ومعلومات إستخبارية من المديرية العامة لمكافحة المخدرات في السعودية.

ولكن وعلى الرغم مما حققه العراق من تقدم في مجال مكافحة المخدرات تظل جهوده رهينة تهديدات الجماعات المسلحة الغارقة في مستنقعات الإقتصاد غير المشروع والتي تعمل من داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما مع شروع هذه الجماعات في إعادة بناء شبكات الإتجار بالمخدرات التي تعطلت عقب سقوط نظام الأسد، ويشكّل ذلك تحديًا إضافيًا أمام علاقات العراق مع دول الجوار رغم المساعي المستمرة لتعزيز تلك العلاقات.

الإقتصاد والإستثمار وأثر الإحتياجات الداخلية على السياسة الخارجية:

في محاولة لاستثمار الثقة التي أرستها سياسة حُسن الجوار بين العراق وجواره الإقليمي، سعت حكومة السوداني لاستقطاب الإستثمارات الخارجية لتوفير احتياجاتها من الموارد ولمعالجة التحديات الإقتصادية والبنيوية الداخلية، وهي مشكلات أساسية تثقل كاهل الدولة العراقية، وفي هذا السياق بذلت الحكومة جهودًا كبيرة لتعزيز علاقاتها مع دول الإقليم من خلال إبرام سلسلة من مذكرات التفاهم – في عامي 2024 و2025– ركزت على التعاون الأمني والإستثمار الإقتصادي وغيرها من القطاعات الحيوية، وجاء هذا التوجه ليدعم محاولات العراق الوليدة لتنويع علاقاته الإقليمية بشكل يساعد على اندماجه مع أشقائه المحيطين وتحقيق توازن مستدام في علاقاته الخارجية، بعد أن كانت هذه العلاقات قد تعثرت سابقًا بفعل الصراعات الداخلية والانطباعات السياسية.

على سبيل المثال، جاء مشروع " طريق التنمية" الذي تم توقيع إطاره التنفيذي في 2024 بين العراق وتركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة، ليقدم للعراق فرصة مهمة للتعاون الإقليمي وتحقيق فوائد مشتركة للمنطقة بأكملها، ويهدف المشروع الذي تقدر تكلفته ب 17 مليار دولار إلى بناء خط بري وخط سكة حديد على طول 1200 كيلومتر يمتد من ميناء الفاو الكبير في البصرة مرورًا بالديوانية والنجف وكربلاء وبغداد والموصل، وصولًا إلى الأراضي التركية، ويهدف هذا المسار إلى تعزيز موقع العراق كمحور لمرور البضائع بين أسواق الشرق الأقصى والشرق الأوسط وأوروبا، كما وقّع العراق اتفاقية نفط مقابل الماء مع تركيا لدعم مشاريع البنية التحتية المائية، وذلك في أعقاب استئناف تصدير النفط عبر خط أنابيب كركوك جيهان.

كما وقّعت الحكومة العراقية مذكرات تفاهم مع سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والكويت والأردن، شملت طيفًا واسعًا من القطاعات، من بينها استثمارات القطاع الخاص، والتجارة، والصحة، وتبادل المعلومات الإستخبارية، ومكافحة المخدرات، وقطاع الكهرباء، وتطوير النفط، والغاز.

أما بالنسبة للعلاقات العراقية الصينية فهي تواصل ازدهارها، وعلى سبيل المثال يأتي ما بين 50 إلى 67 في المئة من إنتاج النفط العراقي من حقول تشارك فيها شركات صينية، ومنذ عام 2019 أسهمت محطات توليد الكهرباء التي شيدتها الصين بنحو نصف إمدادات العراق من الكهرباء حيث نُفّذ العديد من هذه المشاريع ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق التي انضم إليها العراق عام 2015، كما يشهد التبادل التجاري بين العراق والصين نموًا متواصلًا إذ صدّرت الصين بضائع بقيمة 8.8 مليارات دولار إلى العراق في الربع الأول من عام 2025، مقارنة بمليار دولار فقط خلال الفترة نفسها من عام 2024.

ومع ذلك، وعلى الرغم من سعي الصين إلى تطوير حضورها الأمني والدبلوماسي عبر مبادرة الأمن العالمي ومنتدى التعاون بين الصين والدول العربية، فإنها لا تستطيع مضاهاة الضمانات الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة في الوقت الراهن، ولا تعويض الأثر المحتمل للعقوبات الأميركية على العراق، ومع ذلك، تبقى الصين شريكًا مفضلًا لدى النخب العراقية التي تراها شريكًا موثوقًا لا يزُج بنفسه في دواخل الشأن العراقي ويمكن التنبؤ بتحركاته إلى حد ما والأهم أنه يركز على إبرام صفقات إقتصادية ذات منفعة متبادلة. 

 والحقيقة أن كل هذه المحاولات الدبلوماسية التي تشمل مذكرات التفاهم والإتفاقات الدولية وغيرها،  والتي تهدف بوضوح إلى بناء علاقات إقليمية تساعد العراق على معالجة التحديات الداخلية المتعددة وعلى رأسها ضعف البنية التحتية وقلة فرص العمل المتاحة، فإن تنفيذ هذه المساعي ونجاحها يظل مرهوناً بقدرة الحكومة المستقبلية على استثمار هذه المكاسب والبناء عليها والاستفادة منها والأهم من ذلك بمدى قدرة الدولة على مواجهة استشراء الفساد وضبابية بيئة الأعمال وخطورة المجموعات العسكرية العاملة في البلاد. 

الخاتمة:

من أجل تحقيق الأمن والاستقرار الداخلي المأمول في العراق، يجب توحيد الجهود الإقليمية والدولية لدعم الحكومة العراقية في مسيرة التنمية المؤسسية، وتعزيز التعاون في مجالات الاستثمار والبنية التحتية، والتفاوض على اتفاقيات تحدد أسس علاقات التعاون الأمني وشروطها، وتفادي أي نشاط من شأنه أن يفيد شبكة الميليشيات التي تنخر في عظام الأمن والنمو الإقتصادي العراقي.

وعلى النخب العراقية أن تلتزم التزاماً حقيقياً بتطبيق هذه الإصلاحات على أرض الواقع وإلا فإن كل هذه الجهود سيكون مآلها الفشل.

وعلى الرغم من أن المشاكل الأساسية لا يمكن أن تزول بين عشية وضحاها إلا أن عراقاً أقوى وأكثر استقراراً على الصعيد الداخلي سيكون أكثر قدرة على ردع التدخلات الخارجية والانتهاكات السياسية الداخلية.

ومن المؤسف أن هذا المسار يتعارض، في أغلب الظن، مع الإستراتيجية الإيرانية الأساسية تجاه العراق، التي تفضّل جارًا ضعيفًا تحافظ فيه الجماعات والفاعلين غير الرسميين على نفوذ واسع، وهي الإستراتيجية التي ستزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى تعزيز الدولة العراقية.

ومع ذلك، فإن الحنكة السياسية تفرض على الحكومات الدولية الإعتراف بأن وجود إيران كجارٍ للعراق يمثل واقعًا جيوسياسيًا  لا يمكن تجاوزه وهو ما يفرض على العراق بالتالي الحفاظ على علاقاته معها.

في المحصلة، تبقى هذه القضايا الجوهرية مسؤولية العراقيين أنفسهم في المقام الأول،  فالانقسامات السياسية المزمنة التي طبعت المشهد العراقي أعاقت تقدم البلاد لسنوات طويلة ولم يعد هناك وقت لمزيد من التراخي في اتخاذ ما يلزم من خطوات حاسمة لإنقاذ البلاد لا سيما في ظل تداعيات التغير المناخي ومخاطر إندلاع صراع إقليمي قد تكون عواقبه مدمّرة.

ولا يسعنا في هذه الخاتمة إلا الإقرار بأنه بينما يواصل العراق اليوم محاولاته لتشكيل حكومة جديدة، فإن الحكومة السابقة قد نجحت من خلال سياسة "حُسن الجوار" في تحقيق توازنٍ بين العلاقات الإقتصادية والأمنية ساعدها على تجنب الإنجراف إلى حرب إقليمية، وساعدها ايضاً على توسعة قاعدة علاقاتها مع دول الجوار والدفع بالبلاد في اتجاهات أكثر ايجابية.

 ومع ذلك، لا يمكن التعويل على عائد الإستقرار الذي تمتع به العراق خلال السنوات الماضية وحسب، فالتحديات الداخلية المرتبطة بالموارد المائية وتوليد الطاقة والفساد وإفلات الميليشيات والأحزاب من المساءلة وضعف القطاع الخاص وهشاشة الموازنة العامة للدولة كلها تكشف مدى وهن حالة الهدوء الحالية.

علاوة على ذلك، مع استمرار التوترات بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة اخرى، يبقى وضع العراق بالغ الحساسية، وسترث الحكومة المقبلة هذه المشكلات البنيوية التي يتطلب كل منها حلاً خاصاً وفريداً، وهو ما يحتم عليها السعي لاستثمار ما تحقق من مكاسب محدودة والعمل على تحقيق التوازن الضروري في علاقاتها الدولية وتعزيز قدرات الدولة داخلياً بما يخدم مصالح الشعب العراقي.

ولا يخفى على أحد أن المصلحة، سواء مصلحة النخب السياسية أو مصلحة الشعب العراقي، تقتضي وضع العراق في موضع الشريك الموثوق والبيئة الآمنة للاستثمار من خلال الإستمرار في تنويع العلاقات وبناء الثقة مع الدول الإقليمية والحفاظ على استراتيجية حسن الجوار التي من شأنها المساعدة في تحقيق هذا الهدف.

لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا توصلت القوى السياسية إلى توافق حول استراتيجية وطنية حقيقية تشمل جميع مكونات البلاد، وهو ما يقتضي اعتراف الأحزاب بأن الميليشيات الخارجة عن السيطرة تمثل عبئًا على الدولة، بل وعلى مصالحها الأساسية هي نفسها.

إن الفشل في الحفاظ على توازن السياسة الخارجية ومعالجة القضايا الداخلية سيسفر عن ترسيخ الإنقسامات الداخلية القائمة، مما سيضر بالعراق داخلياً وربما ينعكس سلباً على المنطقة بأسرها.

وفي هذه اللحظة التاريخية التي يحاول العراق فيها العودة التدريجية إلى شئ من الاستقرار بينما يواجه هذا الكم الهائل من التحديات الداخلية والإقليمية يصبح من الصعب بل من المستحيل أن يستمر في تحمل تكلفة الانقسام والشقاق الداخلي وما يترتب عليهما من احتمالات انهيار الدولة.

كلمة شكر:

يودّ الكاتب أن يتقدّم بالشكر إلى الدكتور زمكان سالم وحمزة حداد على ملاحظاتهما القيّمة على المسودة الأولى من المقال، كما يشكر فريق «صدى» المتميّز على تحريره.

هوامش

  • 1يمثّل نهج التوازن الذي ينتهجه العراق استراتيجية دقيقة للتعامل مع الضغوط التي يفرضها عليه تنافس المصالح بين كل من الولايات المتحدة وإيران، وفي الوقت نفسه معالجة التحديات السياسية الداخلية والإحتياجات الإقتصادية.

  • 2شكّل هذا الكيان بوصفه إطارًا جامعًا يضم جماعات مسلحة متحالفة مع إيران، وركّز على تنفيذ هجمات ضد إسرائيل خلال الحرب في غزة، ويضم هذا الإطار كلاً من كتائب حزب الله، وحركة حزب الله النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وأنصار الله الأوفياء.

لا تتّخذ مؤسسة كارنيغي مواقف مؤسّسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الدراسة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر المؤسسة، أو فريق عملها، أو مجلس الأمناء فيها.