ظهرت مجموعات مستقلّة تحارب إلى جانب النظام السوري، ونمت وتوسّعت في الحجم والتأثير خلال الأعوام الثلاثة الماضية. من شأن هذه المجموعات أن تشكّل خطراً حقيقياً على النظام في حال خروجها عن سيطرته. فإذا اكتسبت قاعدة واسعة من الأتباع على الأرض وبنت روابط متينة مع المجتمع، منحها ذلك القدرةَ على التفاوض مع النظام على السيطرة والنفوذ، والعمل مع الأفرقاء الدوليين تحقيقاً لمصالحها الخاصة التي تتعارض على الأرجح مع مصالح النظام. ولذلك، وضع النظام في رأس أولوياته، خلال العام الماضي، احتواء هذه المجموعات عبر مأسستها وضمان ولائها، باعتباره مكوّناً أساسياً في استراتيجية ناجحة تؤمّن بقاءه.

الأكبر بين هذه المجموعات هو قوات الدفاع الوطني التي اُسِّسَت كقوّة مدنية في حمص، في أواخر العام 2012، للقتال إلى جانب الجيش والقوى الأمنية السورية؛ وقد انتشرت هيكليتها لاحقاً في مختلف أنحاء سورية. لكن قبل ذلك، لم تكن قوات الدفاع الوطني تؤدّي دوراً أمنياً. بل إن قواتها كانت في البداية بمثابة لجان شعبية غير نظامية تتمركز في القرى والأحياء، وتهدف إلى حماية مناطقها. وكان هذا مهماً على وجه التحديد في الأيام الأولى للانتفاضة: فعبر استقطاب الشباب في منطقة معيّنة، كانت اللجان تصنّف أحياء محدّدة بأنها موالية للنظام، وتُميّزها بذلك عن الأحياء حيث كان الشباب يشاركون في الاحتجاجات ولم يكونوا مؤيّدين للنظام.

مع تصاعد العنف في منتصف العام 2012، أصبحت اللجان المحلية أكثر انخراطاً في القتال. وبدأ نموّها على الأرض يشكّل خطراً محتملاً على النظام السوري، الذي باشر العمل على مأسستها بهدف ضمان التزامها وولائها بصورة مستمرّة. وقد انتشرت الهيئات التابعة لقوات الدفاع الوطني في أوساط عدد كبير من الشرائح المختلفة في المجتمع السوري، وذلك خلافاً للاعتقاد السائد خارج سورية بأن قوات الدفاع الوطني وسواها من الميليشيات تتألّف في شكل كامل أو بمعظمها من العلويين. واقع الحال هو أنّ هذه الهيئات، باعتبارها محلية الطابع مئة في المئة، استمدّت أعضاءها من المذهب نفسه أو القبيلة نفسها أو الحي نفسه حيث تتمركز. فقد تألّفت هذه اللجان مثلاً من غالبية ساحقة من الدروز في السويداء وجرمانا، ومن العلويين في حمص واللاذقية، ومن المسيحيين في وادي النصارى، ومن السنّة (ولاسيما القبائل العربية) في حلب وجوارها. كما أنها باتت تعكس المجتمع المحلي كونها تعتمد على المدنيين والجنود المتقاعدين لا على العسكريين في الخدمة الفعلية. فعلى سبيل المثال، كان قائد قوات الدفاع الوطني في حمص مهندساً مدنياً لا جندياً منخرطاً في السلك العسكري قبل اندلاع الانتفاضة.

أحدث إنشاء قوات الدفاع الوطني تبدّلاً في مسار هذه المجموعات القتالية التي تكتّلت وتحوّلت إلى فرق نظامية مدعومة من الدولة وخاضعة إلى سيطرتها. بدأت هذه العملية في أواخر العام 2012، وتواصلت بصورة تدريجية على امتداد أشهر عدّة. وقد منحت الحكومة المجموعات القتالية شيئاً فشيئاً الدعم المادّي والاعتراف، بحيث تحوّلت، بحلول ربيع 2013، إلى مؤسّسة نظامية. وهكذا أصبحت لقوات الدفاع الوطني مبانٍ إدارية تشغلها قياداتها، ومراكز تدريب، وختم رسمي، وبزّات موحّدة، وشعار وعلم، ورواتب شهرية. كما أنها تحصل على الأسلحة والرواتب والتوجيهات من دمشق. ويتجلّى نجاح استراتيجية المأسسة في الأحداث التي تلت مقتل هلال الأسد، قائد قوات الدفاع الوطني في اللاذقية، في 23 آذار/مارس الماضي. فبدلاً من الانزلاق نحو فتنة داخلية لدى وفاته - كما يحصل عادةً بين أتباع أمراء الحرب - حافظت قوات الدفاع الوطني في اللاذقية على إطارها المؤسسي القائم.

ظهرت أيضاً مجموعات وجمعيات محلية أخرى غير عسكرية لدعم القوات القتالية، الأمر الذي ساهم أكثر فأكثر في سحب المدنيين نحو مؤسسات الدولة. وخير مثال على ذلك مؤسسة الشهيد السوري التي أُسِّسَت في منتصف العام 2013. ومع أن المؤسسة ليست مخصّصة حصراً إلى قدامى قوات الدفاع الوطني، إلا أنها تؤدّي دوراً مهماً في تأمين الخدمات لهم. تبني المؤسسة مستشفيات، وتتولّى ترتيب مراسم التشييع والدفن، وتنظّم أنشطة ترفيهية للأولاد في المدارس، وتقدّم الدعم المادّي لأسر الأعضاء في قوات الدفاع الوطني. وقد ظهرت أيضاً جمعيات عدّة تقدّم خدمات مماثلة، وجميعها تتألّف من أعضاء من المجتمع المحلي، شأنها في ذلك شأن قوات الدفاع الوطني. ومثلها تماماً، حصلت على تراخيص رسمية من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل؛ حتى إنها تملك حسابات مصرفية في المصرف التجاري السوري لقبول التبرّعات من أعضاء المجتمع.

يأتي أعضاء مؤسسة الشهيد السوري وقوات الدفاع الوطني من خلفيات متشابهة؛ فهم مدنيون وليسوا عسكريين، وينتمون إلى المجتمع المحلي نفسه. يجمع رابطٌ قوي بين أعضاء المؤسسة وقوات الدفاع الوطني نظراً إلى أن المقاتلين يتحدّرون من المنطقة نفسها التي ينتمي إليها أعضاء المؤسسة المحليون، وغالباً مايتبعون أيضاً المذهب عينه. وفي معظم الأحيان، تنخرط العائلة نفسها أيضاً في النشاطَين معاً، أي أنها ترسل مقاتلين إلى قوات الدفاع الوطني وتدعم المؤسسة أو تحصل على الدعم منها. يولّد وجود مؤسسة الشهيد السوري شعوراً عاماً لدى هؤلاء المقاتلين بالأمان داخل المجتمع. فهم يطمئنون إلى أنهم محميّون، وإلى وجود فريق مدني آخر سيتولّى دعمهم ودعم أسرهم في حال التعرّض للإصابة أو الوفاة. وهكذا، فإن المنظمات التي رأت النور لدعم المقاتلين وعائلاتهم تساهم، عبر الحصول على الترخيص الرسمي، في وضع القوات القتالية غير النظامية تحت مظلة الدولة السورية، مايؤشّر إلى ارتباط الميليشيات التي تعمل حالياً لحساب الدولة ارتباطاً عميقاً بالنظام السوري.

تعكس مأسسة المجموعات التي مارست العنف في مطلع الثورة وإخضاعها ضمن إطار الدولة، استراتيجية فعّالة ينتهجها النظام السوري في مواجهة الحرب الدائرة في البلاد، الأمر الذي أتاح له ممارسة نفوذ واسع على هؤلاء المقاتلين. فمصيرهم مرتبط الآن بمصير النظام، وبالتالي فإن المجتمعات المحلية التي انبثقت منها هذه المجموعات مرتبطة أيضاً بالنظام. لهذا السبب، من المستبعد أن نشهد على انتفاضة يشنّها قادة هذه المجموعات على النظام السوري، أقلّه في المستقبل المنظور.

خضر خضور باحث زائر في مركز كارنيغي للشرق الأوسط - بيروت.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية