مقدمة: حِقبة إصلاحية ينقصها الإصلاح:
تتعرض حكومة دولة الكويت ، كغيرها من الكثير من حكومات الدول حول العالم، لضغوط متنامية لتقديم المزيد من الخدمات باستخدام أقل التكاليف والموارد ، و الاستجابة السريعة لاحتياجات المواطنين بما يعزز الثقة العامة في مؤسسات الدولة . وعلى الرغم من الأهداف الاستراتيجية والمبادرات التنموية الطموحة التي طرحتها رؤية الكويت 2035 ، والتوجه الواضح نحو التحديث الإداري والتحول الرقمي والإصلاحات الداعمة لسيادة القانون والتوسع في إعادة الهيكلة الحكومية والتنظيمية، لا يزال النظام الإداري في الكويت يعاني من قصور شديد يتضح في الصعوبات التي تعترض آليات اتخاذ القرار ، والعزلة الإدارية التي تفرضها المؤسسات العامة -مثل الوزارات والهيئات الحكومية -على نفسها، وتكرار طرح أجندات إصلاحية لا تسفر عن أي نتائح أو تقدم ملموس. أما القطاع الخاص فقد اعتراه ما اعترى القطاع العام من إرهاق وإحباط أسفر عن تردد المستثمرين الأجانب في اقتحام السوق المحلي بينما توجه العديد من المستثمرين المحليين للبحث عن فرص خارج البلاد.
وبالرغم من التقدم الذي أحرزته الكويت بدءاً من منصة "سهل" للخدمات الحكومية الالكترونية، إلى أتمتة الكثير من الإجراءات الحكومية في الوزارات الرئيسة، إلا أن التحول الرقمي لا يزال يعاني من الكثير من الفجوات. ولاتزال وتيرة التغيير في الإجراءات الحكومية عاجزة عن اللحاق بتوقعات الأجيال الشابة، التي تستقي معلوماتها ورؤيتها عما تعنيه الكفاءة الخدمية الحكومية من أفضل الممارسات العالمية. وبالتالي فإن سد هذه الفجوات يتطلب نهجا تعاونياً متسقاً يقوم فيه كل كيان بدوره مسترشدا بنظام قياس وتغذية راجعة مشترك.
تقترح هذه المقالة أن التحليلات الحكومية – وهو إطار عمل وضعته مجموعة البنك الدولي لتنظيم استخدام البيانات الإدارية وبيانات المسوح الحكومية لتعزيز كفاءة الإدارة العامة – هي أفضل طريقة لدعم التحول الرقمي في الكويت ، وأن تحليل البيانات الحكومية ليس ترفاً يمكن الاستغناء عنه، بل هو ضرورة حيوية لتحويل رؤية الكويت 2035 إلى أفعال تسفر عن نتائج قابلة للقياس.
من المخططات إلى الممارسات: دروس من الإصلاحات الأخيرة:
لا تعاني الكويت من نقصٍ في الاستراتيجيات الموضوعة بل تعاني من نقص في أدوات الاستشعار. فغياب آليات الرقابة والتقييم اللحظي يؤدي إلى إضعاف قدرة المؤسسات على اكتشاف المشاكل الناشئة في الوقت المناسب والاستجابة لها استجابة فعالة تحافظ على زخم الإصلاح. ومن هنا تأتي أهمية الاعتماد على التحليلات الحكومية السليمة القادرة على تعزيز المرونة، وتحسين سرعة الاستجابة ، وضمان التوافق مع الطموحات طويلة المدى لرؤية الكويت 2035.
والإصلاحات ليست مجرد نظريات افتراضية، وقد نفذت الكويت الكثير من الاصلاحات الواقعية الملموسة في إطار برنامج تطوير منظومة سوق المال الذي يعد من أبرز المشروعات الاستراتيجية لهيئة أسواق المال والذي يتماشيى مع رؤية الكويت 2035، التي تحتضن خطط تنموية تشمل وضع إطار عمل مركزي يحكم عمليات المقاصة المقابلة، وتعزيز المعايير التي تعمل من خلالها شركات الوساطة، وتبسيط عمليات التداول، وتبني نظام لترقيم الحسابات الفرعية لتعزيز الشفافية. وتعمل هذه التدابير كافة على تحديث البنية التحتية المالية، وتعزيز ثقة المستثمرين، ودعم تدفق رؤوس الأموال العالمية.
تبسيط إجراءات استصدار تراخيص الأعمال: إصلاحات تحفز مشاركة اقتصادية أوسع:
في الربع الأول من عام 2025، أصدرت الكويت 9,881 ترخيصاً تجارياً جديداً بزيادة قدرها 9.4٪ عن العام الماضي. ومن بين هذا العدد صدر حوالي8,390 ترخيصاً لشركات فردية، بينما انخفضت اعداد تراخيص الشركات ذات الأغراض الخاصة انخفاضاً حاداً لتصل إلى 38 رخصة فقط.
واللافت في هذا الشأن أن تراخيص الأعمال الحرة والمشاريع متناهية الصغر شهدت قفزة بنسبة 227٪ لتصل إلى 1,453 رخصة، وذلك في أعقاب إصلاحات أغسطس2024، التي سمحت بممارسة 175 نشاطٍ دون اشتراط وجود مقر عمل، مع معالجة الطلبات عبر منصة "سهل" وغيرها من المنصات الرقمية.
وتظهر هذه النتائج أن إزالة العوائق الإجرائية والاستفادة من التقنيات الرقمية يمكن أن يسهم بشكل كبير في تعزيز المشاركة الاقتصادية و تسريع وتيرتها.
وبالتزامن مع هذه الاجراءات أطلقت وزارة التجارة والصناعة الكويتية سياسة جديدة تسمح بحصول أي مكتب على ما يصل إلى خمسة تراخيص تجارية بشرط وجود ملكية مشتركة لا تقل عن 50٪ وذلك لضمان تبسيط إجراءات التأسيس والحد من ظاهرة العناوين الوهمية للمكاتب. وتم تخصيص منصة الخدمة الشاملة لمعالجة المعاملات بالاعتماد على ضمانات تشمل عمليات التفتيش والتأكد من الالتزام باشتراطات التخطيط العمراني لضمان الرقابة الفعالة. يعكس هذا التحول اعترافا بأن المرونة التنظيمية التي تقترن برقابة محكمة قادرة على تذليل العقبات التي تعترض طريق رواد الأعمال دون الإخلال بمعايير الامتثال التي تشترطها الحكومة.
وتشكل هذه التغييرات جزءاً من جهودٍ أوسع للإصلاح تشهدها الدولة حالياً ويدفعها زخم قيادي واضح يترأسه أمير دولة الكويت - سمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح - نحو التحديث والانضباط المالي والتحول الرقمي. وقد أرست رؤية الكويت 2035 والمؤسسات الداعمة مثل المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية اساساتٍ راسخة للتغيير الاستراتيجي.
وبرغم أن تنفيذ مخططات التغيير هذه تنفيذاً متكاملاً قد يستغرق الكثير من الوقت والجهد إلا أن الإرادة السياسية الحاضرة بقوة تشكل عامل دعم كبير. وقد تمثل هذا الدعم في لقاء سمو أمير البلاد برئيس مجلس الوزراء وأعضاء الحكومة الجديدة الذي دعى فيه إلى "مرحلة جديدة من الإصلاحات". وحث على تسريع التنمية الاستراتيجية وتعزيز البنية التحتية و أنظمة الرعاية الصحية والتعليم بشكل يرتكز على الشفافية ويجتهد في حماية المال العام. وتهدف رؤية سمو الأمير إلى الاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز الابتكار، والنهوض بالبحث العلمي ليصبح أساساً لاقتصاد مرن قائم على المعرفة وقادر على الصمود في وجه التحديات. والحقيقة أن هذه الأهداف ليست مجرد تطلعات أو آمال بل هي توجيهات تتطلب وجود إطار حوكمة قادر على تتبع الإصلاحات وتقييمها وتكييفها تكييفاً لحظياً، وهو ما يعود بنا إلى التحليلات الحكومية التي تصبح أداة لا غنى عنها في هذا الإطار. ولكن، وعلى الرغم من كل هذا الزخم فإن دوام التقدم سيتطلب التغلب على الإشكالات الهيكلية المتجذرة التي مازالت في كثير من الأحيان تعوق مسار الإصلاح.
تشريح الشلل البيروقراطي: كيف يتسبب غياب التحليلات في إجهاض النوايا الحسنة:
إن إلقاء نظرة سريعة على تاريخ التخطيط الإداري لدولة الكويت قد يعطينا ملمحاً عن سبب استمرار الفجوات والثغرات التنظيمية في البلاد. فبعد استقلالها في عام 1961، أنشأت الكويت واحدة من أوائل هيئات التخطيط في المنطقة، بهدف خلق دولة حديثة تتمتع بأدوات تنسيق مركزية متكاملة. ولكن مع ارتفاع عوائد النفط تحول التركيز عن الأداء وتوجه إلى المحسوبية. وعلى الرغم من توالي اعلان الدولة عن الرؤى الطموحة والخطط الهيكلية ، إلا أن التنفيذ كان يتأخر مرارا وتكرارا بسبب العزلة والتصومع المؤسسي ، وضعف آليات التغذية الراجعة ، وتذبذب الالتزام السياسي. وكلها أسباب أدت إلى توقف الإصلاحات قبل أن تحقق اي نتائج ملموسة وهو ما وثقه كتاب "جدران مبنية على الرمال: الهجرة والإقصاء والمجتمع في الكويت".1
وبدون أنظمة تحليل بيانات حكومية قادرة على سد هذه الثغرات الهيكلية فإن سلسلة الطموحات التي لا تسفر عن نتائج قد تستمر بلا انقطاع لتعيق تحقيق الأهداف المنشودة.
وعلى الرغم من الإعلانات المتكررة عن الإصلاحات، فإن آليات عمل الأجهزة الحكومية تسير بوتيرة لا تتماشى وحجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الكويت.فقد تنطلق المبادرات مصحوبة بضجة إعلامية كبيرة ولكنها قد تتوقف لأشهر أو حتى لسنوات بسبب تشرذم عمليات صنع القرار وغموض الصلاحيات الموكلة للهيئات المعنية وضعف التنسيق بين الوزارات. ولا يقتصر حل هذه المشاكل على وجود الإرادة السياسية وحسب بل يحتاج إلى التغلب على تحدٍ تشغيلي محوري. فعندما تفتقر خطط الإصلاح إلى إطار واضح لقياس الأداء، وآليات دقيقة تتابع التعاون بين الجهات الحكومية ومنهجيات تساعد على حل الاختناقات البيروقراطية فإن أفضل النوايا لن يكون مصيرها إلا التعثر على صخرة الواقع.
من خلال عملي مع المؤسسات العامة في الكويت، لا حظت تكرر بعض الأنماط التي يمكن تشخيصها كأعراض للشلل البيروقراطي:
- التأخير في دورة اتخاذ القرار: قد تمتد بعض الإجراءات الحكومية الأساسية مثل استصدار التراخيص وأذون المشتريات واعتماد العقود من شهور إلى سنوات، مما يعرقل وتيرة الإصلاح ويعوق نشاط القطاع الخاص.
- جمع البيانات دون تحليل: تجمع الوزارات كميات كبيرة من البيانات ولكنها نادرا ما تستخدمها في تقييم الأداء أو صياغة أو تغيير السياسات المتبعة.
- الدوافع الخاطئة: ثقافة الواسطة والخوف المؤسسي تحد من المبادرات الفردية وتثبط الفاعلين الساعين للإصلاح بل وتعرضهم أحياناً للعقوبات.
- الهياكل المنعزلة: على الرغم من تداخل صلاحيات الهيئات الحكومية إلا أن مستوى التنسيق بين بعضها البعض لا يتجاوز أدنى الحدود مما يؤدي إلى ازدواجية العمل وضياع فرص التكامل.
والحقيقة أن كل ما تقدم لا يمكن اعتباره حوادث معزولة بل هو أنماط وتحديات متكررة ومتشابكة النتائج. ويوضح الجدول التالي كيف يمكن إعمال عدسة التحليلات الحكومية على هذه الإشكالات بشكل يسلط الضوء على مجالات الخلل في أوضاعها الحالية وما يترتب على ذلك من عواقب مؤسسية مستقبلية. ويُقدّم هذا الإطار التحليلي أيضاً مقاربة تتجاوز الملاحظات الانطباعية، إذ يقوم بتفكيك تحديات الحوكمة المعقّدة إلى مكوّنات قابلة للقياس، مما ييسر تحديد أولويات التدخل العاجلة ومتابعة مراحل التقدّم بشكل منهجي وفعّال.
المشكلة |
الوضع الحالي |
الآثار المترتبة |
اتخاذ القرار |
تنقصه الشفافية ويغلب عليه البطئ بسبب اعتماده على موافقات من جهات لا يوجد بينها وبين بعضها توافق او تنسيق. |
ضياع فرص الاستثمار وتأخر في تقديم الخدمات. |
استخدام البيانات |
يتم جمع البيانات لكن لا يتم تحليلها أو ربطها بآليات اتخاذ القرار. |
غياب التعلم المؤسسي وعدم القدرة على تكييف السياسات. |
الثقافة المؤسسية |
نهج متحفظ يخشى المخاطرة ويقاوم الابتكار ويعتمد على المؤثرات غير الرسمية. |
وَهَن اصلاحي واستمرار في حماية الوضع الراهن. |
التنسيق |
متشرذم يعيبه تداخل الصلاحيات وضعف المساءلة. |
ازدواجية الجهود وانخفاض الكفاءة وهدر الموارد. |
إن معالجة أوجه الضعف هذه يتطلب ما هو اكبر من الحلول المؤقتة أو الجزئية، وهنا تأتي أهمية التحليلات الحكومية التي تقدم نهجاً منظبطاً يتيح رؤية واضحة حول مدى تقدم الإصلاحات، وأي الجهات الحكومية تلتزم بتعهداتها، وأي المجالات التي تحتاج إلى اتخاذ اجراءات تصحيحية. ومن دون هذا النظام، فإن مسار الإصلاحات قد يتحول إلى حلقة متكررة من الإعلانات والتنفيذ الجزئي ، وهو نمط لا يمكن أن يساعد الكويت على تحقيق طموحات رؤية 2035.
رأب الصدع بين الإرث الإداري والإصلاح المستهدف عبر التحليلات الحكومية:
المتابع لتاريخ دولة الكويت يعلم أن طرح رؤى لا يتبعها تنفيذ يؤدي إلى خلق دوائر مفرغة من الإصلاحات المتعثرة. فرغم أن الخطط الاستراتيجية مثل رؤية الكويت 2035 تحدد أهدافًا طموحة، إلا أنها غالبًا ما تفقد زخمها بسبب بطء الإجراءات، وتداخل الصلاحيات، واتخاذ القرارات التي تحركها الواسطة. ولكن التحليلات الحكومية تقدم آلية لكسر هذا النمط من خلال ترسيخ المساءلة، وتعزيز الشفافية، واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة في كل مرحلة من مراحل الإصلاح.
ومن خلال تبني مؤشرات أداء واضحة، وآليات لتتبع التنسيق بين الجهات الحكومية وأنظمة الإنذار المبكر للكشف عن الاختناقات البيروقراطية، تتمكن التحليلات الحكومية من تحويل السياسات الطموحة إلى نتائج قابلة للقياس. فَعَلى عكس التقارير التقليدية - التي تتسم في معظمها بالجمود والتركيز على الماضي - توفر التحليلات رؤى فورية تساعد صناع القرارعلى التحرك الاستباقي قبل أن يفوت الأوان.
حلقة تحليلية منهجية للإصلاح المؤسسي في الكويت:
يعيد النموذج أدناه صياغة الحوكمة كعملية مستمرة ذاتية التصحيح تعتمد على بيانات الأداء وآراء المواطنين لدفع عجلة الإصلاح. وتدمج هذه الحلقة رؤية الكويت 2035 مع الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة ( السلام والعدل وبناء مؤسسات قوية) ضمن إطار عملي قابل للتنفيذ.

المفاهيم الواردة في المراحل الست لحلقة التحليلات المؤسسية مبنية على أطر دولية راسخة، مثل توصية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن حزمة أدوات تنفيذ تقييم السياسات العامة، ودليل تحليلات الحكومة الصادر عن البنك الدولي، وقد صاغتهم المؤلفة بطريقة تتناسب مع السياق المؤسسي في الكويت.
المراحل الست لحلقة التحليلات المؤسسية:
- التشخيص المعتمد على البياناتجمع - البيانات التشغيلية والمالية ومؤشرات الأداء عبر مختلف الجهات الحكومية لإنشاء خط أساس واقعي يمكن البناء عليه.
- اكتشاف مَوَاطِن القصور - استخدام التحليلات المتقدمة لتحديد الاختناقات، والازدواجية في الجهود، وتضارب الصلاحيات، والخطوات غير الضرورية في الإجراءات.
- إعادة هندسة وتصميم العمليات - توظيف أدوات الإدارة الرشيقة (Lean Tools) لتبسيط سير العمل، وتقليل الهدر، وتسريع تقديم الخدمات.
- التنفيذ والمراقبة - تطبيق الأتمتة ولوحات المتابعة التفاعلية وأدوات التتبع اللحظي مثل منصة " سهل" لضمان تحقيق أهداف الأداء.
- التغذية الراجعة والتعلّم - استخدام حصيلة آراء الموظفين الحكوميين، ونتائج استطلاعات رضا المواطنين، ومراجعات جودة الخدمات لتقييم الأثر الفعلي للإصلاحات.
- اتخاذ القرارات المؤسسية وإعادة تصميم الحوافز - تعديل وهيكلة السياسات والموارد والحوافز استنادًا إلى الأدلة والبيانات بدلاً من الاعتماد على السوابق البيروقراطية.
حلقة مستمرة:
إن تكرار العمل في الأطر التي تحددها هذه الدورة يضمن أن تتحول الإصلاحات المرجوة إلى جزء أصيل من العمل المؤسسي بدلاً من التعامل معها كإجراءات مؤقتة لإنقاذ الموقف. ومع تكرارها المستمر ستتزايد القدرة المؤسسية على اتخاذ القرار ويقل الهدر وتتعمق ثقة المواطنين في الإدارة الحكومية.
ومن خلال اعتماد هذا النهج ، يمكن للكويت ان تنتقل من الحوكمة القائمة على ردود الأفعال إلى الحوكمة الاستباقية -وهو ما سيقطع دابر الهدر المؤسسي من جذوره ويضمن أن تكون الرقمنة مصحوبة بتحسين حقيقي في الآليات البيروقراطية.
شروط نجاح حلقة التحليلات المؤسسية:
لكي تعمل حلقة التحليلات المؤسسية بفعالية ونجاح يتعين توفر أسس لا غنى عنها، من أبرزها توفر وشفافية البيانات و ضمان سهولة الوصول إليها عبر مختلف الجهات الحكومية، وترسيم آليات التنسيق بين هذه الجهات لمنع تداخل الصلاحيات. أيضا يجب رفع كفاءة الكوادر الحكومية وتعزيز مهاراتها في تحليل الموقف واتخاذ القرارات اللحظية المناسبة. أما القيادات المؤسسية الحكومية فينبغي إلزامها باتخاذ القرارات المرتكزة على الأدلة . ومن دون هذه الأسس فإن التحليلات قد تواجه خطر التحول إلى تقارير إدارية روتينية لا تسمن ولا تغني من جوع بدلاً من أن تأخذ دورها الحقيقي في دفع الإصلاح.
ما هي التحليلات الحكومية - ولماذا تكتسب هذه الأهمية الآن؟
التحليلات الحكومية هي نهج منظم لاستخدام البيانات الإدارية والاستطلاعية ومؤشرات الأداء بهدف تحسين كفاءة عمل الحكومات. وبحسب تعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) فإن التحليلات الحكومية تمثل الاستخدام المنهجي للبيانات وتحاليلها لإثراء عملية صنع القرار وتحسين تنفيذ السياسات.
وبشكل جوهري فإن التحليلات الحكومية تسهم في تحويل المعلومات إلى رؤى قابلة للتنفيذ، إذ تصبح الحكومات أكثر فاعلية عندما تفهم كيفية عملها داخلياً. وعلى عكس عمليات جمع البيانات المجردة فإن التحليلات الحكومية تربط بين المؤشرات المحددة للنجاح وبين عمليات صنع القرار والمساءلة وتخصيص الموارد ربطاً مباشراً وواضحاً.
وفي حالة الكويت يكتسب نموذج العمل هذا أهمية خاصة لتحقيق طموحات الدولة وأبرزها:
- رؤية الكويت 2035، وخاصة ركيزتها المتعلقة بالإدارة الحكومية الفعالة (الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية، 2019)
- أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها هيئة الأمم المتحدة:
ومن خلال دمج البيانات التي توفرها حلقات التغذية الراجعة المستمرة في السياسات وآليات تقديم الخدمات، يمكن للتحليلات الحكومية أن تساعد حكومة دولة الكويت على التحول من نهج يركز على التخطيط فقط إلى نهج يركز على التعلم المستمر لتصبح حكومة لا تكتفي بتصميم الإصلاحات بل تقوم أيضاً بتكييفها والتكيف معها بالاعتماد على أدلة الأداء.
من حوكمة الهدر إلى الحوكمة الرشيقة – بناء دولة تتعلم:
يشير ستيف زاغوديس في كتابه "فن الحوكمة الرشيقة : إدارة البيانات الوصفية للحوكمة" (2022)، إلى أن تحقيق الكفاءة المستدامة يعتمد على إدارة "البيانات الوصفية" للحوكمة، أي العلاقات بين الجوانب التشغيلية والتقنية وجانب إدارة المخاطر بهدف استخلاص القيمة والتحكم في المخاطر.
ويرتكز نهج زاغوديس على نظرية القيود لـ إلياهو جولدرات، وهي فلسفة إدارية تطبق مبادئ التفكير الرشيق (Lean Thinking) في مجالات متعددة تتباين من قطاع التصنيع إلى بيانات القطاع العام، لضمان أن تُوَجَّه الإصلاحات نحو نقاط الاختناق الحقيقية حيث يكون للإصلاح أكبر أثر ممكن.
في قلب هذه التحديات تكمن شبكة معقدة من الاختناقات الإجرائية ، والصلاحيات المتداخلة ، وأنظمة البيانات المنعزلة ، التي تعيق تنسيق الجهود الحكومية . إن عدم وجود إطار تحليلي موحد وآليات تغذية راجعة فعالة يؤدي في كثير من الأحيان إلى أن تعمل المؤسسات الحكومية بمعزل عن بعضها البعض، مما يؤدي إلى ازدواجية في الجهود وتأخر في النتائج. وفي غياب آليات لرصد وتحليل وتكييف الأنظمة التشغيلية المعمول بها تظل الإصلاحات مفتقرة إلى ما تحتاجه من تقييم مناسب في الوقت المناسب وهو ما يعني صعوبة حل الاختناقات البيروقراطية أو تعديل السياسات بالسرعة اللازمة. والحقيقة أن هذا الوضع المتشرذم لا يؤدي إلى إبطاء الإصلاحات وحسب، بل يقوض أيضاً ثقة الجماهير في كفاءة الحكومة، إذ يضطرالأفراد والشركات للتعامل مع عدم انضباط الخدمات المقدمة وغياب الشفافية في عمليات اتخاذ القرار. ومع انعدام القدرة على قياس التقدم، وتحديد الثغرات، وتكييف الاستراتيجيات، فإن أكثر برامج الإصلاح طموحا تصبح عرضة للتحول إلى حلقات مفرغة لا ينتج عنها أي أثر مستدام يذكر.
وعلى سبيل المثال، يضطر رواد الأعمال الكويتيون للانتظار لفترات طويلة قد تمتد احياناً لعدة أشهر للحصول على موافقات الرخص التجارية الروتينية. ولا تنتج هذه التأخيرات بسبب عوائق تشريعية بعينها بل تسببها الممارسات الإجرائية المترسخة التي تفتقر إلى الشفافية وإلى تغذية راجعة لحظية. أما في دول أخرى من دول الخليج العربي- دبي مثلاً - فإن الموافقات المماثلة تتم في خلال اسابيع أو أيام معدودة وهو ما يكشف الفارق الكبير في كفاءة الإجراءات المعمول بها في كلا البلدين ( تقرير سهولة ممارسة الأعمال- البنك الدولي 2020).
ورغم أن الكويت تعمل بالفعل على إجراء إصلاحات إيجابية، فإن هذه المقارنة الواقعية توضح الحاجة الملحة لتعزيز الشفافية والمساءلة واعتماد انظمة الرقابة القائمة على البيانات في أطرالحوكمة التي تتبعها الدولة. ويمكن للكويت الاستفادة من الدروس التي قدمتها دول أخرى نجحت في مواجهة تحديات مماثلة من خلال إصلاحات مستهدفة اعتمدت على التحليلات.
التجارب الدولية توضح أن الحوكمة المعتمدة على التحليلات قادرة على تحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس:
الإستفادة من التجربة الدولية توضح أن الحوكمة المعتمدة على التحليلات قادرة على تحقيق نتائح ملموسة وقابلة للقياس، وتضع النجاحات الدولية في هذه المجال الكويت اليوم عند مفترق طرق. فإن قررت الدولة تبني حلقات التغذية الراجعة التي تعتمد عليها آليات الحوكمة الرشيقة (Lean Governance Feedback Loop) ستتمكن الدولة من ربط الإصلاحات ربطاً مباشراً برؤية الكويت 2035، وتضمن في الوقت نفسه أن تؤدي كل جهة حكومية دورها في بناء مستقبل أكثر مرونة وأكثر اهتماماً بالمواطنين.
أمثلة من التجارب العالمية:
- سنغافورة: أنشأ مكتب الخدمات البلدية منصة الكترونية أسماها منصة الخدمة الواحدة لربط آراء المواطنين وملاحظاتهم بلوحة متابعة أداء الجهات الحكومية مما أدى إلى تقليل الازدواجية في العمل وتسريع الخدمات وحل المشكلات، وكذلك ساعد نظام إدارة المخاطر المتكاملة للحكومة على تقليل عدد التراخيص المتراكمة بنسبة تزيد عن 25%.
- الإمارات العربية المتحدة: تعمل استراتيجيات الحكومة الذكية على دمج منصات البيانات بشكل يساعدها على تتبع آليات تقديم الخدمات ونتائج السياسات مدعومة بمختبرات الابتكار التي تصمم الحلول الذكية بالتشارك مع الجمهور.
- إستونيا: تستخدم نظام X-Road الذي يوفر بنية تحتية تساعد على تبادل آمن وفوري للبيانات بين أكثر من 900 مؤسسة مما أدى إلى تقليل الوقت الذي تستغرقه المعالجة بنسبة تصل إلى 80% وهو ما يعني توفير ما يقرب من 1400 ساعة من العمل سنوياً.
- المملكة المتحدة: تنشر منصة الخدمة الرقمية الحكومية بيانات حية ومباشرة حول كفاءة الخدمات مما يعزز الشفافية ويزيد من ثقة الجمهور.
لماذا نجحت هذه التجارب:
توضح النماذج المذكورة أعلاه أن التحليلات الحكومية قادرة على تقليص أزمنة معالجة البيانات وتعزيز الشفافية وترسيخ منهجية تحسين مستمر سواء في التجربة الاستونية التي تضع الرقمنة اولاً أو في التجربة السنغافورية التي تضع الخدمات أولاً. أما بالنسبة للكويت، فالدرس واضح: التحليلات الحكومية ليست ترفاً ولكنها ضرورة لسد الفجوة بين نوايا الإصلاح وبين تنفيذها الفعلي على أرض الواقع.
خطة عمل من خمس محاور للكويت:
أثبتت التجارب الدولية أن مواءمة التحليلات مع الحوكمة والإصلاح يمكن أن تؤدي إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس، وفي حالة للكويت، فإن التحدي ليس في إمكانية تحقيق هذه المواءمة بل في آليات تنفيذها وفي تطبيق هذه الدروس على واقعها المؤسسي.
وفيما يلي جدول عملي من خمس نقاط لترجمة أفضل الممارسات العالمية إلى أثر محلي حقيقي:
- إنشاء وحدة تحليلات مركزية على أعلى مستوى - إنشاء وحدة متخصصة تابعة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية أو مكتب رئيس مجلس الوزراء، مخولة بالتنسيق بين الوزارات، والارتقاء بدورها لتتحول من مجرد سكرتارية تنسيقية إلى محرك استراتيجي يقود الإصلاح ويدفعه عن طريق توحيد آليات استخدام البيانات وقياس الأداء وضمان اعتماد السياسات المبنية على الأدلة.
- مأسسة استطلاعات رأي موظفي القطاع العام - إجراء استطلاعات الرأي بانتظام للتعرف على رؤى الموظفين حول مدى تقدم عملية الإصلاح ومواضع الاختناقات التشغيلية ومستوى الرضى الوظيفي بين موظفي الدولة ومن ثم استخدام نتائج هذه الاستطلاعات لتوجيه التدخلات المستهدفة ومعالجة حالة “مقاومة التغيير" التي قد تكون موجودة.
- إطلاق تجربة "المختبرات المصغرة" في وزارات مختارة - اختيار بعض الوزارات الرئيسية مثل وزارة التجارة أوالصحة أوالجهاز المركزي للمناقصات العامة لإنشاء مختبرات مصغرة للتحليلات لتتبع تنفيذ الإصلاحات واختبار مدى تحسن الاجراءات وتوثيق الدروس المستفادة وتعميمها على باقي وزارات الدولة.
- إنشاء نظام قياس الكتروني تفاعلي مرتكز على الأولويات الوطنية - إنشاء لوحات معلومات الكترونية موجهة للمواطنين لقياس مدى رضاهم عن الخدمات الأساسية التي تقدمها الحكومة بدءاً من المشتريات والتراخيص والخدمات البلدية وذلك لتعزيز الشفافية وتمكين الرقابة الجماهيرية من متابعة نتائج عملية الإصلاح بشكل مباشر.
- إصلاح حوكمة البيانات وبناء كوادر تحليلية متخصصة - سن قوانين واضحة لحماية البيانات والوصول إليها وإنشاء مسارات وظيفية داخل قطاع الخدمة المدنية لاختصاصيّ التحليلات ومدراء أنظمة القياس الإلكتروني وخبراء سلوكيات المواطنين لضمان بناء قطاع حكومي قائم على الأدلة.
من الهدر إلى التعلم: نماذج للتنسيق المؤسسي والحوكمة الرشيقة:
تحتاج الكويت في مسارها نحو الكفاءة الحكومية إلى ما هو أكثر من مجرد التحول الرقمي. ما تحتاجه الدولة هو حوكمة قادرة على التعلم والتكيف والتحسن المستمر باتباع نهج يراقب كيفية اتخاذ القرارات ، ويكتشف مواطن الهدر الإجرائي ويعيد هيكلة العمليات التشغيلية باستخدام البيانات المتاحة وآراء المواطنين في الخدمات المقدمة لتحويل طموحات رؤية الكويت 2035 إلى واقع يومي معاش.
تحقيق الحوكمة الرشيقة في الكويت بما يتماشي مع رؤية 2035:
- التشخيص المعتمد على البيانات - استخدام المُعرّفات المشتركة والبيانات الوصفية لإعداد خريطة خدمية تحدد الخدمات الهامة (مثل إصدار التراخيص وأذون المشتريات وتخصيص الموارد البشرية ومعالجة الشكاوى) وتحديد مواطن الاختناق التي تسبب التأخير.
- الرصد المبكر للهدر - استخدم تحليلات متوسط مدة الخدمة لرصد الموافقات المتكررة والمعاملات المعادة والاختناقات الإجرائية.
- إعادة تصميم خطوات العمل لضمان الانسيابية التشغيلية - دمج أو إلغاء الخطوات المكررة، وتوضيح اتفاقيات مستوى الخدمة بين الوزارات (SLAs) ، وتبسيط تعامل المواطن مع المؤسسات الحكومية.
- التنفيذ والمتابعة - تعميم عمليات الأتمتة المرتبطة بمنصة "سهل" ولوحات قياس البيانات ومؤشرات الأداء المرتبطة برؤية الكويت 2035 ونشر مقارنات الأداء بين الجهات الحكومية.
- الاستماع والتكيف - إجراء استطلاعات رأي قصيرة للموظفين والمواطنين عامة بعد كل دورة خدمية لتحسين سير العمل.
- الاحتفاء بالإنجازات - مكافأة الجهات الحكومية التي تنجح في تقليص زمن المعاملات والاحتفاء بهذا الإنجاز وتعميم أفضل الممارسات على باقي الوزارات.
عندما تصبح البيانات هي المبدأ المنظم للحوكمة، يتحول الأداء البيروقراطي من آلية مثقلة بالخطوات إلى آلية رشيقة الأداء قادرة على التخلص من الهدر وزيادة الشفافية وضمان استدامة الإصلاحات.
الخاتمة: من الرؤية إلى الحوكمة القابلة للتنفيذ:
إن رحلة الكويت نحو الحوكمة الفعالة لا تقتصرعلى التحديث أو التحول الرقمي فحسب، بل تعتمد على بناء أنظمة حكومية تخدم المواطنين في الحاضروتسعى في الوقت نفسه لإعداد جيل يعيش مستقبلاً في عالم متسارع التطور.
ولا يمكن تحقيق هذا الهدف بمجرد الاعتماد على ترقية البنية التكنولوجية، بل يجب السعي لتحقيق تحولٍ جوهري في تصميم الإجراءات الحكومية وطرائق تنفيذها وقياس تأثيرها العام في جميع الهيئات الحكومية.
وفي حين أدت مبادرات مثل "سهل" وغيرها من منصات الحكومة الإلكترونية إلى تحسن كبير في الخدمات المقدمة ، لا تزال الفجوة بين مواءمة أنماط تنفيذ السياسات الحكومية مع توقعات ووتيرة الجيل الجديد قائمة وملموسة.
ولردم هذه الفجوة يجب ترسيخ ثقافة السعي المستمر لتحسين الأداء الحكومي بحيث تصبح التحليلات الحكومية جزءاً لا يتجزأ من أدوات صنع القرار بدلاً من كونها مجرد عامل ثانوي يمكن اهماله.
ولا يمكن إغفال الدور الهام الذي تلعبه كل جهة حكومية في الدولة في تحقيق هذا التحول من خلال تبنيها المنهجي للتحليلات لمتابعة الأداء وتحديد الاختناقات وتكييف السياسات لحظة بلحظة لتتمكن الكويت في النهاية من الانتقال من مرحلة النجاحات الصغيرة المتفرقة إلى مرحلة الإصلاح الشامل المتكامل، وهو نهج لا يضمن فقط تحقيق تطلعات رؤية الكويت 2035 بسرعة وكفاءة بل يضمن أيضاً استدامة الإصلاحات وقابليتها للتكيف والتوافق مع متطلبات المستقبل لعقود عديدة قادمة.
هوامش
1. كتاب من تأليف آنه نجا لونغفا ، أستاذ مشارك في الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة بيرغن ، النرويج.