على الرغم من حدة المشكلات الأمنية، فإنها ليست على الإطلاق التهديدات الوحيدة للاستقرار في اليمن. قد لا تستحوذ المشكلات التي يواجهها الاقتصاد وبناء المؤسسات، والخلافات الإقليمية على أهمية كبرى كما هو الحال بالنسبة إلى الإرهاب والتحديات الأمنية الأخرى، لكنها مهمة بالدرجة نفسها. يسبب عدم النمو الاقتصادي وما يصحبه من تراجع في مستوى العيش تململاً مدنياً ويزيد من حدة التمرد الإقليمي ويجرّ البلاد شيئاً فشيئاً نحو الانهيار. وحتى الآن فشلت المبادرات الإصلاحية الحكومية غير الفعّالة في معالجة المشكلات الداخلية الملحة – بما في ذلك الموارد الطبيعية المتضائلة والفقر المستشري والأمية ومعدلات الخصوبة المرتفعة والقوة العاملة غير المدرَّبة– مما يقوّض ثقة اليمنيين وغيرهم بمستقبل البلاد.
لم يتحقّق جزء كبير من الوعود الإصلاحية التي أطلقها الرئيس علي عبدالله صالح منذ انتخابه لولاية ثانية عام 2006. لقد شكّلت أجندة الإصلاح الوطنية التي وضعتها وزارة التخطيط والتعاون الدولي في أكتوبر/تشرين الأول 2006، خطة شاملة للحد من الفساد وتعزيز الشفافية وتطبيق الإصلاح القضائي وفصل السلطات وإفساح المجال أمام حرية الصحافة. لكن بعد زهاء عامين، لم تتحقق سوى أجزاء صغيرة من الأجندة. وكانت أبرز نتائجها إنشاء اللجنة الوطنية العليا لمكافحة الفساد برئاسة وزير الاتصالات السابق أحمد العنيسي في يونيو/حزيران 2007. وفي حين كانت المبادرة محط ثناء من المجتمع الدولي، واجه تطبيقها معوقات عدة. فمنذ إنشائها، تلقّت اللجنة أكثر من 140 شكوى فساد 78 منها بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2008 فقط. حتى الآن، لم يتم التحقيق سوى في ستة من هذه الشكاوى، مما أدّى إلى الكشف عن خسارة أكثر من مائة مليون دولار بسبب الفساد. تُظهر هذه الأرقام حجم الفساد وفي الوقت نفسه عجز اللجنة عن القيام بمهامها. فحتى عندما تجري اللجنة تحقيقات، جل ما يمكنها فعله هو إحالة القضايا إلى سلطة قضائية تفتقر إلى القدرة السياسي للذهاب حتى النهاية في المقاضاة.
والإصلاح الآخر الذي بدا واعداً في البداية كان تحويل السلطة إلى اللامركزية. في 18 مايو/أيار 2008، جرت انتخابات محلية لاختيار حكام المحافظات الواحدة والعشرين في اليمن بعدما كان الرئيس يعيّنهم من قبل. غير أن أحزاب المعارضة قاطعت الانتخابات احتجاجاً على تعديلات قوانين الانتخابات البلدية التي أجريت قبل الانتخابات. ونصّت التعديلات على حصر التصويت بأعضاء المجالس البلدية – الداعمين للحكومة – مما قلّص فرص المعارضة. وهكذا جاءت النتائج مشوَّهة لصالح الموالين للنظام.
تشير هذه المحاولات الإصلاحية إلى أنه في حين تستطيع الحكومة والنخب اليمنية أن تحدّد بنجاح المشاكل التي تواجهها البلاد والحلول المحتملة، يقصّر التطبيق في شكل عام عن أداء المطلوب. فالمؤسسات الوطنية في اليمن ضعيفة، ويمحض معظم اليمنيين الولاء لهرميات عائلية أو قبلية وليس للدولة. ويعتمد اليمن أيضاً على المساعدات الخارجية إلى حد كبير، وخلافاً للاعتقاد السائد، فإن تلبية المقتضيات التي يفرضها المانحون الدوليون لا تساعد دائماً على تعزيز المؤسسات الوطنية. وغالباً ما يسعى التخطيط التنموي الحكومي إلى تحقيق الهدف القصير الأمد المتمثّل بتأمين الأموال الأجنبية وليس الأهداف الاستراتيجية الطويلة الأمد.
الاقتصاد الراكد في اليمن يظل مدعاة للقلق، ولا سيما على ضوء التراجع في قطاعَي النفط والزراعة اللذين يشكّلان المصدر الأساسي للعائدات. يتناقص إنتاج النفط – الذي يشكّل 70 في المائة من دخل الحكومة – في حين تعاني الزراعة – التي توظّف أكثر من نصف القوة العاملة – من شح المياه واستنزاف التربة على نطاق واسع بسبب الزراعة المكثّفة للقات. تشجّع وكالات الإقراض والتنمية الدولية تنويع الاقتصاد اليمني وتحريره لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية. وتحاول الحكومة التجاوب عبر تمكين اقتصادها الخاص وتوسيعه. غير أن هذه المحاولات تصطدم بالفساد المستشري واحتكار القطاع الخاص عملياً من جانب حفنة صغيرة من العائلات.
نتيجة لذلك، يعيش 45 في المائة من اليمنيين دون خط الفقر. وكانت نسبة البطالة 35 في المائة عام 2003، وهي أحدث الإحصاءات المتوافرة في هذا الإطار. وتؤدّي الزيادات العالمية الأخيرة في أسعار النفط والسلع الأساسية إلى تفاقم معدّل التضخم المرتفع أصلاً والذي يسجّل نحو 12.5 في المائة، وإلى مزيد من التدنّي في مستويات العيش.
إلى جانب المشكلات الاقتصادية العامة، يعاني جنوب اليمن من صعوبات خاصة بسبب خلافات ونزاعات عدة على ملكية الأراضي التي تؤدّي إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وإلى التململ المدني. لقد فشلت الحكومة باستمرار في حل هذه الخلافات التي بدأت منذ توحيد شمال البلاد وجنوبها عام 1990. في مايو/أيار 2008، اندلعت أعمال شغب في جنوب اليمن بسبب شعور الجنوبيين بأنهم لا يشاركون بما يكفي في الاقتصاد أو عملية صنع القرارات – باختصار، لا يشعرون أنهم جزء من اليمن. وتهدّد تجاذبات أخرى في الأقاليم – ولا سيما تمرّد الحوثيين في المستمر في الشمال منذ عام 2004 – وحدة البلاد أكثر فأكثر.
إذا استمرت هذه النزعات، فعلى الأرجح أن اليمن سيغرق في الفوضى الكاملة ويصبح دولة فاشلة مشابهة للصومال. يزداد الشعور لدى اليمنيين وسواهم بأن الحكومة – التي تعد بالكثير لكنها لا تقدّم سوى القليل – لا تتمتع بالكفاءة. وثمة خطوات كثيرة ينبغي على الحكومة اتخاذها كي تعيد بناء الثقة. هناك عدد قليل من الخطوات المهمة التي تستطيع الحكومة اتخاذها على الجبهة الاقتصادية والتي من شأنها المساعدة في جهود تحرير الاقتصاد التي تقول إنها ملتزمة بها، مع العلم بأن هذه الخطوات ليست ملائمة على الإطلاق لمعالجة مجمل التحديات التي يواجهها اليمن، وهي كثيرة. يمكن أن تبدأ الحكومة بخفض الحواجز أمام المشاريع التجارية الجديدة وزيادة الشفافية وإصلاح النظام الضريبي. ومن شأن هذا أن يشجّع المستثمرين ويساهم في مكافحة الفساد من كل جهة، كما يحدّ النظام الضريبي والإداري المبسَّط والشفاف من المجالات المتاحة أمام الفساد. ستساعد خطوات كهذه على إنعاش الاقتصاد وإعادة بناء التفة في الحكومة.
انتصار فقير محررة مساعدة في نشرة الإصلاح العربي، ومنسّقة سابقة لبرنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز المشروعات الدولية الخاصة.