ظل المشهد السياسي الشيعي مراوحاً في مكانه من حيث أطروحاته النظرية لمرحلة ما بعد الاحتلال، إذ أنه أنخرط بحماسة في العملية السياسية بعدما تأكّد أن له دوراً متميزاً في مجلس الحكم الانتقالي الذي جاء بوصفة تقسيمية للمجتمع العراقي على أساس الطوائف والمذاهب والاثنيات وليس الاصطفاف السياسي والعقائدي، فأعطى 13 مقعداً للشيعة و5 مقاعد للسنّة و5 مقاعد للأكراد وواحد للتركمان وواحد للكلدو-آشوريين، علماً بأن من أطلق عليهم ممثلو الشيعة أو السنة أو غيرهم ليسوا في حقيقة الأمر سوى مجموعات حزبية لا يمكنها ادعاء تمثيل الشيعة كما لا يمكن لأية شخصية أو مرجعية دينية أو حزبية ادعاء هذا التمثيل، فالتمثيل الشيعي مثل التمثيل السني متوزع على اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة، فيهم من هو متدين ومن هو غير متدين ومن هو سياسي ومن هو غير سياسي ومن هو مؤمن ومن هو غير مؤمن ومن هو إسلامي ومن هو غير إسلامي ومن هو شيوعي أو بعثي أو قومي أو مستقل!
ولعل الامتياز الذي حصلت عليه الجماعات المذهبية بالاعتراف بها وفقاً لصيغة بول بريمر والمظلة الخارجية الدولية والإقليمية، التي احتمت بها، إضافة إلى قانون انتخابي موّجه لتقسيمات جاهزة ودستور مؤقت " قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" ثم دستور دائم على نفس المنوال جعل الاستقطاب مفروضاً والنتائج محسومة سلفاً. ولذلك اختفت قوى وظهرت قوى أخرى، فمنظمة العمل الإسلامي التي كانت جزءاً من المجلس الإسلامي الأعلى اختفت وظهر بدلاً عنها وضمن تجاذبات الجماعات الشيعية حزب مقتدى الصدر وحزب الفضيلة، وكلاهما يرضعان من نفس الثدي الذي رضع منه حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى من حيث المنطلقات والتوجهات.
وإذا كانت جماعة مقتدى الصدر تختلف عن المجلس الإسلامي في موقفها الرافض للاحتلال، فإنها أكثر تشدداً وتزمتاً في القضايا الاجتماعية وفي الموقف من الحداثة والمرأة.
أما حزب الفضيلة الإسلامي فإن صراعاته مع حكومة المالكي ناجمة عن رغبته في تحسين مواقفه التفاوضية مع القوى الأخرى أما الصراع الحالي بين الفضيلة والصدر والمجلس الإسلامي الأعلى فهو على مراكز النفوذ وبخاصة في البصرة، إذ يسيل لعاب الجميع على النفط!
العلاقة بين حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى، هي علاقة " الأخوة الأعداء"، فرغم تحالفاتهما إلا أنهما يتنافسان في كسب ود الأمريكان من جهة وفي تحسين مواقفهما مع طهران من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة الصراع على كسب الشارع الشيعي.
إن متغيّراً كبيراً سيظهر على صعيد الساحة السياسية الشيعية وهو الفرد "المواطن" الذي اضطر للتصويت على قائمة الائتلاف في لحظة من لحظات تزييف الوعي أو مصادرته على نحو مفروض وتحت ضغط ارث الماضي الاستبدادي البغيض الذي حكم العراق نحو 35 عاماً، فقد خُذل على نحو غير مسبوق وشعر بالمرارة والخيبة، من الحكام الجدد الذين لم يتمكنوا من انجاز شيء يذكر طيلة السنوات الخمس الماضية، لا على الصعيد الاقتصادي ولا على الصعيد الاجتماعي والخدمي ناهيكم عن تدهور الوضع السياسي فالقتل على الهوية مستمر وأعمال الإرهاب قائمة على قدم وساق والميليشيات متقاتلة والأمن مفقود والفساد متفشي والرشوة مستفحلة وسرقة المال العام على كل لسان، والكهرباء والبنزين شحيحان والبطالة منتشرة، الأمر الذي سبب إحباطاً كبيراً للناخبين الشيعة وغير الشيعة.
إن مخاوف عبد العزيز الحكيم والجماعات الشيعية الأخرى بما فيها رئيس الوزراء نوري المالكي نفسه، من جماعات الصحوة يعود إلى أنها قد تتحول إلى ميليشيات منافسة. لذا يمكن القول أن دمجها في الجيش سيحوّله إلى اتحاد ميليشيات، الأمر الذي سيجعل ولاءه مزدوجاً ومتناقضاً أحياناً وسيكون نواة جاهزة لأي اصطدام أو احتراب داخلي.
إن خشية حكومة المالكي من الميليشيات تعود إلى أن إنشاءها كان بقرار أمريكي وأن تمويلها بالكامل من جانب القوات الأمريكية، الأمر الذي سيضعف ولاءها للحكومة وللجيش في حالة دمجها به، ذلك أن وجود أكثر من 70 إلف من الميليشيات تابعة تمويلاً وتأسيساً للقوات الأمريكية سيكون بؤرة توتر جديدة، لاسيما إذا وضعت في مواجهة الميليشيات الشيعية سواءً التابعة للحكومة أو لمقتدى الصدر حتى وإن ادعت حالياً أنها ضد تنظيم "القاعدة" الإرهابي.
إن العملية السياسية الحالية رغم مرور نحو 5 سنوات على تأسيسها وصلت إلى طريق مسدود وأثبتت القوى السياسية الشيعية أن ليس بينها من هو رجل دولة بمستوى التحديات، وهناك فرق بين المسجد أو الحسينية والدولة، ولا يمكن الحديث عن مجتمع مدني في ظل تدخل الميليشيات الدينية ومحاولة إخضاع الدولة لمنطق الدين أو المذهب أو العشيرة.
ولذلك لا يمكن رؤية أي أفق مستقبلي للعملية السياسية ما لم يتم إعادة بناء الجيش على أسس غير طائفية أو إثنية أو مذهبية، وحل الميليشيات وإعادة هيبة الدولة، عبر ضبط الأمن وحماية أرواح وممتلكات المواطنين من خلال حكومة توافقية حازمة وكفوءة، وتعتمد على معايير النزاهة والإخلاص وتكون بإشراف الأمم المتحدة بعد تحديد جدول زمني لانسحاب القوات المحتلة من العراق، على أن تجري انتخابات جديدة خلال الفترة الانتقالية بإشراف دولي.

عبدالحسين شعبان هو كاتب ومفكر عراقي