على الرغم من الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين الفصائل السنية المسلحة في العراق، إلاّ أنها حافظت خلال المراحل الأولى من الاحتلال، وحتى وقت قريب، على السرية وعدم الكشف عن الأزمات الداخلية فيما بينها وتجنّب إثارتها إعلامياً. لكن خلافاتها تفجرت علناً و بحدة مع مطلع عام 2007، وقد بدأت بالحرب الإعلامية المتبادلة بين "دولة العراق الإسلامية" ) التي تتشكل من تحالف يضم القاعدة (والجيش الإسلامي؛ تلك السجالات التي كشفت بوضوح عن معارك مسلحة وصراعات شديدة بين "دولة العراق الإسلامية" وتنظيمات أخرى، كانت قد جرت سابقاً ولم يعلن عنها في حينه.
في خضم الصراع الإعلامي تمّ الإعلان رسمياً عن انقسام كتائب ثورة العشرين إلى فصيلين عسكريين، الأول هو "الفتح" والثاني هو "الجهاد"، إلاّ أنّ الأمر تطور إلى الإعلان عن حركة "حماس- العراق"، كأول حركة مسلحة تبدي توجهاً لبناء مؤسسات سياسية وإعلامية علنية موازية لنشاطها العسكري. فيما عاد الفصيل الآخر "الفتح" إلى اسمه الأصلي "كتائب ثورة العشرين"، ثم أُعلن لاحقاً انضمام "حركة المقاومة الإسلامية" (جامع) إلى حركة "حماس-العراق". على الجهة المقابلة أُعلِن في بداية أيار/مايو 2007 تأسيس "جبهة الجهاد والإصلاح" التي تضم كلاًّ من الجيش الإسلامي وجيش المجاهدين والهيئة الشرعية من جيش أنصار السنة (التي انشقت عن التنظيم وأسست موقعاً خاصاً بها على شبكة الانترنت)، ثم أعلَن جيش الفاتحين الانضمام إلى هذه الجبهة في أواخر أيار/مايو. وفي بداية أيلول/سبتمبر 2007 أُعلن عن تشكيل جبهة "الجهاد والتغيير"، التي تتكون من سبع فصائل رئيسة في مقدمتها كتائب ثورة العشرين وجيش الراشدين.
وتمخّض مشهد الصراعات وإعادة تشكيل التحالفات والاستقطابات عن أربعة تكتلات رئيسة:
الأول: يُطلق عليه "السلفية الجهادية"، ويمثل امتداداً للقاعدة وتماهياً معها، ويضم بدرجة رئيسة دولة العراق الإسلامية، وتقترب منها جماعة أنصار السنة.
الثاني: يُطلق عليه "السلفية الوطنية"، وتُعبّر عنه بدرجة رئيسة جبهة "الجهاد والإصلاح"، ويرى عددٌ من المراقبين وأنصار القاعدة أنّه قريب من الخط السلفي السعودي، وأنه يلقى الدعم المعنوي والمادي من الخارج.
الثالث: يُطلق عليه "الاتجاه الإخواني"، وتُعبِّر عنه بدرجة رئيسة حركة حماس-العراق، ومعها حركة جامع، ويرى بعض المراقبين أنّ هنالك علاقة وتوزيع أدوارٍ بينه وبين الحزب الإسلامي المشارك في العملية السياسية إلى جانب "دائرة الوقف السني"، ضمن كتلة التوافق النيابية.
الرابع: يُطلق عليه "الاتجاه الإسلامي الوطني"، ويتمثل بـ"جبهة الجهاد والتغيير"، وهو قريب من الاتجاه الثالث فكرياً، لكنه يكاد يكون امتداداً للخط السياسي لهيئة العلماء المسلمين، ويضم بصورة رئيسة كتائب ثورة العشرين وجيش الراشدين.
والسؤال الرئيسي هو: ما الأسباب التي أدّت إلى هذه التطورات؟ وما هي دلالاتها السياسية والإستراتيجية؟
ثمة متغيران رئيسيان يساعدان على تفسير التطورات الجديدة. الأول هو صعود الديمقراطيون في السياسة الأمريكية وبدء الحديث الجدي عن ضرورة الانسحاب من العراق، أو إعادة الانتشار. أمّا المتغير الثاني فيعود إلى الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين الفصائل المسلحة ذاتها.
المتغير الأول ارتبط بمؤشرات الفشل العسكري الأمريكي وبروز أصوات داخل الكونغرس وفي واشنطن تدعو إلى الانسحاب، مع شعور متزايد لدى فصائل المقاومة بقرب هذا الانسحاب، ما أدى إلى تراجع الهدف الأول، أي "هزيمة الاحتلال"، نسبياً أمام التفكير في "مرحلة ما بعد الانسحاب" وملء الفراغ. في هذا السياق دخلت متغيرات وسيطة على العلاقة بين الفصائل المقاومة لعبت دوراً في تأجيج صراعاتها، المتغير الوسيط الأول هو تأسيس ما يسمى بـ"دولة العراق الإسلامية" (القاعدة وحلفائها)، التي حاولت بسط نفوذها وبرنامجها السياسي على الفصائل الأخرى، بل وطالبت العديد من السكان بمبايعة أميرها (أبو عمر البغدادي). المتغير الوسيط الثاني هو دخول "العامل الإقليمي" على معادلة العلاقة بين الفصائل. فعندما شعرت الدول العربية، وخاصة ما يسمى معسكر "الاعتدال العربي" (وبصورة خاصة الأردن والمملكة العربية السعودية)، باحتمالات الانسحاب الأمريكي، بدأت في التساؤل جدياً عمن سيملأ الفراغ الناتج، في ضوء هاجسين رئيسين: الأول ما تعتبره هذه الدول خطر النفوذ الإيراني، أمّا الثاني فهو تهديد قوة القاعدة الصاعدة في غرب العراق لأمن هذه الدول واستقرارها السياسي.
المتغير الثاني هو الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين الفصائل، ويتأسس هذا المتغير على معيارين رئيسين؛ الأول البعد القومي-الوطني والثاني الفكر الديني-السياسي. في المعيار الأول، فإنّ دولة العراق الإسلامية (وتقترب منها جماعة جيش أنصار السنة) تتبنى خطاباً أممياً (كونياً)، وهي معنية بهزيمة الاحتلال الأمريكي واستنزافه أكثر من التوافق على نظام سياسي جديد، ولها ارتباطها بالقاعدة المركزية، في حين يتمثل هدف الفصائل الأخرى، أساساً، بالانسحاب الأمريكي من العراق. أمّا المعيار الثاني فهو الأيديولوجيا الدينية- السياسية؛ فدولة العراق الإسلامية تتبنى خطاباً دينياً وسياسياً متشدداً مقارنة بالفصائل الأخرى. ومن محددات الاختلاف الأيديولوجية الموقف من الشيعة، إذ يبدو موقف جبهة الجهاد والإصلاح أكثر تشدداً، بالطبع بدرجة أقل من القاعدة، في حين ترى كتائب العشرين وحماس-العراق أن الأولوية والخطورة الأكبر تتمثل بالاحتلال الأمريكي، وإن كانت لا تخفي صراعها مع المشروع الإيراني. كما أن من محددات الاختلاف الأيديولوجية و السياسية بين جبهة الجهاد والإصلاح من جهة وحماس والكتائب من جهة أخرى أنّ جبهة الجهاد والإصلاح تسعى إلى إخراج "الاحتلال" أولاً وإقامة الشريعة الإسلامية ثانياً، بينما تذهب حماس العراق وكتائب ثورة العشرين إلى إخراج الاحتلال ومن ثم توافق الشعب على تحديد النظام السياسي بطريقة ديمقراطية.
يبدو أنّ الاختلاف والصراع العسكري والسياسي بين الفصائل المسلّحة أخذ يتجذّر في الواقع، لكن تطوره ومخرجاته المستقبلية ترتبط بعوامل متعددة، أهمها تطور العملية السياسية، ثم العلاقة بين القاعدة والفصائل السنية الأخرى، وأخيراً ميزان القوى بين الفصائل المسلّحة نفسها.

محمد أبو رمان هو باحث وكاتب أردني