في 19 يوليو 2005، أعلن عبد العزيز بلخادم، الأمين العام لجبهة التحرير الوطني، الحزب الذي يتمتع بالأغلبية البرلمانية حاليا، عن إنشاء لجنة حزبية للإصلاح الدستوري. وأشعل، عبر استشهاده بالحاجة الملحة إلى "توضيح طبيعة النظام"، فتيل آخر جولة من الجدل السياسي في شأن دستور الجزائر.

 

فالدستور الجزائري لعام 1996 لديه القليل من الأصدقاء. فهو، المُصَمَّم كوسيلة للانتقال من الطغمة العسكرية إلى السياسة التي يسيطر عليها المدنيون، يضع الخطوط العريضة لنظام تنفيذي يقدم رئيسا للجمهورية ورئيسا للوزراء فضلا عن نظام تشريعي من غرفتين مزخرفا بقيود وموازنات مؤسساتية للحيلولة دون برلمان يسيطر عليه الإسلاميون. والأحزاب السياسية وجماعات المجتمع المدني في الجزائر، التي أقصيت عن عملية صياغته، تشكو من أن الدستور يفشل في الفصل بين واجبات السلطتين التنفيذية والتشريعية. من جهته، أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أن تم تكييف الوثيقة على نحو سيئ مع مقتضيات مجتمع في طور الخروج من التمرد المسلح وهو بحاجة ماسة إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي.

 

ومع إصطفاف مثل هذا العدد من اللاعبين الأقوياء ضده، فمن المفاجئ أن يكون دستور عام 1996 قد استمر لهذا الوقت. وتفسير ذلك تفسير مؤسساتي إلى حد ما وسياسي إلى حد آخر. فالتعديلات على الدستور لا يمكن إقرارها إلا عبر استفتاء وطني، وهو ما يتطلب إما مرسوما تنفيذيا وإما اقتراعا بأغلبية ثلاثة أرباع غرفتي البرلمان (المجلس الوطني ومجلس الشيوخ) أثناء دور الانعقاد. والحزبان الرئيسيان اللذان يشكلان الائتلاف الرئاسي – جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني للديموقراطية— اقترحا إصلاحا دستوريا ولكن أيا منهما لم يكن قادرا على جمع الأصوات المطلوبة التي تشكل ثلاثة أرباع البرلمان.  فقد رفضوا كلا على حدة مقترحات بعضهم البعض في شأن الإصلاح.

 

ويستند هذا النزاع حول التغيير المؤسساتي إلى صراع من أجل السيطرة على الحكومة. فالمادة 79 من الدستور تتيح للرئيس أن يختار رئيس الوزراء من خارج الحزب أو الائتلاف المسيطر على المجلس الوطني، ما يسمح له بالتالي أن يلعب الحزبان ضد بعضهما البعض. وبالفعل، فمنذ المصادقة على الدستور، كانت هنالك فترتان من التعايش الصعب. فبين عامي 1999 و2002، تولت جبهة التحرير الوطني رئاسة الوزراء على الرغم من أن التجمع الوطني للديموقراطية كان يتمتع بنسبة حاكمة قدرها 42 في المائة من مقاعد المجلس الوطني. ومنذ عام 2003، خدم الأمين العام للتجمع الوطني للديموقراطية أحمد أويحيى كرئيس للوزراء على الرغم من الأغلبية التي تتمتع بها جبهة التحرير الوطني في البرلمان بنسبة 52 في المائة.

 

والجولة الحالية من المقترحات الدستورية لجبهة التحرير الوطني، شأنها في ذلك شأن الجهود السابقة للتجمع الوطني للديموقراطية، صيغت بلغة الفصل المؤسساتي بين السلطات، والتي أُوضِحَت على أفضل وجه في خطابين أطلقا العنان للجدل الصيف الفائت. ففي 14 يوليو 2005، طالب رئيس المنظمة الحزبية والمالية في جبهة التحرير الوطني عبد الكريم عبادة بسيطرة الجبهة على حقيبة رئاسة الوزراء. وأضاف عبادة: "إننا [جبهة التحرير الوطني] لسنا رجال الرئيس؛ الرئيس هو رجلنا، وسنستمر في كوننا رجاله طالما أنه يستمر في العمل من أجل الحزب"، ملمحا إلى أن أمر تسليم رئاسة الوزراء يرجع إلى الرئيس بوتفليقة، والذي تمت تسميته كرئيس رمزي للجبهة في يناير من عام 2005. وبعد عدة أيام، تراجع الأمين العام للجبهة عبد العزيز بلخادم، ساحبا تصريحات عبادة في شأن رئاسة الوزراء مؤكدا في الوقت نفسه على الحاجة الملحة لـ"توضيح طبيعة النظام" و"توضيح امتيازات الرئيس".

 

وكما جرت الأمور مع المقترحات السابقة التي أُحبِطَت، فإن النقاش الحالي يشوبه الالتباس. فبعد ثمانية أشهر من النقاش لم تتقدم جبهة التحرير الوطني بمقترحات محددة للنقاش العام. وقد ركز بلخادم النقاش على المادة 79، على الرغم من نفيه المتكرر للصحافة بأن لديه طموحات في رئاسة الوزراء. وأضاف حلاوة إلى الصفقة في 18 يناير 2006، معلنا عن مقترح للجبهة يقضي بتمديد مدة ولاية الرئيس من خمس إلى سبع سنوات ونقض القيد القاضي بولايتين – وهو ما يشكل بوضوح ثمنا مقابل رئاسة الوزراء. ولكن، ومع استمرار شعبية الرئيس بوتفليقة، تتوافر كافة الأسباب للاعتقاد بأنه سينجح في استفتاء على تمديد مدة ولايته، بدعم من جبهة التحرير الوطني أو بدونه.

 

لقد عُزِي مأزق الإصلاح الدستوري إلى تسوية فاشلة حول التفاصيل الدستورية وإلى نزاعات بين الأحزاب. ولكن يجب ألا يُنظَر إلى الجدل كعملية طويلة الأمد من التفاوض الحزبي وتبيين المصالح. بدلا من ذلك، وكما توضح المقترحات السابقة والجدل الحالي في داخل جبهة التحرير الوطني، فإن النقاش الجزائري في شأن الإصلاح الدستوري هو مشروع يقوده أفراد، ما يعكس الوضع الضعيف للمجتمع السياسي والمدني الجزائري. ففي غياب الأحزاب السياسية ذات البرامج الحقيقية والتي تتمتع بالقدرة على التعبئة، يبقى الإصلاح الدستوري الجزائري امتيازا رئاسيا. وهكذا فإن السؤال الرئيسي ليس متعلقا بكيف يمكن لإصلاح المادة 79 أن يؤثر على الأحزاب السياسية على المدى البعيد ولكن بما إذا كان الرئيس المريض بوتفليقة يتمتع بالقوة أو الإرادة للترشح لمدة ولاية ثالثة في عام 2009.

 

روبرت  باركس هو مرشح لنيل شهادة الدكتوراه في جامعة تكساس في أوستن وهو حاليا مدير أحدث مركز تابع للمؤسسة الأمريكية للدراسات المغاربية في الخارج، مركز الدراسات المغربية والجزائرية في أوران، الجزائر.