في الأسابيع القليلة التي انصرمت منذ انسحاب إسرائيل الأحادي الجانب من غزة، أصبحت التحديات الملحة التي تواجه الرئيس محمود عباس والسلطة الفلسطينية واضحة ولكن لم يتضح ما إذا كان عباس سينجح. والرهانات عالية. فقدرة السلطة الفلسطينية على فرض القانون وقدرة حركة فتح الحاكمة على التوحد والتنافس بفعالية في الانتخابات التشريعية المقبلة لن تحددا شكل النظام السياسي الفلسطيني المستقبلي فحسب ولكنهما ستحددان أيضا ما إذا كان الفلسطينيون سينزلقون أكثر في حرب أهلية أم لا.

 

والمهمة الأكثر إلحاحا التي تواجه الرئيس عباس هي إحتواء الفلتان الأمني في غزة، حيث عمليات القتل، والخطف، والإبتزاز وصلت إلى مستويات عالية جديدة. فلقد أفيد عن حدوث 75 حادثة إختطاف منذ الإنسحاب الإسرائيلي. والأفراد المسلحون يلجأون إلى الخطف للحصول على فرص عمل، وتحرير أعضاء من عائلاتهم من السجن، والأخذ بالثأر. وغالبا ما ينتمي هؤلاء إلى عصابات محلية أو حتى إلى ميليشيات لعائلات كبيرة.

 

ويأمل الغزيون في أن يتم التعامل قريبا مع ما يعصف بحياتهم من فلتان الأمني، وإحتراب داخلي، وفساد عبر عودة رجل غزة القوي محمد دحلان (الرئيس السابق للأمن الوقائي ووزير الشؤون المدنية حاليا) مؤخرا، والذي كان بعيدا لشهر لأسباب صحية. وقال دحلان عند وصوله بأن الوقت قد حان لكي تسيطر فتح على أسلحتها، وتضع حدا للفوضى في غزة، وتركز على الفوز في إنتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني المقرر إجراؤها في يناير من عام 2006.

 

وعلى الرغم من أن الأجندة التي أوضحها دحلان معقولة، فإنه لا يزال من غير الواضح كيف يمكن تحقيقها. ويواجه الرئيس عباس معضلة هامة: فهو يخشى من أن إستخدام العنف لإستئصال شأفة الفلتان الأمني سيؤدي إلى حرب أهلية، ولكن من دون قانون ونظام فإن إمكانية إجراء الانتخابات هي موضع شك، وهذا بالتالي ما يعقد العلاقة المتوترة أصلا بين السلطة الفلسطينية وحماس.

 

في غضون ذلك تستمر الأزمة داخل فتح في التفاعل. فلقد فقدت فتح، جراء إفتقارها إلى قائد كاريزمي وتلطيخ صورتها العامة بالفساد وإنعدام الكفاءة، الشعبية في صفوف الفلسطينيين بشكل مطرد خلال العقد الماضي. وعلى ضوء إنتصارات حماس المثيرة للإعجاب في الإنتخابات البلدية الأخيرة في الضفة الغربية وغزة، فإن القلق يساور على نحو مبرر قادة فتح حيال إمكانية أن يمنوا بهزيمة نكراء في إنتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني.

 

وقد استقال أكثر من 240 ناشطا من فتح في غزة مؤخرا، مستشهدين بالافتقار إلى المحاسبة والديموقراطية في داخل الحركة، وذلك بينما كانت فتح تستعد لإجراء إنتخابات أولية داخلية قبيل الإنتنخابات. وقالت رسالة موجهة إلى عباس من الناشطين، الذين يمثلون حرسا شابا برز في صراع جار على السلطة مع قادة الحركة المخضرمين: "لقد أمضينا السنوات ال 10 الأخيرة في محاولة تحسين الأوضاع في فتح". وأجبر إنسحاب الناشطين تأجيل الإنتخابات الأولية الداخلية في فتح (والمقررة حاليا في 20 نوفمبر) وشكل ضربة قاسية لجهود عباس الرامية إلى توحيد الحركة بغية الحيلولة من دون تسجيل نجاح قوي لحماس في الإنتخابات.

 

وحماس تعي جيدا التخبط في فتح وتعارض أي تأجيل للانتخابات. فالحركة الإسلامية تلعب أوراقها بعناية وقد أبدت رغبة في الهدوء مؤخرا. فهي قد أكدت في خطابها العلني أن الإنتخابات يجب أن تجرى من أجل تسهيل الإصلاح ومكافحة الفساد. وحماس تركز أنظارها على الرأي العام، مدركة أن معظم الفلسطينيين (قرابة 80 بالمائة وفقا لاستطلاع أخير للرأي) يؤيدون وقف إطلاق النار مع إسرائيل ولا يريدون عودة للعنف. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأمل يساورها ربما في عدم تنفير الولايات المتحدة، التي يبدو أنها لم تعارض خطة عباس (والتي أفيد بأنها نوقشت خلال زيارته إلى البيت الأبيض في 20 أكتوبر) للسماح لحماس بأن تصبح حزبا سياسيا شرعيا على أمل تجريد الحركة من سلاحها في خاتمة المطاف.

 

وهكذا يواجه عباس سلسلة هائلة من التحديات السياسية والأمنية. فهو قد أطلق لتوه عملية لتجريد الميليشيات من السلاح التي تعمل في ظل فتح ويجب عليه حاليا أن يحاول توحيد الحركة إستعدادا لإنتخابات يناير. وإذا ما نجح في ذلك، فإنه سيتعين عليه أن يحاول أن يحقق عبر الإنتخابات أغلبية كبيرة بما فيه الكفاية في المجلس التشريعي الفلسطيني لتأييد نزع مستمر للسلاح وتوسيعه ليشمل حماس وجماعات أخرى. ولكن الإختبار الأعظم لقدرة وقابلية عباس على الحكم سيأتي بعد إنتخابات يناير عندما سيتعين عليه أن يحاول ترجمة خططه إلى أعمال من أجل بناء الإستقرار في غزة والدفع في إتجاه الإنسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية.

 

مخيمر أبو ساده يدرس العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة. كتب الكثير من المقالات حول السياسة الفلسطينية.