بعد فوات الكثير من المواعيد النهائية، ما زال أمام العملية الدستورية العراقية أن تنتج مسودة مقبولة من الشيعة والأكراد والعرب السُنّة، والاحتمالات قاتمة. فكل من العملية والمحتوى مشكل بشدة حاليا. تدخلت حكومة الولايات المتحدة في وقت مبكر بلزومين: كسب دعم جماعي للمسودة النهائية؛ والالتزام الدقيق بالجدول الزمني المقرر في قانون الإدارة الانتقالية، أي، مسودة نهائية بحلول 15 أغسطس، واستفتاء شعبي بحلول 15 أكتوبر، وانتخابات عامة بحلول 15 ديسمبر.

 

مع وصول العملية إلى مقصدها الظاهر في 13 سبتمبر، كان واضحا أن إدارة بوش ضحّت بمبدأ الشمول في سبيل موعد نهائي تعسفي. السنة العرب الذين كان 15 من ممثليهم قد أضيفوا إلى اللجنة الدستورية في يوليو لكنهم أزيحوا جانبا بعد أن انتقلت المفاوضات من اللجنة إلى مجلس قيادة غير رسمي من الأكراد والشيعة، رفضوا تبني الوثيقة التي رأوها مجافية لمصالحهم. عندئذ أعلن الشيعة والأكراد أن الوثيقة نهائية وقدموها إلى الجمعية الوطنية.

 

الأمل الوحيد الآن معقود على أن العملية لا تزال مفتوحة، على الأقل حتى 15 أكتوبر. هذا الموعد حقا غير قابل للتغيير بالنسبة لإدارة أمريكية ملتزمة بتغيير كبير للقوات في يناير وخفض جزئي بعده بوقت قصير.

 

هل الحل الوسط ممكن؟ ربما، بافتراض ضغط أمريكي قوي على كُتّاب المسودة لتحقيقه. وبوجود اتفاق عريض بين الاكراد والشيعة، فالمفتاح يقع في الاستجابة للهموم الأساسية للعرب السنة. ولكونهم الطرف الأضعف بعد عقود من تسيدهم على الجماعات العراقية الأخرى، ليس بوسعهم سوى أن يحددوا خطوطهم الحمراء، التي شطب ثلاثتها في المسودة الحالية:

·        الفيدرالية: العرب السنة الآن يقبلون فكرة منطقة كردية ( في حدود ما قبل أبريل 2003) لكنهم يرون أن إمكانية منطقة شيعية تؤدي إلى تقسيم العراق، ما يتركهم دون منفذ إلى البحر ودون موارد. حل وسط ممكن: إلى جانب المنطقة الكردية، الأخذ بلامركزية السلطة في بقية العراق حسب المحافظات الحالية وإقامة صيغة ثابتة لتوزيع الثروة.

·        حزب البعث: بنزع الشرعية عن "البعث الصدّامي" تحكم المسودة على العراقيين ليس بماضي سلوكهم بل بمجرد العضوية في حزب كان الحكم قد صادره كأداة للسيطرة السياسية. يعترض العرب السنة على أن هذا الحظر الشامل يمكن أن يستخدم لمعاقبتهم تعسفيا. حل وسط ممكن: حظر الحزب لكن جعل معيار عدم الأهلية للمراكز الإدارية والوظيفة العامة هو ما ارتكب من جرائم، لا مجرد عضوية الحزب.

·        الهوية القومية: تقول المسودة إن العراق جزء من العالم الإسلامي و "عضو مؤسس في الجامعة العربية وملتزم بميثاقها". هذه الصيغة تعكس طلبا من الأكراد، الذين جعلتهم معاناتهم الطويلة حساسين لكل ما هو عربي، لكنها تُغضب العرب السنة (وكذلك بعض الشيعة)، الذين يقرأونها كإنكار لهوية العراق وبالتالي كمصادقة على التقسيم الحتمي للبلد. حل وسط ممكن: ببساطة حذف هذه العبارة باعتبارها مثيرة للانقسام الشديد. مع ذلك، تبقى المشكلة أن المسودة لا تؤكد على هوية يمكن أن تتفق عليها الجماعات الثلاث.

 

مع اقتراب 15 أكتوبر، يقدم سيناريوهان نفسيهما. أحدهما سيناريو ليوم القيامة حيث لا يتم التوصل إلى أي تسوية، ويتم تبني الدستور بصيغته الحالية عموما، وتنتخب حكومة تفتقر إلى مركَّب اجتماعي يثبِّت شرعيتها (حتى لو قرر العرب السنة المشاركة في الانتخابات هذه المرة). سيتحلل البلد ببطء نحو حرب أهلية ويتفكك وسط مشاهد مرعبة من "التطهير" العرقي والطائفي في المناطق الكثيرة ذات السكان المختلطين، بما في ذلك بغداد وكركوك. لسوء الحظ يبدو هذا السيناريو محتملا الآن. يجدر بمن يبنون آمالهم على قدرة العرب السنة على تحقيق أغلبية الثلثين في ثلاث محافظات لإسقاط الدستور أن يفكروا مرة أخرى. فالجماعة أشد انقساما ـ حول إذا ما كانت تشارك في التصويت وبذلك تضفي شرعية على العملية أم أن يبقوا في بيوتهم ويعانوا دستورا يضر بمصالحهم ـ من أن تستطيع حشد مشاركة كافية. وبينما قد يخرج عراقيون ساخطون آخرون، مثل أتباع مقتدى الصدر، زرافات ليصوتوا بلا، فإنهم غائبون إلى حد كبير عن المحافظات التي يغلب فيها العرب السنة. إضافة إلى ذلك، فإنهم، إلى جانب السنة العرب، ليس من المحتمل أن يحققوا ما يفوق عتبة الخمسين بالمائة على نطاق البلد اللازمة لهزيمة الدستور.

 

يتطلب السيناريو الآخر الواعد مجهودا ديبلوماسيا أمريكيا يعاد تنشيطه لجمع الأطراف الثلاثة حول المائدة لصياغة مركَّب قادر على العيش. وحتى عندئذ، فمع أن دستورا يتبناه الشيعة والكرد والعرب السنة ضروري لتحقيق استقرار البلد، فإنه لن يكون كافيا. سيكون على حكام العراق الجدد أن يتخذوا خطوات محددة لمعالجة النزاع الطائفي المتنامي وأن يجدوا حلا يتمتع بقبول عريض لمسألة كركوك. ويأمل المرء أن يفعلوا ذلك وينجحوا، حيث البديل رهيب.

 

جوست هيلترمان هو مدير مشروع الشرق الأوسط في إنترناشونل كرايسز غروب.