تكون الانتخابات النيابية في اليمن حافلة بالصخب عموماً، وذلك خلافاً للانتخابات الرئاسية التي هي أقرب إلى حفلات التتويج المرسومة مسبقاً. لكن يبدو أن الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في أبريل/نيسان 2009 ستكون هادئة على غير عادة، إذا إن المنافِس الوحيد للحكومة، أي أحزاب اللقاء المشترك، يهدّد بالمقاطعة. وقد ردّت الحكومة بأن الانتخابات ستجرى في موعدها، سواء شاركت فيها أحزاب اللقاء المشترك أم لا، مشيرة إلى أن معظم الأحزاب السياسية مستعدّة للمشاركة. غير أن الأحزاب الثلاثة عشر الأخرى التي تتحدّث عنها الحكومة لا تملك حالياً مقاعد في البرلمان، وتُعتبَر موالية للحكومة.
منذ نحو عشرين عاماً على توحيد اليمن، شارك أربعة وعشرون حزباً مختلفاً في ثلاث دورات انتخابية نيابية. لكن هذه الأرقام مضلِّلة، كما هو الحال مع الكثير من الإحصاءات المتعلّقة باليمن. فعلى سبيل المثال، شارك واحد وعشرون حزباً مختلفاً في انتخابات 2003، غير أن أربعة منها فقط حصلت على أكثر من واحد في المائة من الأصوات، بينما فاز المؤتمر الشعبي العام الحاكم بنحو 76 في المائة من الأصوات. الغالبية الساحقة من الأحزاب اليمنية هي بمثابة واجهة ديمقراطية زائفة ولا تمثل منافِسة حقيقية.
منذ إنشاء أحزاب اللقاء المشترك في نوفمبر/تشرين الثاني 2005، بات رائجاً الحديث عن معارضة في اليمن، غير أن هذا الاختزال الصحافي يعطي صورة واقعية، فالائتلاف هو حركة متصدّعة، القاسم المشترك الوحيد بينها هو مناصبتها العداء لخصم واحد. وقد أمضى كل من الحزبين الأساسيين في الائتلاف، أي الحزب الاشتراكي اليمني والإصلاح، الجزء الأكبر من وقته قبل عام 2005 في تشويه صورة الحزب الآخر، في حين أنه ليس للأحزاب الأخرى في الائتلاف أي دور مهم انتخابياً. ويكمن جزء من المشكلة التي تعاني منها أحزاب اللقاء المشترك في القيادة لدى كل من الإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني. فالإصلاح يتخبّط حالياً في أزمة قيادة عقب وفاة الشيخ عبدالله الأحمر في ديسمبر/كانون الأول 2007، بعدما كان رئيساً للحزب منذ إنشائه عام 1990. محمد اليدومي هو الذي يتولّى الآن الرئاسة الاسمية لحزب الإصلاح، لكن ما زال عليه أن يعزّز سيطرته على كل الفصائل. ومن جهته، خسر الحزب الاشتراكي اليمني أعداداً كبيرة من خيرة قادته الذين سقطوا في سلسلة من الاغتيالات قبل الحرب الأهلية عام 1994، أو توجّهوا إلى المنفى عقب الحرب. ولم تكن السنوات الخمس عشرة الأخيرة أخف وطأة على الحزب، فقد شهد انشقاقات دورية في صفوفه، وتقدّم عدد من أعضائه بطلبات لجوء سياسي، هذا إلى جانب اغتيال الشخصية البارزة، جارالله عمر، عام 2002.
لقد استغلّت الحكومة الشلل الحالي الذي تعاني منه أحزاب اللقاء المشترك لفرض تشريع مثير للجدل. ففي أغسطس/آب 2008، دفع المؤتمر الشعبي العام باتّجاه التصويت لصالح تطبيق قانون 2001 الانتخابي في انتخابات أبريل/نيسان 2009، ضارباً عرض الحائط بمشروع قانون تقدّمت به أحزاب اللقاء المشترك وتضمّن تعديلات تستند إلى توصيات الاتحاد الأوروبي بعد الانتخابات الرئاسية لعام 2006، ومنها الطلب بأن يصوّت الناخبون في المحافظات التي ينتمون إليها وليس في مكان العمل، لئلا يتمكّن المسئولون الحكوميون من الضغط على مرؤوسيهم كي يصوّتوا لصالح أشخاص معيّنين. كان من شأن هذه التغييرات أن تجعل المؤتمر الشعبي العام يخسر الكثير من الدعم في الجنوب علماً بأنه يحصل عليه حالياً من خلال المواقع العسكرية والمكاتب الحكومية التي يملكها هناك.
لقد استطاع المؤتمر الشعبي العام أن يُسقط مشروع القانون الانتخابي الذي اقترحته أحزاب اللقاء المشترك، والذي كان قد وافق عليه في المبدأ، بعدما رفضت الأخيرة احترام التزاماتها بموجب الصفقة وتعيين خمسة عشر مرشّحاً في لجنة الانتخابات العليا التي ستتولّى الإشراف على الانتخابات. والسبب وراء هذا الموقف الذي اتّخذته أحزاب اللقاء المشترك هو الاحتجاج على الاعتقال المستمر للسجناء السياسيين الذين كان عدد كبير منهم أعضاء في الحزب الاشتراكي اليمني وقد أوقِفوا بتهمة التحريض على الشغب في الجنوب. وأسفر ذلك عن مأزق سياسي سمح للمؤتمر الشعبي العام بأن يبقي على القانون القديم الذي سيمنحه امتيازات على سواه في انتخابات أبريل/نيسان. وفي خطوة تهدف إلى التخفيف من حدّة التشنّجات وتشجيع مشاركة أحزاب اللقاء المشترك في الانتخابات، أفرج الرئيس علي عبدالله صالح عن اثني عشر سجيناً سياسياً بارزاً في 11 سبتمبر/أيلول الماضي. ثم في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، أرجئت الانتخابات المحلية أربع سنوات حتى سنة 2013. يخشى البعض في أحزاب اللقاء المشترك أن يشكّل التأجيل سابقة قد تتكرّر وتؤدّي إلى إرجاء الانتخابات الرئاسية المفترَض إجراؤها أيضاً سنة 2013، وذلك بهدف تمديد حكم صالح (الموجود في السلطة منذ عام 1978).
في مطلع يناير/كانون الثاني، أوردت أسبوعية الغد اليمنية المستقلة، أن الاتفاق بين المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك لتأجيل الانتخابات النيابية لمدة تتراوح من أربعة إلى ستة أشهر، بات وشيكاً. لكن حتى الآن لم يجرِ التوصّل إلى مثل هذا الاتفاق، بينما يتواصل التصعيد الكلامي بين الجانبَين.
لم تتمكّن الأحزاب المعارضة اليمنية قط من تحقيق نتائج مثمرة من مقاطعة الانتخابات. فقد قاطع الحزب الاشتراكي اليمني الانتخابات عام 1997، لكن جل ما حقّقه كان تهميش نفسه، ولم يستطع الفوز سوى بسبعة مقاعد عندما شارك في الانتخابات عام 2003، في حين أنه كان قد فاز بستة وخمسين مقعداً عام 1993. تأمل أحزاب اللقاء المشترك أن تختلف الأمور هذه المرة، فقادتها يعتقدون أنهم إذا نجحوا في الحفاظ على جبهة موحّدة في المقاطعة التي يلوّحون بها، لن يتمكّن أحد من اعتبارها انتخابات شرعية. وقد أعلن الاتحاد الأوروبي أنه سيرفض مراقبة الانتخابات إذا امتنعت أحزاب اللقاء المشترك عن المشاركة فيها. إنها مناورة سياسية محفوفة بالمخاطر، لكن يبدو أنها الوحيدة التي تجيد أحزاب اللقاء المشترك القيام بها.

شارك غريغوري د. جونسون في تحرير الكتاب الذي سيصدر قريباً بعنوان (الإسلام والتمرّد في اليمن). وهو حالياً طالب دكتوراه في الدراسات الشرق أوسطية في جامعة برنستون.