أثارت نتائج الانتخابات الداخلية  لجماعة الإخوان المسلمين، أكبر قوى المعارضة السياسية والإسلامية في مصر، جدلا كبيرا بين المراقبين والنخب السياسية على حد سواء. إذ أسفرت الانتخابات التي انتهت في يناير/كانون الثاني 2010 عن صعود القيادات التنظيمية المحافظة بعد أن أحكمت سيطرتها كاملة على مكتب الإرشاد، وحازت أهم مواقعه بما في ذلك منصب المرشد الجديد ونوابه الثلاثة والأمانة العامة. هذا في  حين تراجع حضور قيادات العمل العام الإصلاحية وخرج أبرز رموزها من المكتب  الذي يمثل أعلى سلطة في الجماعة، بل واعتزل بعضهم من كل مهامه التنظيمية في الجماعة.

وعلى رغم صعوبة التكهن بالتأثير السريع والمباشر للتغيرات الأخيرة، نظراً إلى  اتساع حجم الجماعة وامتداد تنظيمها ورمزية بعض المناصب القيادية ومحدودية تأثيرها المنفرد ( كمنصب المرشد )، ونظراً أيضا إلى أن التغييرات في القيادة تأتي في الأغلب تتويجا لتغيرات عميقة وفعلية حدثت في جسم الجماعة وليست موجهة لها بالضرورة، رغم كل ذلك فإن هذه الانتخابات والنتائج التي أسفرت عنها ستكون لها تأثيرات كبيرة وحاسمة على مسيرة الجماعة،  كما ستكشف عن تغيرات عاشتها الجماعة بالفعل طوال السنوات الأخيرة لكنها تأكدت وصارت حقيقة مع الانتخابات التي جاءت لتعزز مسار فعلها داخل الجماعة.

تغييرات في الداخل

ثمة تأثيرات للانتخابات الأخيرة تتصل بالداخل الإخواني نفسه، أهمها تحوّل الإخوان المسلمين من جماعة تحتمل التعددية الداخلية وتتجاور فيها خطابات وأفكار ورؤى مختلفة ، إلى  تنظيم أحادي يسيطر عليه تيار واحد هو التيار التنظيمي المحافظ الذي يهتم ببناء التنظيم القوي المحكم أكثر من اهتمامه بالتواصل مع المجتمع وقواه السياسية والفكرية الأخرى، ويعتقد أن الأولوية للتربية الخاصة والتكوين العقائدي المتميز والمنفصل عن المجتمع وليس لتطوير رؤية منفتحة ومرنة يمكن أن يشارك فيها آخرون في مشروع شامل للإصلاح. وقد جاء فوز المحافظين، وبعضهم شديد التأثر بأفكار سيد قطب وفي مقدمتهم المرشد الجديد د.محمد بديع، في انتخابات بدا أنها شهدت إبعادا مرتبا ومتعمدا لتيار العمل العام، وهو ما يُفقد الجماعة ميزة تاريخية تمتعت بها وهي التنوّع الداخلي والقدرة الكبيرة على إدارة هذا التنوّع.

تبدأ الجماعة مرحلة جديدة وهي تفقد تقريبا تيارا كاملا هو تيار العمل العام الأكثر انفتاحا على المجتمع بقواه وتياراته  المختلفة، والأكثر قدرة على بناء تحالفات مع هذه القوى والتيارات. وإذا كان من الصعب الحديث عن تيار إصلاحي له رؤية وامتداد داخل كل أطر الجماعة ومستوياتها التنظيمية؛ إلا أنه كان للجماعة عدد من القيادات أقرب في تكوينها وتفكيرها وممارستها السياسية إلى الإصلاحية. و باستثناء عصام العريان الذي انتخب بمكتب الإرشاد فيما بدا اتفاقا مع التيار المحافظ عزله عن زملائه الإصلاحيين؛ فقد فقدت هذه القيادات "الإصلاحية" مواقعها التنظيمية كما جرى مع عبد المنعم أبو الفتوح ومحمد حبيب، كما تصدعت العلاقة بين معظم رموز هذا التيار والقيادة الجديد للجماعة حتى وصلت إلى الاحتجاج والطعن على الانتخابات وما شابها من مخالفات إدارية وإجرائية، ثم الامتناع عن مبايعة المرشد الجديد ومقاطعة فاعليات إعلان القيادة الجديدة.

كما فجّرت الانتخابات نقاشا داخليا أحدث هزة تنظيمية  يبدو أنها سيكون لها ارتدادات داخلية، على غرار ما جرى في أزمة حزب الوسط التي خرجت فيها قيادات من جيل الوسط عن الجماعة العام 1996، ويتوقع معها أن تؤدي إلى "حملة تطهير" تلاحق فيها  الأصوات المعارضة داخل التنظيم، كما ستحتاج وقتا لترميم الوضع الداخلي خصوصا بعد المعارك المتبادلة بين أطراف الصراع والتي خرجت عن الأطر التنظيمية المغلقة إلى فضاء الإعلام المفتوح على غير طبيعة التنظيم الذي ظل قادرا على الاحتفاظ بخلافاته كشأن داخلي.

وكان من أهم نتائج الانتخابات الأخيرة نهاية كاريزما (جاذبية) المرشد وبدء عصر القيادة الجماعية المتكافئة والمتكاملة. بدأ الاضطراب في صورة المرشد مع ولاية المرشد الأخير مهدي عاكف الذي أدت طبيعته الشخصية التي تتسم بالبساطة وعدم التحفظ والقابلية للانفعال إلى الوقوع في أخطاء سياسية وإعلامية كبيرة ساهمت إلى حد كبير في رفع الهالة عن شخص المرشد، وإن حافظ سن الرجل ( 82 عاما) وانتماؤه للجيل المؤسس للجماعة على بقائه رمزا ومرجعا مقبولا لدى القيادات والأجيال الأصغر سناً  في الجماعة خاصة خارج مصر. لكن الوضع تغيّر تماما بعدما انتهى جيل التأسيس في الجماعة وصارت القيادات متقاربة عمريا وربما متزامنة جيليا، معظمها في العقد السابع، وهو ما كان سببا، من ضمن أسباب أخرى، لاشتداد التنافس حول منصب المرشد وتأخر حسمه على غير العادة.

وتصب هذه التحولات في اتجاه تجاوز هالة منصب المرشد وتحوّله إلى  منصب إداري ليس له كل الحمولات الرمزية والدينية التي كانت له سابقا، وهو ما يرجح التكهن بأن المرشد في المرحلة الجديدة سيكون ممثلا لتوجهات سائدة ومهيمنة في الجماعة أكثر منه صانعا لها أو مغيّراً لمسارها.

لم تمر الانتخابات بهدوء بل تحوّلت إلى أزمة تنظيمية استقطبت اهتمام التنظيمات الإخوانية خارج مصر واستدعت تدخلها لرأب الصدع. وهو ما أفقد جماعة الإخوان المصرية كثيرا من مركزيتها ورمزيتها (باعتبارها الأقدم تاريخيا)، التي جعلتها مرجعا لكل الجماعات الإخوانية في العالم. لقد أدخلت الأزمة إخوان مصر في  حزام الأزمات الداخلية الذي كان قد ضرب في السابق إخوان الجزائر والعراق والأردن، وصار الإخوان المصريون في حاجة إلى وساطة من التنظيم الدولي بعد أن كانوا من يتولون الوساطات ويقودون مبادرات الصلح. وهذا سيؤثر مستقبلا في قدرتهم على القيام بدور القيادة في التنظيم الدولي، وإن كانت الظروف الدولية تمنع صعود تنظيم آخر كبديل لهم. وكل هذه المعطيات تُعزز فقط الأطروحة القائلة بنهاية هذا التنظيم فعليا وتحوّله إلى جزء من الماضي.

انعكاسات على الحياة السياسية

على رغم أن التغييرات التي طالت قيادة الجماعة واسعة ومؤثرة، خاصة مع صعود تيار  يجمع بين التشدد والمحافظة وتتقاطع عنده المؤثرات القطبية (من سيد قطب) والسلفية، فإن من الصعب أن تنعكس مباشرة في تغييرات جوهرية وجذرية في مسار الجماعة وتوجهاتها الاستراتيجية وخياراتها الكبرى على الأقل في المدى القريب والمتوسط. إن تتبع مسار التحولات الهامة في جماعة الإخوان يشي بأنها دائما ما تكون براجماتية ويفترض أن تحقق مصلحة الجماعة ومشروعها للتمدد والانتشار، كما أنها نادرا ما كانت تخضع إلى منطق التحولات الفكرية التي تقوم على التأسيس النظري أو المراجعات. وهي في كل الأحوال تحتاج إلى سنوات حتى تظهر آثارها.

لقد حسمت جماعة الإخوان المسلمين في العقود الثلاثة الأخيرة خياراتها السياسية الكبرى من حيث رفض العنف كأداة للتغيير السياسي، والقبول بالمشاركة السياسية ضمن الدولة الوطنية القائمة ونظامها السياسي، والعمل وفق منطق التغيير المتدرج. وهذه كلها خيارات لم تعد مجرد قناعات فكرية يمكن مراجعتها أو النكوص عنها تأثرا بأفكار جديدة أو قديمة ( السلفية أو القطبية ) بل صارت مصونة بتحولات في القاعدة الاجتماعية للإخوان وخبرة تقترب من ثلاثة عقود يصعب تجاوزها أو التشكيك فيها، خاصة وأنها جاءت نتاج مشاركة جماعية من كل تيارات الجماعة وأجيالها، وهو ما لا تشذ عنه القيادة الجديدة على رغم انتماء أهم رموزها للمدرسة القطبية وتأثرهم بخبرة السجون والمعتقلات في الحقبة الناصرية.

لذلك من المتوقع أن تشارك الجماعة في كل المنافسات السياسية التي سيشهد العام الجاري أهم فصولها حيث تجرى قريبا انتخابات مجلس الشورى ( الغرفة الثانية ) وانتخابات مجلس الشعب ( الغرفة الأولى ) ويحتل نواب الجماعة نحو 20% من مقاعد الأخير كأكبر كتلة بعد الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم.لا بل يبدو أن القيادة الجديدة لن يكون أمامها سوى تأكيد استمرارها في توجه المشاركة السياسية مرة للرد على التوجسات من ارتدادها بالمسار السياسي للجماعة، ومرة أخرى لحاجة التنظيم إلى معركة قوية تعيد تماسكه الداخلي وتصرف طاقته في مواجهة مع الخارج/ النظام، وتكون بمثابة "تعميد" للقيادة الجديدة.

لكن التغيير المنتظر سيكون لجهة الاضطراب الذي يمكن أن يطال تفاصيل هامة في الرؤية السياسية للجماعة؛ حيث يرجح أن تميل أكثر للمحافظة خاصة مع الصعود السلفي الذي برز في الجماعة. ويُرجّح ألا تستجيب الجماعة للنقد الموجه إليها لتراجع موقفها في البرنامج السياسي الرافض لترشيح المرأة والأقباط لمنصب رئيس الجمهورية.

كما يرجح أن تفقد الجماعة كثيرا من مرونتها وقدرتها على التواصل مع القوى والتيارات السياسية والفكرية الأخرى، وهو ما يعزز من قدرة النظام على إحكام حالة من الحصار عليها. لكن يبقى أن هذا لن يؤثر كثيرا على قاعدتها الاجتماعية وجمهورها المفترض والذي صار يميل إلى المحافظة والاقتراب من الأطروحة السلفية. وهذا يعني أن التغييرات الجديدة في قيادة الجماعة إنما تمثل بشكل ما تلبية لطلب واسع في المجتمع المصري على المحافظة وليس بالضرورة انقلابا ضد التوقعات المنتظرة.

انعكاسات على العلاقة بالنظام

لكن الانعكاسات الأهم للتغييرات الجديدة في جماعة الإخوان يرجح أن تكون في علاقتها بالنظام وبالدولة المصرية عموما؛ إذ يبدو أنه من المرجح أن يسعى النظام للاستفادة من هذه التغييرات في تعديل وضع الجماعة والصورة التي استقرت عنها في الحياة السياسية المصرية لجهة تعميق عزلتها السياسية والمجتمعية وتقديمها كتنظيم مارق يهدد الحياة السياسية بل وأسس المجال العام في مصر، وهو ما يمكن أن يكون انقلابا في طريقة تعاطي نظام الرئيس مبارك مع الجماعة.

فقبل أيام ( 8 فبراير/شباط 2010  ) وفي أول ضربة أمنية وجهها النظام للجماعة بعد التغييرات وطالت عددا من أهم قادتها وفي مقدمتها محمود عزت نائب المرشد وعصام العريان ومحي حامد وعبد الرحمن البر الأعضاء بمكتب الإرشاد وعدد آخر من قيادات الجماعة، كان لافتا أنه ولأول مرة يجري الحديث عن "تنظيم خاص" داخل الجماعة مختلف تماما في أفكاره وقياداته ومشروعه السياسي عن جماعة الإخوان المعروفة والتي تمارس العمل العام وتشارك في الحياة السياسية منذ نحو ثلاثة عقود، وطوال حكم الرئيس مبارك دون انقطاع. لقد وجهت النيابة اتهامات جديدة ومفاجئة للمتهمين الإخوان كانت هى الأولى من نوعها لقيادات الجماعة، مثل " تكوين تنظيم ينتمى لسيد قطب، يقوم على منهج التكفير ومحاولة تنظيم معسكرات مسلحة للقيام بأعمال عدائية داخل البلاد".

لقد جاء اختيار اسم «التنظيم الخاص» كمحاولة لاستدعاء الدلالات السلبية في الخبرة التاريخية للإخوان والتي مارسوا فيها العنف المسلح ضد النظام وخصومهم السياسيين قبل ثورة يوليو، وهي الخبرة التي التصقت باسم "التنظيم الخاص" والذي دفعت الجماعة بسببه كلفة سياسية ورمزية عالية وظلت سمعته السيئة تلاحقها زمنا طويلا .

كما أن اختيار اسم "سيد قطب" يستدعي أيضا جدلا مهما عاشته الجماعة وما زالت حول تأثرها بأفكار هذا المفكر الذي صار ينظر إليه باعتباره الأب الروحي لكل جماعات العنف الإسلامي في أنحاء العالم، فثمة اتفاق على أن أفكار قطب في مجملها أفكار متشددة تؤسس لبناء جماعة منعزلة تؤمن بجاهلية المجتمع ولا تعترف بشرعية الأنظمة الحاكمة وتميل لمواجهتها ولو بالانقلاب عليها، وقد تقود للتورط في التكفير والعنف الدموي إذا ما توفرت لها الشروط والسياق المناسبين.

وإمعانا في تأكيد الاتهام واستفادة من تراث ممتد في الخبرة التاريخية للإخوان، تؤكد مذكرة التحريات وجود قيادتين للجماعة إحداها علنية والأخرى سرية غير معروفة، وهو ما سبق حدوثه في السبعينيات من القرن الماضي بعد وفاة المرشد الثاني حسن الهضيبي، وتؤكد مذكرة التحريات أن القائد السري للتنظيم هو محمود عزت، وأنه المرشد العام الفعلي للتنظيم الدولى للإخوان المسلمين على مستوى العالم، وأنه هو الذى بايعته قيادات الخارج فعلياً قبل أسبوعين من الإعلان رسمياً عن اختيار محمد بديع مرشداً عاماً للجماعة!

لقد كان محمود عزت، المتهم الأول في القضية الجديدة وأبرز رموز التيار القطبي، القيادة الأهم التي أدارت التغييرات الأخيرة واعتبرها الجميع مسئولة عن هيمنة القطبيين على الجماعة وإنهاء أي وجود للتيار الإصلاحي في قيادتها، وقد صار الرجل رمزا للتيار القطبي داخل جماعة الإخوان، ومن ثم اتجه النظام إلى اختياره رأسا للقضية مستفيدا من حالة الجدل داخل الجماعة وحالة القلق والترقب خارجها، لتوجيه هذه النوعية "الخطيرة" من الاتهامات التي ما كان ممكنا توجيهها للجماعة قبل التغييرات التي أعادت ترتيب الجماعة داخليا لمصلحة التيار المتشدد والمحافظ عموما.

تمثل القضية الأخيرة محاولة من النظام لتغيير موقع الجماعة السياسي الذي استقرت فيه طوال الثلاثة عقود الأخيرة، فقد كانت تقف ضمن مربع معتدل نسبيا ظلت تعامل فيه كجماعة سياسية مسموح لها بالعمل والحضور( ضمن شروط معينة قابلة للنظر والتعديل) لكن من دون شرعية قانونية، وهو ما اصطلح على تسميته بالجماعات السياسية "المحجوبة" عن الشرعية، في حين يحاول النظام الدفع بها إلى موقع آخر تكاد تقترب فيه من وضعية الجماعات السياسية "الخارجة" عن الشرعية والمهددة للدولة ونظامها السياسي، وثمة فارق كبير بين جماعة محجوبة عن الشرعية، وهو ما يمكن السكوت عليه أو التفاهم لتعديله، وبين جماعة خارجة عن الشرعية وتمثل تهديدا لها كما رأينا في مذكرة الاتهام. وهو الأمر الذي ربما كان بداية لحقبة جديدة في العلاقة بين النظام بل والدولة المصرية وبين الجماعة يغير قواعد المواجهة بينهما تماما.

 حسام تمام باحث في شئون الحركات الإسلامية