خطت حكومة الوحدة الوطنية في اليمن خطوة نحو استقلال أكبر ووحدة بين الشمال والجنوب في أواخر آب/أغسطس الماضي، عبر إلغاء عقد وقّعته حكومة الرئيس السابق علي عبدالله صالح، الذي حكم البلاد لفترة طويلة، مع شركة "موانئ دبي العالمية". لكن البيروقراطية شديدة الوطأة حجبت هذا الخبر عن العناوين الرئيسة. ومع أن هذا التطوّر يفتقر إلى الإثارة التي تتميّز بها أخبار الهجمات بالطائرات غير المأهولة أو الاحتجاجات الحاشدة، إلا أنه أساسي لفهم الاتّجاه الذي يسلكه اليمن وماتأمل الحكومة الجديدة في تحقيقه فيما تعمل على الخروج من الخراب الذي خلّفه النظام السابق.

لقد منح العقد الذي وُقِّع في العام 2008، شركة "موانئ دبي العالمية" الحقّ في إدارة مرفأ عدن لمدّة مئة عام، وهذه فضيحة لأسباب كثيرة. لامانع من أن يوقّع اليمن عقداً مع جهة خارجية للمساعدة في إدارة المرفأ، لكن شروط العقد أفادت طرفَين فقط هما شركة "موانئ دبي العالمية" والرئيس. فالعقود التي توقَّع بين دولة وشركة مستقلّة تقدّم عادةً شروطاً مؤاتية جداً للدولة التي تُستخدَم مواردها الطبيعية بموجب العقد. لكن ماحدث هو العكس تماماً: ففي مقابل حصول النظام على ربح مادّي سريع، وُضِعت شروط العقد بما يصبّ إلى حدّ كبير في مصلحة شركة "موانئ دبي العالمية"، في تجسيد للاستراتيجية التي لطالما انتهجها صالح، إذ كان يتخبّط لتسوية المشاكل الفورية على حساب الحلول طويلة الأمد.

من أجل إدراك حجم الفضيحة، يجب التوقّف عند قيمة مرفأ عدن الرمزية والفعلية. فمع أن المرفأ يتمتّع بموقع استراتيجي ومناخ مؤات جعلا منه مكاناً مثالياً لتوقّف السفن بهدف إعادة التزوّد بالوقود، إلا أنه يشهد تراجعاً ولاسيما بسبب الفساد وسوء الإدارة. فعدم الاستقرار الذي تعاني منه البلاد في شكل عام - وتحديداً تفجير المدمّرة الأميركية "يو إس إس كول" في العام 2000، والهجوم على السفينة الفرنسية "ليمبورغ" - أدّى إلى تفاقم الأوضاع الأمنية وارتفاع أسعار التأمين على السفن التي تتزوّد بالوقود في عدن. تحوّل الميناء رمزاً لآفات الفساد وسوء الإدارة والعنف التي تفشّت في البلاد.

كان يمكن أن يشكّل العقد الذي وُقِّع في العام 2008 بداية جديدة، لو أُنجِز كما يجب. لكن على غرار أمور كثيرة قام بها نظام صالح، شابَهُ مزيجٌ من الخداع وعدم الكفاءة. بحلول ذلك العام، كان الحراك الجنوبي (وهي تسمية جامعة تشير إلى مَن يتحرّكون في الجنوب للمطالبة بمزيد من الحقوق) يكتسب زخماً، لكنه لم يكن قد تحوّل بعد إلى حركة انفصالية بكل معنى الكلمة كما هو الحال الآن. في تلك المرحلة، كان الجزء الأكبر من المطالب اقتصادياً، في انعكاس لحاجات الجنوب المهمَل. فحتى بالمقارنة مع باقي اليمن، كان الجنوب غارقاً في فقر مدقع، بسبب سوء الإدارة المحلية فضلاً عن الحكم الاقتصاصي الذي فرضه عليه الشمال. ومن المطالب التي رفعها الجنوبيون الحصول على مزيد من الحرَكية الاجتماعية التي تحفّزها في شكل أساسي الترقيات العسكرية، فالسياسات التي طبّقتها صنعاء جعلت من الصعب على الجنوبيين التقدّم في المراتب العسكرية. وطالب الحراك أيضاً باستعادة الأراضي وملكية المنشآت الصناعية التي صادرها الشماليون عقب الحرب الأهلية. ثم وقّع صالح العقد الذي وضع مرفأ عدن، قلب الجنوب والمحرّك الأول للنمو الاقتصادي في البلاد، في عهدة فريق خارجي. فلم يحصل النظام على سيولة سريعة وحسب، بل أكثر من ذلك، تمكّنت صنعاء من أن تستخدم تلك الأموال استنسابياً. وكما كان متوقّعاً، لم توظّفها لخلق فرص اقتصادية في الجنوب. كان تسليم الميناء إلى طرف خارجي لإدارته البرهان الأقوى على اللامبالاة الشديدة بمطالب الجنوبيين.

في تموز/يوليو الماضي، نظّم العمّال في مرفأ عدن مسيرة احتجاجاً على سوء الإدارة من جانب شركة "موانئ دبي العالمية". الأمر الذي أدّى على مايبدو دوراً محورياً في إلغاء العقد. فالحكومة اليمنية اعتبرت أن الإدارة في شركة "موانئ دبي العالمية" تفتقر إلى الكفاءة، وأنها لم تفِ بوعودها. وقد جاءت المسيرة الاحتجاجية في التوقيت المناسب، إذ كان الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي قد طلب من البرلمان النظر في أوجه التقصير لدى شركة "موانئ دبي العالمية". فقد كان يُفترَض بالشركة على وجه التحديد تحسين البنى التحتية وزيادة عدد مستوعبات الشحن إلى 900 ألف. إلا أن أياً من ذلك لم يتحقّق، بحسب تصريح وزير النقل اليمني وعاد عبدالله باذيب، لوكالة رويترز في وقت سابق هذا العام، ما أعطى الحكومة سبباً كافياً لفسخ العقد.

لم تعلّق شركة "موانئ دبي العالمية" بعد على إبطال العقد. ربما لم يتحقّق أي من الهدفَين، لكن تجدر الإشارة إلى أن الشركة لم تسجّل سوى زيادة محدودة في الأرباح في النصف الأول من العام 2012، كما أن الشركة الأم "دبي العالمية" تخضع إلى إعادة هيكلة شاملة للديون. يصعب الجزم ما إذا كانت الإدارة هي المشكلة الحقيقية، إلا أنها سبب وجيه لفسخ العقد من جانب الحكومة الجديدة. ففي إطار المناورة السياسية، تكتسب الخطوة التي اتّخذتها حكومة عبد ربه منصور هادي أهمّية بالغة على المستويَين الرمزي والاقتصادي، بعيداً عن إرث صالح ونحو مزيد من الاستقلالية. من الممكن أن تتولّى شركة أخرى إدارة الموانئ، لكن إذا تمّت المفاوضات بشفافية ونزاهة، فقد نكون أمام خطوة إضافية للقطيعة مع الماضي وفساده. أما إذا وُقِّعت صفقة خلف الأبواب المغلقة، فسوف يبدو هادي وكأنه استمرار لحكم صالح، بدلاً من القطيعة معه.

أتاح سقوط صالح في أواخر العام 2011 فرصة للمصالحة. وعلى الرغم من أن حكومة هادي قوبِلت بالشكوك من الحراك الجنوبي الذي قاطع الانتخابات التي اقتصر فيها الترشيح على هادي وأدّت إلى ترسيخ سلطته، إلا أن الرئيس ينتهز هذه الفرصة بحنكة لتغيير ذلك الرأي، ولاسيما عبر السماح لـ"مؤسسة موانئ خليج عدن" (مؤسسة جنوبية، وطرف أساسي في فسخ العقد) بتولّي زمام الأمور في مسألة ميناء عدن. لقد أدرك هادي، وهو نفسه جنوبي، مع أنه كان ينتمي إلى الدوائر المقرَّبة من صالح، أن العلاقات بين الشمال والجنوب تشكّل على الأرجح الهمّ الأكثر إلحاحاً في اليمن، فمدّ يده إلى القادة الجنوبين في محاولة لنزع فتيل التوتّر. الثقة شبه معدومة بين الشمال والجنوب، لكنها خطوة نحو إعادة بناء الثقة التي يحتاج إليها اليمن ليتمكّن من الصمود والاستمرار كدولة موحَّدة. صحيح أنه ليس ثمة عصا سحرية قادرة على حلّ كلّ المشاكل التي تواجهها صنعاء، لكن من شأن خطوة مماثلة - تُعيد الميناء إلى اليمن وتتيح لعدن والعاصمة الالتقاء كشريكَين - أن تقطع شوطاً كبيراً نحو التخفيف من حدّة النزاع الأهلي بين الشمال والجنوب.

براين أونيل محلّل مستقلّ مقيم في شيكاغو، وكاتب ورئيس تحرير سابق في "يمن بوست".

* تُرجمت هذه المقالة من اللغة الإنكليزية.