أصدرت السعودية والإمارات العربية المتحدة، في الثامن من أيلول/سبتمبر، بياناً مشتركاً أعربتا فيه عن تجديد دعمهما للحكومة اليمنية المعترَف بها دولياً ووجّهتا دعوةً من أجل قيام "حوار بنّاء" بين ممثّلي الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي هو عبارة عن تيار انفصالي في جنوب اليمن ومنضوٍ إلى جانب الإمارات. ويُسلّط البيان الضوء على الجهود التي تبذلها الرياض وأبو ظبي للظهور في صورة الجبهة الموحّدة في اليمن. بيد أن التطورات على الأرض تُهدّد جهودهما، على ضوء استمرار الصدامات بين قوات الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي منذ سيطرة المجلس على عدن في العاشر من آب/أغسطس الماضي.

لعل الجهود العلنية التي تبذلها السعودية والإمارات للالتفاف على خلافاتهما في اليمن هي بمثابة مسعى للحد من الأضرار، نظراً إلى التكهنات المتزايدة عن وجود تصدُّع في التحالف بينهما. وتعود الخلافات بين الدولتَين إلى مراحل الحرب الأولى، عند حدوث تبايُن في الرأي بينهما بشأن مصدر التهديد الأمني الأكبر وما إذا كان يتمثل بالحوثيين أو تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أو تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن التكهنات عن وجود تصدّع في العلاقة ظهرت بصورة أساسية بعدما أعلنت الإمارات، في مطلع تموز/يوليو، خفض عديد قواتها العسكرية في اليمن. واشتدّت التشنّجات داخل التحالف بعدما وقّعت أبو ظبي اتفاقاً أمنياً بحرياً مع إيران في الأول من آب/أغسطس. وبغية قطع دابر الشائعات، أصرّت الإمارات على أنها تشاورت مع السعودية بشأن تبدُّل سياستها في اليمن. واستضافت المملكة ولي عهد أبو ظبي الأمير محمد بن زايد في الرياض في 12 آب/أغسطس لمناقشة الأوضاع في اليمن. غير أن هذه الجهود لم تفلح في وضع حد للتكهنات، ولذلك تسعى الرياض وأبو ظبي إلى التركيز على القواسم المشتركة في اليمن لتبديد الشكوك بشأن التعاون بينهما.

وبعيداً من تخطّي الانطباعات غير المؤاتية، لدى الرياض وأبو ظبي مصلحة حقيقية في الحفاظ على التحالف بينهما، فأجنداتهما في السياسة الخارجية متداخلة إلى حد كبير. وفي اليمن، تلتزمان باحتواء الحوثيين وتستخدمان هذا التهديد المشترك لإعادة استنهاض شراكتهما الأمنية.

وفي جنوب اليمن، ازدادت المخاوف السعودية والإماراتية من أن الحوثيين قد يُفيدون من ظهور جبهة جديدة في الحرب الدائرة. وعلى الرغم من أن وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، اعتبر أن على الحوثيين أن يروا في خفض عديد القوات الإماراتية في اليمن إجراءً لبناء الثقة، شكّكت صنعاء في صدق النوايا الإماراتية. وعلى سبيل المثال، أسفر هجومٌ شنّه الحوثيون بطائرة مسيّرة على موكب عسكري في عدن في الأول من آب/أغسطس، عن مقتل أبو يمامة اليافعي، القائد العسكري لقوات الحزام الأمني المدعومة من الإمارات. وكان الهجوم بمثابة تذكير للإمارات بقدرة الحوثيين على تهديد المجلس الانتقالي الجنوبي ومعاقله في جنوب اليمن. وبغية التصدّي للتهديد الحوثي، درّبت الإمارات 90000 عنصر عسكري في جنوب اليمن، وهذه السياسة تنسجم مع الضربات الجوية التي تشنّها السعودية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في شمال اليمن.

ومع تصاعد وتيرة العنف بين المناطق اليمنية، تتفاوض السعودية والإمارات أيضاً من أجل التوصل إلى أرضية مشتركة يمكن أن تساعدهما على إدارة أهدافهما المتباينة. وفي المفاوضات، سلّط الحوثيون الضوء على ما اعتبروه تماسك حركتهم في مقابل الانقسامات داخل التحالف الذي تقوده السعودية، وذلك من أجل تدعيم حججهم في إطار مطالبتهم بالحصول على الشرعية الدولية.1 وخلال الزيارة التي قام بها مؤخراً كبير الدبلوماسيين الحوثيين محمد عبد السلام إلى طهران، أشاد المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي بالحوثيين لتصدّيهم للمخطط السعودي-الإماراتي الهادف إلى تقسيم اليمن. وتعمل السعودية والإمارات على تسليط الضوء في العلن على التزامهما بنزع التصعيد، فيما تحرصان على التعتيم على محاولاتهما الآيلة إلى تثبيت مناطق نفوذهما في اليمن. وتسعى الدولتان، من خلال ذلك، إلى التصدّي للجهود التي يبذلها الحوثيون من أجل التخلّي عن صورتهم الزيدية المذهبية وحشد الدعم من القوميين اليمنيين لحركتهم.

ويبدو من القرار الذي اتخذته السعودية بنشر قوات جديدة في جنوب اليمن، وما يُحكى عن قيام الإمارات بنقل مركبات قتالية إلى قوات الحزام الأمني في عدن، أن الجانبَين لا يزالان يحاولان تحقيق انتصارات عسكرية تكتيكية. بيد أن الجمود المستمر على الأرض يدفع بالرياض وأبو ظبي إلى تقييم خياراتهما الدبلوماسية. وفي حين أعلنت الحكومة اليمنية أنها لن تنخرط في حوار مع المجلس الانتقالي الجنوبي قبل انسحابه من عدن، ضربت الحكومة السعودية عرض الحائط بهذا القرار من خلال توجيهها دعوة إلى وفد من المجلس الانتقالي الجنوبي للقدوم إلى جدة في الرابع من أيلول/سبتمبر. ولم تسر زيارة الوفد وفقاً لما كان مخططاً له إذ أصرّت الحكومة اليمنية على إجراء مفاوضات مباشرة مع الإمارات. غير أن الرياض وأبو ظبي تريان في موافقة المجلس على الدعوة السعودية للانخراط في مسار دبلوماسي خطوة نحو الأمام.

تسعى السعودية إلى التحرر من التدخل العسكري الذي ألحق ضرراً شديداً بسمعتها الدولية. وفي الوقت نفسه، تتطلع الإمارات إلى مأسسة هيمنتها على جنوب اليمن. ولذلك قدّم مسؤولان كبيران من البلدَين، وهما نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان ووزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، دعماً علنياً للتوصل إلى حل سياسي للحرب في اليمن. وفيما تعمل السعودية والإمارات على الالتفاف على خلافاتهما في الملف اليمني من دون التضحية بمصالحهما الحيوية، يُجري المعلّقون والخبراء الموالون للحكومة في البلدَين تقييماً للإيجابيات التي يمكن أن تتأتى عن اعتماد الحل الفيدرالي، وينظرون في ما إذا كان من شأنه تأمين الشرعية للحكومة اليمنية المعترَف بها من الأمم المتحدة مع منح جنوب اليمن حكماً ذاتياً أكبر.

تُشدّد البيانات الرسمية السعودية على أن إعادة توحيد اليمن برئاسة عبد ربه منصور هادي هو الحل الوحيد المقبول. بيد أن عجز الحكومة اليمنية المستمر عن تثبيت مكاسبها على مستوى الأراضي قد يدفع بالرياض إلى تليين موقفها. ونظراً إلى الهجمات المتكررة التي يشنها الحوثيون بواسطة الطائرات المسيّرة، يُسلّط لجوء السعودية إلى نشر مزيد من الموارد العسكرية في جنوب اليمن، الضوء على الصعوبات التي تعترض شنّ حرب على جبهتَين ضد الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي في آنٍ واحد. وتشهد وسائل الإعلام المؤيِّدة للدولة السعودية نقاشاً محتدماً بشأن الاستجابة لمطالب المجلس الانتقالي الجنوبي.

وقد ارتفعت أصوات متشددة، على غرار سلمان الأنصاري، رئيس لجنة شؤون العلاقات العامة السعودية-الأميركية، للتنديد بصعود الانفصالية في جنوب اليمن بسبب العداء الإماراتي الضيّق الأفق للإخوان المسلمين. أما الأصوات المعتدلة فتعتبر أنه لا يمكن التوصل إلى تسوية إلا إذا تخلى المجلس الانتقالي الجنوبي عن استخدام القوة وعمل على إنشاء دولة في جنوب اليمن من خلال القنوات الدبلوماسية. ويسود اعتقاد على نطاق واسع في الرياض بأنه من شأن حصول جنوب اليمن على الاستقلال أن يُطلق، في إطار مفعول الدومينو، تحركات انفصالية على مستوى المنطقة. ولذلك، غالب الظن أن الحل الفدرالي هو آخر الحلول التي يمكن أن تبدي السعودية استعداداً للقبول بها من أجل إيجاد قواسم مشتركة مع الإمارات والخروج من اليمن.

وفي حين تعتبر الإمارات أن إنشاء دولة زبائنية في جنوب اليمن يمنحها رافعة مهمة تمارس من خلالها نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ليس واضحاً إذا كان هذا الهدف قابلاً للتحقيق. في الواقع، تسود شكوكٌ متزايدة بأن روسيا قد تبادر إلى دعم الإمارات في مسألة استقلال الجنوب داخل مجلس الأمن الدولي. وقد كان وزير الخارجية الروسي أول المبادرين إلى إرسال طلب رسمي للاجتماع بالمجلس الانتقالي الجنوبي في آذار/مارس الماضي، كما أن موسكو لم تُشدّد، في بياناتها الأخيرة، على وحدة اليمن. غير أن صنّاع السياسات الروس لا يزالون ينظرون إلى استقلال جنوب اليمن باعتباره ملاذاً أخيراً، ولطالما أبدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دعمهما لوحدة اليمن.2

نظراً إلى ضآلة الدعم الدولي لاستقلال جنوب اليمن، قد تقبل الإمارات بحل فدرالي فضفاض في اليمن في حال جرى التوصل إليه عن طريق المفاوضات السياسية.3 يُشار إلى أن نقطة الخلاف الأساسية بين الإمارات والسعودية هي الدور السياسي الذي يضطلع به الرئيس هادي. فقد وصف هادي الإمارات بأنها قوة احتلال، ودعمت حكومته طردها من التحالف العربي، ما تسبّب بتشنّج شديد في علاقاته معها. في الواقع، تفضّل الإمارات استبدال هادي من دون خرق بنود قرار مجلس الأمن 2216.4 بيد أن دعم السعودية الشديد لشرعية هادي قد يدفع بأبو ظبي إلى القبول بتسوية فدرالية تساهم في الحد من نفوذه.

يبقى نزع فتيل التشنجات بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي هدفاً بعيد المنال، ولكن بإمكان السعودية والإمارات العمل من أجل الحؤول دون اندلاع حرب أهلية شاملة بين المناطق اليمنية. ومن شأن الإقدام على هذه الخطوة أن يُبدّد التكهنات عن انقسام داخل التحالف، ويمنع الحوثيين من استغلال العنف في جنوب اليمن، ويتيح التوصل إلى تسوية سلمية تُراعي مصالح البلدَين.

سامويل راماني طالب دكتوراه في العلاقات الدولية في كلية سانت أنطوني في جامعة أكسفورد يتخصص في العلاقات بين روسيا والشرق الأوسط، مع التركيز على سورية واليمن والخليج. لمتابعته عبر تويتر @samramani2.

1  مقابلة أجراها الكاتب بالبريد الإلكتروني مع ناصر الربيعي، وهو صحافي بارز مقيم في صنعاء، 16 آب/أغسطس 2019.

2  مقابلة أجراها الكاتب بالبريد الإلكتروني مع السفير الروسي السابق لدى السعودية أندري باكلانوف، 18 آب/أغسطس 2019.

3  مقابلة هاتفية أجراها الكاتب مع السفيرة الأميركية السابقة لدى الإمارات مارسيل وهبة، 26 حزيران/يونيو 2019.

4  المرجع نفسه.