اصطدمت جولة المحادثات الأخيرة بين مصر وأثيوبيا والسودان بشأن الخلاف على سد النهضة الأثيوبي الكبير، بحائط مسدود من جديد. ولم يُحدّد الأفرقاء المعنيون موعداً جديداً لعقد جولة أخرى من المفاوضات، لكن أثيوبيا أعلنت عن نيّتها ملء السد بغض النظر عن إبرام اتفاق أم عدم إبرامه. وفي رد فعل غير مفاجئ، أثارت هذه التطورات القلق في مختلف أنحاء العالم. فقد عبّر مسؤولون من الولايات المتحدة والبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عن توجّسهم من احتمال نشوب حرب أو احتدام التشنّجات في حال عدم التوصل إلى اتفاق. فاندلاع نزاع بين حليفَين للولايات المتحدة في المنطقة قد يُعرّض حياة ملايين المدنيين للخطر ويلحق الأذى بمصداقية الولايات المتحدة وعملياتها لمكافحة الإرهاب في القرن الأفريقي.

لقد تمكنت هذه الدول من تسوية معظم خلافاتها في ما يتعلق بتشغيل المشروع على نحوٍ ناجح وسلمي. ولكن تبقى مسألتان أساسيتان عالقتَين، وهما بروتوكولات تخفيف الجفاف وآلية تسوية الخلافات. ويُشار في هذا الصدد إلى أن الاختلاف في وجهات النظر بين هذه البلدان حول مسألة إدارة مياه النيل هو السبب الأساسي خلف عدم التوصل إلى حل لهاتَين المسألتين. وتلفت أثيوبيا في هذا المجال إلى عدم وجود اتفاق قانوني شامل بشأن تقاسم المياه في حوض النيل، وترفض الدعوات التي توجّهها القاهرة والخرطوم لإطلاق عملية ملزمة دولياً من أجل معالجة المسألتَين. وتفضّل، بدلاً من ذلك، اعتماد آلية ثلاثية الأطراف تضم الدول الثلاث فقط، الأمر الذي ترفضه مصر، وكذلك السودان ولو بدرجة أقل حدة. 

لطالما كان النيل، على مر تاريخه، مصدراً للخلاف السياسي بين مصر وأثيوبيا. كادت تندلع حربٌ بين البلدَين في عام 1979، عندما ردّت مصر على المساعي الأثيوبية لبناء سدّ من خلال حشد قواتها في السودان. وفي عام 1994 أيضاً، لوّحت مصر باللجوء إلى العمل العسكري ضد أثيوبيا عندما كشفت أديس أبابا عن خطط لبناء سد عند نهر النيل. وقد ساهمت عوامل عدّة في تأجيج هذا الخلاف التاريخي. ولكن اعتراف الحكومة البريطانية بـ"حق مصر الطبيعي والتاريخي بمياه النيل" في عام 1929 من خلال المعاهدة الإنكليزية-المصرية شكّل دافعاً أساسياً للنزاع، إذ ألزم دول المنبع احترام هذه الحقوق. بيد أن القاهرة تتمسك بالإشارة إلى هذا البند بغية تبرير موقفها وتعزيزه. وهو أيضاً من الأسباب التي دفعت بأثيوبيا إلى اتخاذ القرار بتمويل سد النهضة كاملاً، وإلى رفض الوساطة الدولية، لأنها تفترض أن المجتمع الدولي سيصطف حكماً إلى جانب مصر.

وكذلك أعربت السودان، مباشرةً بعد نيلها استقلالها، عن استيائها من بنود تقاسم المياه الواردة في معاهدة 1929. وكادت تخوض حرباً مع مصر على خلفية ما اعتبرته احتكاراً مصرياً غير منصف لمياه النيل. ولكن الخلاف بين الدولتَين وجد في نهاية المطاف طريقه إلى الحل من خلال توقيع اتفاق 1959 الذي نص على تخصيص 18.5 مليار متر مكعب للسودان و55.5 مليار متر مكعب لمصر سنوياً. لهذه الغاية، شكّلت القاهرة والخرطوم جبهة موحّدة في مواجهة جميع دول المنبع، وتمكّنتا معاً من تعطيل المحاولات التي بذلتها تلك الدول لتعديل اتفاق تقاسم المياه. لكن تلك الوحدة تفككت في عام 2011، وبحلول عام 2014، عبّرت السودان علناً عن دعمها لأثيوبيا وبناء سد النهضة. صحيح أن السودان ترجّع حالياً صدى الموقف المصري من عدم شرعية المشروع برمته في غياب اتفاق يجري التوصل إليه بوساطة دولية، وكذلك من قيام أثيوبيا بملء خزان السد على نحوٍ أحادي، إلا أنها لم تتخذ إي إجراءات ملموسة.

حين انشغلت القاهرة بالاحتجاجات السياسية وتداعي الاستقرار بعد سقوط الرئيس الأسبق حسني مبارك في عام 2011، باشرت أثيوبيا بناء سد النهضة في نيسان/أبريل من العام نفسه. يُشار إلى أن جميع الأثيوبيين البالغين تقريباً هم من حملة السندات التي أُصدِرت لتمويل السد، وفي هذا السياق، تصرّ الحكومة على أن السد سوف يساهم في إنعاش الاقتصاد، ومعالجة النقص في التيار الكهربائي في البلاد، وتوسيع القاعدة الصناعية، وإضافة مصدر جديد للدخل من خلال تصدير الكهرباء إلى البلدان المجاورة.

تحاول السودان العالقة بين مصر وأثيوبيا إرساء توازن بين رغبتها في عدم استفزاز مصر والحفاظ على مصالحها الاقتصادية الكبيرة في المشروع. وقد اكتسبت هذه المصالح أهمية متزايدة على ضوء الانتقال السياسي الفوضوي إلى مرحلة ما بعد البشير، وخسارة الإيرادات النفطية لمصلحة جنوب السودان. سوف يتيح هذا الموقف الجديد للسودان معالجة النقص في التيار الكهربائي بسعرٍ متدنٍّ نسبياً، هذا فضلاً عن أن قطاعها الزراعي البالغ الأهمية سيُفيد من تنظيم تدفق المياه. ولكنها عبّرت عن هواجسها بشأن مسائل السلامة العامة – فالسد يقع على مسافة 20 كيلومتراً فقط من الحدود السودانية، وفي حال سوء التنسيق في ما يتعلق بتدفقات المياه، أو الوقوع في أخطاء تقنية، قد يجري إغراق سد الروصيرص بالمياه.

ترى مصر في هذا المشروع تهديداً وإساءة مباشرَين لأمنها القومي، وتنميتها الاقتصادية، ومكانتها التي تجعل منها قوة أساسية في شمال أفريقيا. تعتمد القاهرة اعتماداً شبه كامل على النيل للحصول على الإمدادات المائية، وتخشى أن تعمد أثيوبيا إلى استخدام السد بمثابة أداة سياسية بغية انتزاع تنازلات وتقويض مكانة مصر في المنطقة. ولذلك، تعهّد المسؤولون المصريون تكراراً باستخدام كل الوسائل المتاحة لهم لحماية مصالح بلادهم. لهذه الغاية، تسعى القاهرة الآن إلى رفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي.

لجأ وزير الخارجية المصري سامح حسن شكري أيضاً إلى سياسة الهوية بهدف تعزيز الدعم من الدول العربية، لا سيما وأن القاهرة تخشى اصطفاف السودان إلى جانب أثيوبيا في نهاية المطاف. قبل جولة المحادثات الأخيرة، توجّه الوزير شكري في زيارة إلى كل من الأردن والعراق والسعودية والإمارات العربية المتحدة لعرض الموقف المصري من المسألة؛ ولكن لم تُكشَف تفاصيل وافية عما دار في هذه النقاشات. بيد أنه يمكن الافتراض على نحوٍ مأمون أن لدى أبو ظبي والرياض سبباً مشتركاً للتوسط بين الطرفَين، وهو الأمن الغذائي. فعلى ضوء قيام أبو ظبي والرياض برفع مستوى تدخلهما في القرن الأفريقي في الآونة الأخيرة، لا تستطيع مصر التعويل على حلفائها العرب الأساسيين من أجل الضغط على أثيوبيا لاعتماد مقاربة أكثر توفيقية. فضلاً عن ذلك، ونظراً إلى الدور الذي تؤدّيه كل من أثيوبيا والسودان في تأمين المواد الغذائية لهذين البلدَين، يُستبعَد أن يتدخّلا لمصلحة مصر، لأن سد النهضة قد يساهم في تعزيز أمنهما الغذائي. فمن شأن السد أن يؤدّي إلى تنظيم تدفق المياه إلى الأراضي الزراعية السودانية المستأجَرة، في جزءٍ كبير منها، من شركات إماراتية وسعودية، نظراً إلى اعتماد هذين البلدَين على السودان للحصول على سلّتهما الغذائية.

ففي محاولة لتعزيز الأمن الغذائي، عمدت دول مجلس التعاون الخليجي – لا سيما السعودية والإمارات – إلى استثمار أموال طائلة في القطاع الزراعي السوداني. واستأجرت أيضاً لآجال طويلة مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة التي يجري ريّها بواسطة مياه النيل؛ وتُسمّى هذه الممارسة عادةً الاستيلاء على الأراضي. وفقاً لقاعدة البيانات الخاصة بموقع Land Matrix، يُعمَل بهذه الصفقات منذ عام 1972. ولكن منذ عام 2008، دفع مزيج الأزمة المالية، وإقرار الحكومة السودانية قوانين أكثر مؤاتاة للأعمال في أعقاب انفصال جنوب السودان، وأحداث الربيع العربي – التي كان الارتفاع في أسعار المواد الغذائية أحد أسبابها – بالدول الأجنبية إلى زيادة استثماراتها في القطاع الزراعي السوداني.

وقّعت السعودية والسودان، في إطار مبادرة الأمن الغذائي العربي، على شراكة استراتيجية للتعاون الزراعي في كانون الأول/ديسمبر 2018. بموجب هذه الشراكة، تحصل الرياض على وصول تفضيلي إلى الأراضي الزراعية السودانية في منطقة النيل الشمالية في مقابل مواصلة الاستثمار السعودي في القطاع الزراعي السوداني. كذلك، تضع الإمارات يدها على أكثر من 2800 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية في السودان منذ عام 2010، وقد فاقت استثماراتها في القطاع الزراعي السوداني إلى حد كبير استثمارات الدول الأخرى في مجلس التعاون الخليجي. فقد أنشأت أكثر من 20 شركة مقرها الإمارات عمليات و/أو وظّفت استثمارات في الأراضي الزراعية السودانية، هذا فضلاً عن أن نسبة 75 في المئة من القروض والاستثمارات التي يخصصها صندوق أبوظبي للتنمية المملوك من الدولة الإماراتية للسودان، مرتبطة بالزراعة والإنتاج الحيواني. 

في الحقبة المعاصرة، تؤشّر المعطيات القائمة منذ عقود من الزمن، والتي تتمثّل بالعدواة وغياب الثقة بين مصر وأثيوبيا، والضغوط الداخلية، وموجات القومية الصاعدة، والتقلبات المناخية، إلى أن القضايا المتعلقة بالنيل ستبقى على الأرجح مصدراً للتشنجات في السنوات المقبلة. ولكن السعودية والإمارات في موقعٍ يخوّلهما أداء دور قيادي في مساعدة البلدان المعنيّة على تجنّب المواجهة. أما الولايات المتحدة فقد خسرت مصداقيتها في دور الوسيط المحايد، في حين ينشغل الاتحاد الأوروبي بشؤونه الداخلية. والدليل على ذلك أن أجندة الرئاسة الألمانية للاتحاد الأوروبي لم تأتِ حتى على ذكر الخلاف حول سد النهضة. أخيراً، يفتقر الاتحاد الأفريقي ببساطة إلى الموارد الضرورية لإقناع الأفرقاء بتقديم تنازلات.

تستطيع أبو ظبي والرياض، بفضل روابطهما الوثيقة مع مصر وأثيوبيا والسودان، أداء دور قيادي في تيسير التعاون. ولكن من أجل تحقيق هذه الغاية، يجدر بهما تجنّب إثارة العداء لدى فريق ما لمصلحة فريق آخر؛ والمقصود بذلك أنه يتعيّن عليهما وضع علاقاتهما المميزة مع القاهرة جانباً والتصرف بطريقة محايدة. تملك الإمارات والسعودية عدداً من الحوافز، منها خدمة مصالحهما في مجال الأمن الغذائي، والحفاظ على تأثيرهما الإقليمي الذي اكتسباه بشق النفس، وفرض نفوذهما على حساب إيران وقطر وتركيا. ويمكنهما البناء على جهودهما الأخيرة لإحلال السلام بين إريتريا وأثيوبيا، وتعزيز مكانتهما العالمية في موقع صانعَي السلام في حال تمكّنهما من أداء دور أساسي في التوصل إلى حل طويل الأمد لواحدة من أكثر المعضلات استعصاءً في المنطقة. وفي هذا الإطار، يمكنهما الإفادة من غياب الخيارات لدى القاهرة، فنظراً إلى الخلافات الأيديولوجية مع إيران وتركيا، على الأرجح أن مصر سوف تمتنع عن الانجرار نحو أنقرة أو طهران رداً على الدعوات الإماراتية والسعودية لتقديم تنازلات من أجل التوصل إلى تسوية.

نيما خورامي مساعد أبحاث في مركز الدراسات الأمنية القطبية التابع لمعهد القطب الشمالي.