تتمسّك الحكومة السورية بإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها منتصف عام 2021، وترفض ربطها بجدول عمل اللجنة الدستورية التي استأنفت جلساتها يوم 25 يناير/كانون الثاني الماضي بعد انقطاعٍ استمر لأشهر نتيجة تفشي فيروس كورونا، حيث شدد على ذلك مسؤولون حكوميون في دمشق، منهم فيصل المقداد، وزير خارجية نظام الرئيس بشار الأسد، والذي قال في أواخر شهر ديسمبر/كانون الأول 2020 إنه "لا علاقة بين اللجنة الدستورية وموعد الانتخابات الرئاسية المقبلة."

يبدو واضحاً أن عدم ربط حكومة دمشق بين موعد الانتخابات الرئاسية واللجنة الدستورية، التي كان ينبغي عليها وضع دستورٍ جديد للبلاد خلال الفترة الماضية، يوحي بفشل اللجنة المكونة من 150 عضواً موزّعين بالتساوي بين وفدين رئيسين هما: وفدا حكومة الأسد ومعارضته، إضافة إلى وفدٍ ثالث يمثّل المجتمع المدني. هذا الوضع يدعو إلى تقصي أسباب فشل اللجنة الدستورية في المهام الموكلة إليها، وتأثير ذلك على الانتخابات الرئاسية وعلى الوفدين الرئيسين المشاركين فيها.

يؤشر إصرار حكومة الأسد على إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها على مساهمتها بالدرجة الأولى في إفشال مهام اللجنة الدستورية، التي أنهت الجولة الخامسة من أعمالها بعد مرور أكثر من عامٍ ونصف على تشكيلها في سبتمبر/أيلول 2019 في جنيف دون أن تتمكن من إحراز أي تقدّم فعلي في صياغة دستور جديد. إلى جانب أن هذا الإصرار الحكومي يحمل أيضاً تجاهلا واضحا لواقع سوريا التي تشهد حرباً أهلية منذ نحو عقدٍ من الزمن، إذ لا يمكن لملايين السكان المشاركة في هذه الانتخابات بعد فرارهم من بلادهم، ناهيك عن عدم مشاركة المعارضة فيها، بالإضافة إلى وجود مساحات جغرافية كبيرة لا تخضع لنفوذ دمشق، كما هي الحال في مناطقٍ مختلفة جنوب البلاد وشمال غربها وشرقها. وهي مناطق لن تسمح الأطراف التي تسيطر عليها بإجراء انتخاباتٍ لديها.

وتعود أسباب فشل اللجنة الدستورية حتى الآن، إلى اختلاف الطرفين الرئيسين فيها، الحكومة ومعارضتها ،على خطوط عريضة فيما يتعلق ببنود ومحتوى الدستور الجديد، وأبرزها الأحكام الانتقالية، ويمكن تسميتها أيضا بـ "المرحلة الانتقالية"، التي ستشهد انتخابات جديدة وفق القرار الأممي 2254، الأمر الذي تتهرب منه الحكومة عبر إطالة أمد عمل اللجنة الدستورية، ولاسيما أنه بالإضافة لحصة الحكومة  التمثيلية المكونة من 50 شخصاً، لديها أشخاص مقرّبون منها ومدعومون من موسكو ضمن قائمة "المجتمع المدني"، وعددهم في الواقع أكبر بكثير من أولئك الذين يدعمون المعارضة في المجموعة ذاتها، ما يعطيها أفضلية في التحكّم أكثر بمسألة الوقت فيما يتعلق بالمدة المطلوبة لصياغة الدستور، وهذا ما يعني إخفاق  اللجنة في وضع دستور جديد خلال الأشهر القليلة المقبلة التي تسبق موعد الانتخابات.

كما أن المرحلة "الانتقالية" ليست العائق الوحيد أمام تقدّم اللجنة الدستورية، فتحديد القوات الأجنبية التي سيتم تصنفيها ككيانات "محتلة" لا يقل تعقيداً عنها. وفي هذه النقطة، تقف الأطراف الثلاثة عند مفترق طرقٍ، حيث يصر ممثلو الحكومة على تصنيف تركيا وأمريكا لوحدهما كقوات محتلة على اعتبار أن أنقرة تسيطر على مدنٍ سورية شمال شرقي البلاد وغربها، وأن لدى واشنطن قوات عسكرية في المنطقة ذاتها ضمن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، فيما وفد المعارضة، الذي تهيمن عليه أنقرة من خلال "الائتلاف"، يرفض ذلك كلياً ويطالب بتصنيف إيران وروسيا كقوتين محتلتين أيضاً، وهنا يكمن التصادم بين الطرفين، خاصة أن وفد الحكومة يرى أن القوات الروسية والإيرانية دخلت خط الأزمة بناءً على طلب حكومة دمشق "الشرعية"، وبالتالي لا يعد وجودهما احتلالاً. وهذا خلاف يتكرر في قائمة المجتمع المدني أيضاً.

أما بالنظر إلى هيكلة الأطراف المتفاوضة، فمن الواضح أن وفد المعارضة في اللجنة الدستورية مشتت. على الرغم من أن "الائتلاف" يعتبر المهيمن على وفد المعارضة ويشكّل عموده الفقري، إلا أن الوفد يضم أيضاً أطرافاً أخرى منها "المجلس الوطني الكردي" الذي يختلف معه ومع وفد الحكومة على تسمية اسم الدولة السورية والاعتراف بمكوناتها القومية. وهناك أيضاً ممثلون عن قائمة المجتمع المدني، الذين يختلفون مع الحكومة والائتلاف حول هذه الأمر، ما يزيد من هشاشة كتلة المعارضة ضمن اللجنة مقابل صلابة موقف ومطالب وفد الحكومة الموحد، ولاسيما أن بعض أعضاء "الهيئة العليا للمفاوضات"، الذين يشاركون في صياغة الدستور، محسّوبون على "الائتلاف" مقابل معارضين له في "الهيئة" ذاتها.

ومع أن "المجلس الوطني الكردي" يشارك ضمن اللجنة الدستورية من خلال "الائتلاف" و"الهيئة العليا للمفاوضات"، لكن جهات داعمة للأكراد مثل "مجلس سوريا الديمقراطية" يرفض أن يكون هذا المجلس ممثلهم الوحيد، ويطالب بالمشاركة في أعمال اللجنة، في مواجهة "فيتو" أنقرة التي ترفض أي مشاركة لأطراف داعمة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في اللجنة باعتبار أنها ترى فيها امتداداً لحزب "العمال الكردستاني" المحظور لديها. ويبدو أن غياب "قسد" يخفف من تأثير قرارات اللجنة وأثر عملها على الأرض باعتبار أن ممثل الأكراد الحالي فيها ضعيف من ناحية التواجد الشعبي ولا يملك سيطرة ميدانية في منطقة شرق الفرات وأيضاً غربها.

وبالتالي، نجحت حكومة دمشق إلى حدٍّ كبير من خلال وفدها المشارك في اللجنة الدستورية في المماطلة وكسب الوقت اعتماداً على العامل الزمني، مستغلةً تشتت وفد المعارضة وانقسام قائمة المجتمع المدني بينها وبين معارضتها. وبطبيعة الحال، المدة المتبقية إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية لن تكون كافية للتوافق على الدستور، ما يعني أن الانتخابات التي ستجري منتصف العام المقبل سيكون مرجعيتها الدستور الحالي وسيشارك فيها الأسد مجدداً، وقد اعترفت المعارضة بذلك ضمنياً على لسان يحيى العريضي المتحدث باسم وفدها المشارك في اللجنة يوم 6 ديسمبر/ كانون الأول، والذي قال إنه "لا فائدة من اللجنة الدستورية في حال لم تنهِ اجتماعاتها قبل الانتخابات المقبلة". وكذلك قالت ميس كريدي، المقرّبة من موسكو ضمن قائمة المجتمع المدني، إن "أهلية اللجنة الدستورية وعملها غير مرتبطين بالانتخابات."

ويمكن القول إن بديل دمشق الحالي عن اللجنة الدستورية هو إجراء الانتخابات في موعدها المقرر مع الاستمرار بالمشاركة في أعمال اللجنة، ما يمنح وفدها فرصة إضافية للمماطلة في بنود الدستور وكسب المزيد من الوقت ريثما تنتهي الانتخابات، ناهيك أن موسكو أيضاً تفصل بدورها بين عمل اللجنة والانتخابات الرئاسية، ما يوحي أنها توافق ضمنياً على إجراء الانتخابات في موعدها. وقد قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن: "الانتخابات الرئاسية شأن يخص الحكومة السورية ولا مواعيد زمنية لجدول أعمال اللجنة الدستورية". وهذه الأمور كلها تجعل المعركة الانتخابية لصالح دمشق مع غياب المعارضة عنها، فقد أكد "الائتلاف"، يوم 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، في بيان عن تراجعه عن تشكيل مفوضية للانتخابات نتيجة رفض أنصاره لانتخاباتٍ يكون الأسد طرفاً فيها.

ولذلك، من المستبعد أن تتمكن اللجنة الدستورية من تحقيق النجاح المرجو منها في الوقت الراهن، ذلك أن الانتخابات الرئاسية اقتربت بينما لم تتمكن اللجنة من إحراز أي تقدّم في سير عملها، ما يجعل مطلب إسقاط الرئيس وحكومته لدى وفد المعارضة أمراً غير قابلٍ للتطبيق باعتبار أن الانتخابات ستجري في موعدها في ظل مقاطعة المعارضة. إضافة إلى ذلك، لدى وفد الحكومة فرصة زمنية إضافية، لأن الأشهر الستة المتبقية التي تسبق إجراء الانتخابات غير كافية للجنة الدستورية لتتمكن من وضع دستورٍ جديد للبلاد قد يؤدي لانتخابات بموجب بنوده، وهو ما يجعل دمشق تراهن على العامل الزمني.  ومن المتوقع أن يواصل وفدها المماطلة في اللجنة ريثما يتم انتخاب الأسد مجدداً، وقد يسبق ذلك إعادة مناطق جديدة لسيطرة قواته ومنها أجزاء من إدلب وأخرى في شمال شرقي البلاد.

وينبغي الأخذ بعين الاعتبار، أن سوريا تعيش حرباً طاحنة تديرها أطرافاً دولية وإقليمية، وهو ما يجعل اهتمام غالبية السوريين باللجنة الدستورية أو الانتخابات الرئاسية أمراً ثانوياً، سيما وأن ذلك يتم في ظروفٍ غير مواتية، حيث ينشغل معظمهم بأزمة اقتصادية بالإضافة إلى الأزمة الصحية التي رافقت تفشي فيروس كورونا. كما أن مماطلة وفد الحكومة في اللجنة الدستورية خلال الفترة الماضية، كان ينذر بصعوبة قبول دمشق لمرحلة ما بعد الدستور فيما لو كانت الأطراف المفاوضة قد تمكنت من وضع دستورٍ جديد للبلاد، الأمر الذي يعني فعلياً عدم وجود أي تأثير للجنة على نظام الأسد ونتيجة انتخاباته. وأخيرا، حتى تتمكن اللجنة الدستورية من تحقيق أهدافها، لابد من ممارسة الضغط على وفد الحكومة، وإرغامه على القبول بوضع دستورٍ جديد للبلاد يضمن حقوق كل السوريين، كما ينبغي الضغط أيضاً على وفدي المعارضة والمجتمع المدني للمضي قدماً في العملية السياسية التي قد تساهم في إنهاء الحرب الحالية، بعيداً عن التدخلات الخارجية.

جوان سوز، باحث وصحافي مختص بالشؤون التركية والأقليات في الشرق الأوسط، وهو أيضاً عضو في نقابة الصحافة الفرنسية SNJ