حاولت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، بقدر مستطاعها، أن تتجنب الانجرار لجولة الصراع التي احتدمت في أيار/مايو 2021 بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ سواء في القدس أو قطاع غزة. وبقدر ما مثّلت هذه الحرب اختباراً للسياسة الخارجية لإدارة بايدن في الشرق الأوسط، بقدر ما أبرزت التصميم الأمريكي على الاعتماد على الشركاء الإقليميين في الوصول إلى تهدئةٍ ووقفٍ لإطلاق النار، وهو ما نجحت مصر فيه.

تحت ضغط تيار من حزبه وضغط الرأي العام، عدّل بايدن اتجاه بوصلته بعض الشيء، لكنّ "التقشف" الأمريكي في الانخراط في النزاع الحالي كشف مجدداً عن جديةِ استراتيجية الانسحاب الأمريكي في الشرق الأوسط، وعن أن الأولويات الأمريكية تقع في مكان آخر.

التحرك الدبلوماسي الأمريكي هادئ، متعدد الأطراف، ومن وراء الكواليس، وغير طامح بالفعل لإحداثِ انتقالةٍ جذرية في ديناميكيات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ ما دام أطرافه الأساسيّون غير جاهزين للقيام بما يلزم من خطوات وتنازلات متبادلة تفضي إلى انفراجة حقيقية. لعل هذا ما عبر عنه مارتن إنديك بقوله إن الوقائع والحقائق على الأرض، وليس فقط اختلاف الأولويات الأمريكية، هي ما تقود سياسة الرئيس بايدن حيال هذا الصراع المعقد.

الهدوء النسبي للتغطية الإعلامية في الدول الخليجية- باستثناء تغطية قناة "الجزيرة" وتفاعلات التأييد الشعبي الواسع للفلسطينيين في الكويت- لهذه الجولة من الصراع أشّر إلى التحولات الجيوبولتيكية الجديدة في المنطقة، فيما كشف تفاعل الأفراد والنشطاء ونجومٍ وفئاتٍ شبابية في العالم العربي والغربي على "السوشيال ميديا" نصرةً لحقوق الفلسطينيين المشروعة في القدس الشرقية عن معطيات مستجدة؛ بخصوص المؤثّرات المتنوعة التي تصنع صورة الصراع وتشابكاته، وهي تستحق المتابعة والتحليل ضمن البحث في ملامح السرديات الجديدة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

في الصورة الأكبر، لا تُجيب الولايات المتحدة بوضوحٍ كافٍ عن كيفية استجابتها للتداعيات المحتملة التي قد يخلقها الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط الكبير. في أيار/ مايو 2021، أكّدت أطراف فرنسية (سكرتير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية، كليمان بون) أن الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد الذي يمتلك روافع دبلوماسية قادرة على الـتأثير في طرفي الصراع، لكن واشنطن تتمسك بـ"واقعية عدم الانجرار"، مع الإعلان الدبلوماسي على لسان الرئيس بايدن وفريقه بأن "الفلسطينيين يستحقون الحرية والسلام والازدهار مثل الإسرائيليين".

تقليص البصمة العسكرية الأمريكية في المنطقة، كما بات معلوماً، يتعلق بحسابات داخلية،  وجدل أمريكي مستمرّ منذ آخر ثلاث إدارات أمريكية على الأقل، وهو متعلّق أيضاً، وخاصة حالياً، بلعبة التنافس والصراع بين القوى العالمية، ويأتي، بالتالي، بدافع توجيه الأولويات والموارد صوب شرق آسيا، ومواجهة التحدي الصيني المتصاعد.

ثمة من يتساءل: هل تخسر الولايات المتحدة في حال ملأت الصين وروسيا وإيران (وطالبان في أفغانستان) الفراغ الناشئ عن الانسحاب الأمريكي من المنطقة؟ وهل بالفعل أن لدى الصين أو روسيا القدرة والرغبة في السير بهذا الاتجاه، وتكثيف وتوسيع أدوارهما الأمنية والعسكرية في هذه المنطقة الشائكة والمعقدة؟

جولة الصراع الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين أثارت الشكوك مجدداً حول تلك القدرة أو الرغبة حتى في ظل انكفاء أمريكي متزايد، ما يعني مزيداً من علامات التعجب والاستفهام حول مقولة "ملء الفراغ"، ومدى استفادة خصوم واشنطن الدوليين والإقليميين من انسحابها وضعف دوافعها في المبادرة.

التصميم الأمريكي على تبني نهجِ فكِّ الارتباط بالمنطقة يحظى بدعمٍ قوي في الداخل الأمريكي، على جميع المستويات، والواقعيون يذهبون إلى أن الوجود العسكري ليس السبيل الأوحد لتأمين المصالح الأمريكية، فالنهج الدبلوماسي المدروس والفعّال يمكن أن يحقق نتائج مثمرة، ومن يؤيد هذا النهج يعتقد أن المطلوب هو تعزيز "النفوذ" الأمريكي في المنطقة والحفاظ عليه وهو لا يتماهى أو يتطابق، بالضرورة، مع مفهوم تعزيز "القوة"، الصلبة على وجه التحديد. يستبطن هذا النهج بأن مبدأ الردع متحقق بهذا النفوذ وبأن القوات الأمريكية الموجودة كافية بالفعل لتأكيد هذا المبدأ، وعدم زيادتها بل حتى تقليصها لا يخلّ بهذا المبدأ.

الجدل حول هذا المعاني مستمر منذ ولاية الرئيس الأسبق، باراك أوباما ثم الرئيس السابق دونالد ترامب، لكن مجيء جو بايدن في ظل تحديات داخلية أمريكية؛ من التركيز على التعافي الاقتصادي، ومواجهة كورونا، والتصدي للانقسامات في الداخل الأمريكي، مقرونة بتنامي الإجماع الأمريكي على مواجهة التحدي الصيني، وعلى العودة للاتفاق النووي الإيراني، وانتهاز الدينامية التي خلقتها الاتفاقيات الإبراهيمية، إنما يخلق مزيداً من الأسباب والحوافز التي تدفع باتجاه تطبيق أكثر جدية لمسألة تراجع الحضور الأمريكي في المنطقة، "والخروج الفعلي من الحروب التي لا تنتهي"، وإعطاء مزيد من المساحة للديناميات الداخلية في المنطقة. يستند هذا في المحصلة إلى الوثوق بأن الولايات المتحدة ما تزال القوة الدولية الأكثر نفوذاً في الشرق الأوسط، وأنها تمتلك القوة الكامنة والفعلية لاستخدام "الفيتو" على أي سياسة تضرّ بمصالحها الكبرى في المنطقة وبأمن إسرائيل، وأن مِروحة حلفائها وشركائها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تضاهى مقارنة بما لدى غيرها من الخصوم الدوليين أو الإقليميين في هذا المجال.

وفي سياق ترسيخ منهج التمايز بين "القوة" و"النفوذ"، كان المنطق القديم، كما يشير بعض الخبراء، "هو أن انسحاب الولايات المتحدة من شؤون الشرق الأوسط سوف يترك فراغًا خطيرًا. التفكير الجديد هو أنه من خلال الحفاظ على مسافة ما، يمكن للمرء أن يشجع على قدر أكبر من الاعتماد على الذات".

وفي اللحظة التي تترقب فيها العواصم الخليجية وكذلك إسرائيل مثل هذا التراجع، وتحاول التكيّف مع استحقاقاته والتحسّب له؛ بخطوات جزئية وليس عبر استراتيجية شاملة، ثمة من يلفت الأنظار إلى أن "مستقبل الشرق الأوسط يتعلّق بتراجع القوّة الأمريكية وصعود الديناميات الداخلية في المنطقة، الإيجابية والسلبية، التي تملأ الفراغ".

رسالة الاعتماد على الذات أُخِذت من قبل حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط جدياً. تبدو "الوصفة" لتطبيق هذه الجدية متنوعة، وليست متسقة استراتيجياً بالضرورة، وتتراوح بين الحوار الخليجي مع إيران، ومحاولة تهدئة بؤر التوتر في اليمن وليبيا وسوريا، وتفعيل "الاتفاقيات الإبراهيمية" بتقوية الشراكة الخليجية الاستراتيجية مع اليونان وقبرص، إلى جانب إسرائيل، فضلاً عن تهدئة مصر والسعودية والإمارات مع قطر وتركيا، وبالعكس أيضاً، ومحاولة العراق ومصر والأردن التوصّل إلى صيغ مؤسسية أولية للتعاون، وسوى ذلك.

جدية الاعتماد على الذات تقتضي تغليب الأولويات الاقتصادية وتخفيف الاعتماد على القوة الصلبة في تحقيق السياسات الخارجية. لكنّ هذا لا يقدّم إجابة نهائية وشاملة. فمثلاً، انسحبت الإمارات من قاعدتها في عصب بإريتريا، ومن عدن، وحوّلت أولويتها في أفريقيا والقرن الأفريقي إلى الاستثمارات والتجارة وبناء المطارات (أرض الصومال نموذج واضح)، ومع ذلك ما تزال الحاجة لمحاربة الإرهاب في أفريقيا تستدعي مشاركة لوجستية عسكرية، فكان انضمام الإمارات في أواخر نيسان/أبريل 2021 "لجهود المجتمع الدولي بقيادة فرنسا في مكافحة الإرهاب في منطقة دول الساحل الإفريقي".

يبدو أن واشنطن حسمت أمرها بأن فوائد قرار تقليل الانخراط في الشرق الأوسط تفوق الأكلاف المترتبة على ذلك القرار.

لكنّ المؤشرات والدلائل غير مؤكدة على وجود استراتيجية شاملة ومتماسكة لدى حلفاء أمريكا حول كيفية التفاعل مع الخروج الأمريكي من المنطقة. التشتت والارتباك ما يزال قوياً. وإنتاج أدوات الردع الفعلية التي تعزز الحلول الدبلوماسية والتهدئة المستدامة غير متوافرة لدى هؤلاء الحلفاء، ونموذج الشراكة المؤسسية الأمريكية-الكورية الجنوبية أو الأمريكية-اليابانية أو حتى الأمريكية-التايوانية ما يزال بعيداً عن نهج هؤلاء الحلفاء وتحوطهم الاستراتيجي للانسحاب الأمريكي، وتطبيق "الاعتماد على الذات"، ولو نسبياً.

قد يحمل تفاعل إدارة بايدن مع جولة الصراع الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في القدس وغزة إشارة إلى عزم الإدارة الأمريكية بالفعل إلى عدم الانجرار للصراعات المحتدمة في المنطقة، وأن على أهلها إيجاد صيغ للتهدئة والتفاهم فيما بينهم، ونزع شوك خلافاتهم وسياساتهم المتعارضة بأيديهم، ويمكن لشركاء أمريكا مثل مصر وقطر والأردن والإمارات التدخل والمساعدة على إقناع طرفي الصراع بالتهدئة وعدم التصعيد، وكسر كثيرٍ من دوائر الاستقطابات التي شهدتها جولات الصراع السابقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

لكن في خضم جولة الصراع الجديدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين كان "اليوم العظيم" بالنسبة لبايدن إلغاء إلزامية ارتداء الكمامة في الأماكن المغلقة في الولايات المتحدة، ما يؤكد أن البوصلة تتجه إلى هذه الأولويات، وما دونها يتطلب تدخلَ الحدِّ الأدنى لمنع الانفجار، وليس محاولة الاستثمار في إيجاد حلول ومبادرات كبرى؛ فأطراف الصراع أنفسهم غير مستعدين لها.

محمد برهومة، باحث أردني في الشؤون الخليجية، من كتّاب "الحياة" اللندنية (1994-2018) و"الغد" الأردنية (2007-2018). لديه اهتمامات فكرية وصدر له كتاب "الوعي الأخلاقي ودوره في الإصلاح الديني"(2014).