مثل غالبية النساء في تونس، كانت رجاء تعمل في ظروف مرهقة للغاية، وأجور متدنية، في ظل عدم احترام شروط السلامة المهنية، أو ضمانات اجتماعية كافية.  في واقع عمل مرير مثل هذه تتعرض المرأة العاملة للعنف المعنوي والعنف الجسدي، وكالعادة تخاف النساء، ويخترن الصمت كي لا يفقدن أعمالهن.

لكن هذه الظروف الصعبة، التي تحتاج إلى كثير من الإصلاحات، أحالها الوباء؛ كوڤيد-19، إلى واقع جديد، لتجد رجاء نفسها وقد فقدت عملها البسيط، وفقد زوجها كذلك عمله، وبعد أن ظل لشهور طويلة عاجزًا عن الإنفاق على بيته، وبعد ما تفاقمت المشكلات والخلافات بينهما، كان الحل أمامه أن يهرب، لينجو بنفسه، ويتركها تواجه وحش الجوع مع أبنائها الأربعة بمفردها "خلاني وحدي" قالت. فَقدَ كلاهما عمله في قطاع السياحة؛ أحد أكثر القطاعات تضررًا بالوباء، ليس في تونس فقط، بل في العالم كله، مع الأخذ في الاعتبار أنه القطاع الحيوي الأول في تونس، وقد اضطرت الحكومة التونسية إلى إلغاء كل الفعاليات السياحية، وهو ما تسبب في خسائر غير مسبوقة.

في مجتمع تمثل النساء العاملات فيه نسبة تقترب من ٧٠ في المئة من قوة العمل في مختلف المجالات، لم تجد رجاء أمامها مجالاً للهرب مثلما فعل زوجها، لم تستطع التخلي عن مسؤوليتها، فهي أم، لكن عليها الآن أن تكون أمًا وأبًا في الوقت نفسه. لكن ما الحل والأمور صارت تسوء يومًا بعد يوم. مثل رجاء، وجد كثير من أصحاب الأعمال الصغيرة أنفسهم في هذا الواقع المؤلم، دون أي يلمسوا أي خطوات جادة من الحكومة التونسية لإيجاد حلول بديلة.

حين كان أحد أبنائها يشعر بالجوع، كانت رجاء تكاد تجن "نخرج في الشارع نبكي، كي المهبولة"، لا شيء يمكنه أن يطيب ألمها، تقتسم مساعدة بسيطة تحصل عليها مع جار آخر، في الظروف القاسية نفسها "نرحم بعضنا، كما تقول، لأن دولتنا لم ترحمنا".

لم تشغل الحكومة التونسية نفسها، التي تشددت في تنفيذ الإجراءات الاحترازية، بخلق بدائل حقيقية منقذة لهذه الفئة من المتضررين، وهي فئة واسعة النطاق تشمل العمال والحرفيين، وكذلك العاملين في القطاعات التي أجبرها الوباء على الإغلاق تمامًا. بدت إجراءات الإغلاق من جهة وكأنها تحميهم من الوباء، ولكنها من جهة أخرى تركتهم بين أنياب الجوع والحاجة. 

منتج وثائقي تونس : على باب الوالي، يسرد قصة رجاء كما رصدتها كاميرته.